الانتخابات الألمانية: تقدم اليمين المتطرف يدق ناقوس الخطر

Wait 5 sec.

تدخل معطيات جديدة على المشهد السياسي في الانتخابات الألمانية المبكرة، والتي تجرى اليوم الأحد لاختيار أعضاء البرلمان، يُنذر بعضها بالقلق في القارة الأوروبية، خصوصاً مع تقدم اليمين المتطرف إلى مستويات غير مسبوقة والمخاوف من تحوّله إلى لاعب في تشكيل الحكومة المقبلة. يأتي ذلك وسط تراجع بعض الأحزاب الأخرى وربما فشلها في تخطي نسبة الحسم المطلوبة، وهي 5% من الأصوات، ما يدقّ ناقوس الخطر في ألمانيا من انقلاب في المشهد السياسي. ساعات حاسمة أمام الألمان لاختيار تركيبة البرلمان الاتحادي (بوندستاغ) المقبل، فعند الثامنة من صباح اليوم بالتوقيت المحلي تبدأ عملية الانتخاب وسط حبس أنفاس لمعرفة نتائج التصويت التي ستقرر مصير المتنافسين على 630 مقعداً، وبالتالي حسم اسم المستشار الجديد، من اليسار أو يمين الوسط. فيما يشارك في الانتخابات الألمانية 4506 مرشحين من 29 حزباً.التنافس بين المستشار الحالي أولاف شولتز ومرشح يمين الوسط فريدريش ميرز ليس بعيداً عن اختيار الناخبين في صندوق الاقتراعمنافسة على المستشاريةصحيح أن تصويت نحو 60 مليون ناخب فوق سن الـ18 عاماً، من أصل 84 مليون نسمة، هو للأحزاب والمرشحين، لكن التنافس بين المستشار الحالي من الحزب الاجتماعي الديمقراطي، أولاف شولتز، ومرشح يمين الوسط في تحالف "الديمقراطي المسيحي" (بين الاتحادين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي) فريدريش ميرز، ليس بعيداً عن اختيار الناخبين في صندوق الاقتراع. كذلك لا يمكن إغفال تأثير نسبة المشاركة على نتائج الانتخابات الألمانية. فقد وصلت في 2021 إلى 76%، بينما أعلى نسبة مشاركة سُجلت في الغرب الألماني، كانت عام 1972 بنسبة بلغت أكثر من 91%.تأتي الانتخابات التشريعية المبكرة بعد انهيار حكومة شولتز الائتلافية بين حزبه وحزبي الديمقراطي الحر (الليبرالي) والخضر، والتي سميت حكومة إشارة الضوء المنبثقة عن انتخابات 2021. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي فشلت مباحثات شولتز مع وزير ماليته الليبرالي ألكسندر ليندنر بشأن الموازنة وسد عجزها من خلال تجاوز سقف الدين العام المقرر بنسبة 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي. رفض ليندنر تجاوز النسبة المئوية، بعد أن حكمت محكمة ألمانية بعدم قانونية استخدام الحكومة لـ60 مليار يورو من مبالغ خصصت للتعافي من جائحة كورونا. وبالتالي، لم يستطع شولتز النجاة في البرلمان لإبقاء حكومته كحكومة أقلية بين "الاجتماعي الديمقراطي" و"الخضر"، إلى جانب رفض "الديمقراطي المسيحي" الدخول معه في ائتلاف حتى الموعد الرسمي المقرر للانتخابات في سبتمبر/ أيلول المقبل، ما اضطر الرئيس الألماني، فرانك-فالتر شتاينماير، في 27 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى الإعلان عن الانتخابات المبكرة التي تجرى اليوم.قبل ساعات من اختتام الأحزاب الألمانية، أمس السبت، حملاتها الانتخابية، قال شولتز من دورتموند، مساء أول من أمس الجمعة، إنه "في المستقبل، سأكون واضحاً دائماً، حتى لو كان ذلك قد يجعل التنازلات أكثر صعوبة". وأكد على ضرورة "أن يكون واضحاً لبلدنا ما الذي على المحك وأين يريد المستشار الذهاب"، مشدداً على أن حزبه، "أقوى كثيراً مما توحي به استطلاعات الرأي الحالية"، وقوي بما يكفي "لقيادة الحكومة المقبلة". أما ميرز فقال أمام مؤيديه في مدينة أوبرهاوزن في ختام فعاليات الحملة الانتخابية لحزبه في ولاية شمال الراين-ويستفاليا غربي ألمانيا إن ائتلاف شولتز "سيكون أخيراً من الماضي".تقدم الديمقراطيون المسيحيون في استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضيةوسط تعويل على جذب الناخبين الذين لم يقرروا بعد لمن سيصوتون، يتقدم الديمقراطيون المسيحيون في استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية، ما دفع اختيار زعيمهم ومرشحهم إلى المستشارية، ميرز، تبكير موعد الانتخابات، إلى جانب اقتناص فرصة تراجع يسار الوسط (الاجتماعي الديمقراطي) بنحو عشر نقاط عما حققه في انتخابات 2021. في تلك الانتخابات حقق "الاجتماعي الديمقراطي" بزعامة شولتز أكثر من 25% من الأصوات، بينما لم يعطه آخر استطلاعات معهد يوغوف، يوم الجمعة الماضي، أكثر من 16% في الاستحقاق الحالي. اللافت في سياق هذه الاستطلاعات أن "الديمقراطي المسيحي" كان يواصل الثبات حول 29 - 30%، ما يعني تقدماً بنحو خمس نقاط عن انتخابات 2021 (حقق نحو 24%). يضع ذلك الحزب في مقدمة الأحزاب، ما قد يمكن ميرز من إنهاء مرحلة شولتز، التي شهدت عودة قصيرة ليسار الوسط إلى الحكم، بعد أن بقيت المستشارة المحافظة أنجيلا ميركل في السلطة لمدة 16 سنة، قبل انتخابات 2021.تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الألمانيةما يحققه ميرز وتحالفه "الديمقراطي المسيحي" لا يعني سلاسة في تشكيل الحكومة المقبلة. وإذا قُدّر له الصعود إلى درجات مكاتب المستشارية في برلين، فسيكون مضطراً للبحث عن تحالفات تفرض عليه ائتلافاً مع الخضر والليبراليين، وربما اجتذاب أحزاب الأقليات (مثل الدنماركيين شمالاً، المقدر لهم الحصول على 5%). ميرز الذي رفض سابقاً فكرة الائتلاف مع "الخضر" ترك الباب موارباً للاستفادة من نسبة تقدّر بنحو 13% متوقعة لهم. مع ذلك فإن ما يعقّد مهمته هو عدم تخطي "الديمقراطي الحر" (الليبراليين) نسبة الحسم المطلوبة بـ5%، فاستطلاعات يوم الجمعة، لا تمنحه أكثر من 4%، (حصل في انتخابات 2021 على نحو 11%)، ما يعني توديع الليبراليين لـ"بوندستاغ".الأرقام تعطي حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف أعلى نسبة مئوية منذ دخوله المعترك السياسي في 2013 تراجع يسار الوسط والتقدم الملحوظ لليمين القومي المتطرف يضع الساحة الألمانية أمام حالة استقطاب، بحسب ما يقول بعض المحازبين لـ"العربي الجديد". فالأرقام تعطي حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، بزعامة أليس فايدل، أعلى نسبة مئوية منذ دخوله المعترك السياسي في 2013. ومقارنة بانتخابات 2021 التي حقق فيها نسبة نحو 10% يضاعف "البديل" نسبته بحسب الاستطلاعات بتحقيق نسبة تتراوح بين 20 إلى 21%. ذلك يعني ببساطة، وفق عضو البرلمان الاتحادي الألماني عن حزب الأقلية الدنماركية (أس أس في) ستيفان شايدلر، أنه "لا يمكن تجاهل تقدم اليمين القومي المتطرف"، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن هذا "ما يقلقنا ويقلق غيرنا ممن لا يتفق مع تطرفه (البديل) القومي".ما يقلق شايدلر خلال الانتخابات الألمانية الحالية، ينسحب أيضاً على قلق آخرين على الساحة السياسية في البلاد، من حيث الإشارات غير المطمئنة بالنسبة لهم. يقول القيادي في حزب اليسار "دي لينكه"، أولي ستيفان، والمسؤول عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ في سلايفيسغ هولشتاين في شمال ألمانيا، لـ"العربي الجديد"، إن ميرز يظهر إشارات "مبطنة لإمكانية تحطيم جدار الحماية الذي يمنع منح التطرف السياسي نفوذاً في الحياة السياسية". ميرز الذي استعان أواخر الشهر الماضي بأصوات "البديل" للتصويت على تشديد قانون اللجوء ورفض "حق طلب اللجوء"، عاد للتأكيد أنه لن يتحالف مع اليمين المتطرف للوصول إلى منصب المستشارية. لكن ذلك لم يلغ مخاوف البعض في الطبقة السياسية التقليدية، خصوصاً مع تقارب خطابه حول قضايا من بينها مسائل الهجرة واللجوء، مع خطاب اليمين المتطرف. وهو أمر كرره ميرز بشأن ضرورة التشدد مع هجمات بالسكاكين والدهس على يد لاجئين و"طالبي لجوء" مرفوضين.اندفاع شبابيعلى المقلب الآخر فإن حالة الاستقطاب أنتجت في الأيام الأخيرة مشهداً غير مسبوق في اندفاع جيل شبابي نحو التعبير عن رفضهم منح اليمين المتطرف فرصة التحول إلى جزء من مشهد التشريعات والحكم، عبر الاتجاه للعضوية في الحزب اليساري "دي لينكه". ويؤكد قادة ومرشحون من اليسار، لـ"العربي الجديد"، أن حزبهم توسع في الأيام الماضية بنحو 10 آلاف عضو جديد على مستوى البلاد، ليصل إلى حوالي 91 ألف عضو، وهو أمر لم يحصل منذ تأسيس "دي لينكه" عام 2007.خلال الأيام الماضية لعبت الشخصية الشبابية والمرشحة الرئيسية عن اليسار إلى "بوندستاغ"، هايدي رايشينيك دوراً كبيراً في اجتذاب الشباب الألماني، خصوصاً على منصة تيك توك، وذلك بتركيزها على القضايا الاجتماعية وحقوق الشباب والتعليم والأسر ورفض العنصرية والتمييز. يأتي ذلك بعد أن كان الحزب يسلط الضوء كثيراً على قضايا التغيرات المناخية. ووفقاً لاستطلاعات "يوغوف" الجمعة، فمن المتوقع حصول "دي لينكه" في الانتخابات الألمانية على نسبة نحو 8%، بعدما كانت النسبة بدأت تقفز في الأسبوع الماضي (كان الشهر الماضي يراوح نسبة أقل من نسبة الحسم).إلى جانب تقدم اليسار واليمين المتطرف، يمكن ملاحظة أن حزب تحالف سارا فاغنكنشت، سيكون على موعد تمثيله في "بوندستاغ"، وفقاً للاستطلاعات التي منحته نسبة 5% في الانتخابات الألمانية. ولا يعرف بعد إلى أي جهة ستتوجه فاغنكنشت التي تصنف كشعبوية يسارية، إذا تعقدت مهمة تركيب حكومة مستشار جديد، خصوصاً إذا خرج الحزب الليبرالي خالي الوفاض من الانتخابات. وبعيداً عن أصوات اليمين المتطرف، فإنه إذا لم يستطع ميرز تشكيل ائتلاف حكومي مع الخضر والليبراليين، فيمكن عندها لحزب يسار الوسط (الاجتماعي الديمقراطي) بزعامة شولتز تخفيف خسائره المتوقعة بقبول الانضمام إلى تحالف مع "الخضر" و"الديمقراطي المسيحي" برئاسة ميرز للحكومة. ذلك أمر بالتأكيد لن يُحسم إلا حين يقول الناخب الألماني كلمته النهائية.