منذ مراهقتي أو ربما أبكر، داخلني الخوف من أن أقتل بحادث سير. أي أنه لم يكن خوفًا من الموت بشكل عام كما بدا لي، بل من الموت أثناء القيادة. لا أعرف من أين أتى هذا الفزع، خاصة أنه كانت لدي كل الأسباب، منذ مراهقتي، لأخاف من أنواع عنيفة أخرى متنوعة ولم أفعل: كالخوف من الذبح على الهوية خلال الحرب الأهلية، أو من الاغتصاب أثناء فوضى طاولت شوارع كنا نسكن فيها وهجرناها، أو من قتل أهلي في الفترة نفسها لأسباب طائفية في قريتنا مختلطة الأديان، أو من الموت برصاصة قناص، وقد كدت فعلًا أُقتل بتلك الطريقة مرات عدة. كل ذلك لم يكن يخيفني، أو لنقل كان يخيفني بطريقة واقعية خلال الخطر الفعلي، وكنت أعرف كيف أقي نفسي من تلك المخاطر. لكن الخوف من الموت بحادث سيارة؟ لم يكن مفهومًا.حتى في مهنتي مراسلة حرب وتغطيتي الميدانية العدوان الإسرائيلي على بلادي الذي تكرر في الأعوام التالية: 1993/1996/2006/2024.. لم أكن خائفة بشكل لاعقلاني، لا بل كنت أبدو متهورة لمن يراقبني وأنا أعمل تحت القصف أو أدخل مناطق خطرة.أضف إلى ذلك أن أحدًا من أهلي لم يصب بهذا النوع من الحوادث فأبي، رحمه الله، كان سائقًا بارعًا، فضلًا عن عمله في شرطة السير، وكان مشهورًا بتشدده في تطبيق القوانين لدرجة تلقي العقوبات بسبب حفاظه عليها دون الالتفات لرتبة أو مكانة المخالف. فلم أخاف من حادث سير إلى هذا الحد؟ لم أفهم.بداية، لم أكن أدرك أن هذا الخوف كان خلف قراري بعدم تعلم القيادة. تحججت بأشياء كثيرة لكيلا أفعل: تارة بالحرب الأهلية، وهي كانت فعلًا مبررًا لمراهقة لا يؤمن مرورها على حاجز هنا أو هناك فتختطف، ثم في السلم بتفضيلي تشجيع النقل العام والخاص والمساهمة بذلك في تنشيط الدورة الاقتصادية، كما لو كانت هذه الأخيرة متوقفة على مساهمتي بهذا الشكل. ثم لم أعد أفكر بذلك لدى انتقالي إلى باريس للدراسة ثم العمل، ذلك أن وسائل النقل العامة هناك، والمتوفرة بكل أشكالها، كانت هي العملية فعلًا، لا السيارات الخاصة.ومع أن والدي حاول تعليمي القيادة واستفدت منه بدرسين أو ثلاثة قبل أن «أضيّق له خلقه»، لا بل إني عمدت برفقة أصدقاء المراهقة إلى سرقة سيارته في إحدى المرات، لإنه قيل لي إنه من طقوس تعلم القيادة سرقتها، إلا أني يومها لم أقدها على طرقات رئيسة. فقد حدث ذلك ليلًا في القرية أثناء انشغال الوالد بسهرة عن الأقارب. ولقد انتهت «المغامرة» بأن علقت السيارة، أو بالأحرى عجلتها الخلفية، لدى إعادتي لها، في قناة مياه للري أثناء محاولتي إرجاعها إلى الخلف، ما استلزم نداء استغاثة للرفاق سرًا من بيت الجيران حيث كان والدي، فاكتشف ما كنا ندبره، وعاد معهم وأخرجناها من القناة وأكلت نصيبي من استياء أبي الذي لم يفهم لِمَ كان عليّ أن أسرق السيارة وأتبع هذه الطقوس الغريبة، في حين أنه عرض عليّ أن أقودها شرعًا.لا أعلم متى أتاني ذلك الخوف. هل كان بسبب مقتل ابن الجيران بحادث لدى عودته ليبشر أهله بنجاحه في امتحان البكالوريا؟ أم بسبب الجار الآخر الذي كنا نحبه كثيرًا في قريتنا، وهو الآخر قُتل في حادث سير رهيب؟لا أعلم متى أتاني ذلك الخوف. هل كان بسبب مقتل ابن الجيران بحادث لدى عودته ليبشر أهله بنجاحه في امتحان البكالوريا؟ أم بسبب الجار الآخر الذي كنا نحبه كثيرًا في قريتنا، وهو الآخر قُتل في حادث سير رهيب؟ هل كان كابوسًا راودني ذات منام وحفر في لا وعيي؟ أم إنه كان مجرد خوف من إهمال الآخرين، من الفوضى، أو قلة ثقة بالناس؟بعد نهاية الحرب الأهلية بكثير، كنت قد عدت إلى بيروت وبدأت العمل محققة صحافية. ولقد استلمت ملف المخطوفين في الحرب الأهلية، وهو ملف كلما أوغلت فيه وفي تفاصيله كان الألم والغضب يوغلان في قلبي. انغمست في المشروع لدرجة أني ذات ليلة، رأيتني في ما يرى النائم نفسه داخل سيارة ركاب قبيل نفق نهر الكلب الشهير المؤدي من الشمال إلى بيروت، وهي نقطة اشتهرت بأن حوادث الخطف كانت تحصل عندها خلال الحرب الأهلية، وإذ بمسلحين ينزلوني من السيارة ويختطفوني. لم أعد أذكر تفاصيل كثيرة، لكني تذكرت أني تسللت للهرب منهم واستطعت أن أستولي على سيارة عسكرية. ثم جلست خلف المقود، لكني تذكرت، حتى في الكابوس، أني لا أعرف القيادة.ومع ذلك، عزمت على المحاولة مهما كلّف الأمر. وإذ بي أهوي في قاع وادٍ سحيق، في بحيرة، وحين استفقت وأنا أشهق، كنت قد شارفت على الغرق وأنا أناضل للخروج من المياه، إذ إني كذلك لا أتقن السباحة. ولما استيقظت، وجدت أني في الحقيقة كنت أغرق في بحر من العرق.يومها، فكرت كثيرًا بهذا الكابوس، وفهمت أنني في الحقيقة كنت أخاف من الموت بأشكال لا أتقن حماية نفسي منها. كان الموت مسيطرًا على لا وعيي، يخيم على روحي المشبعة بصور الجثث التي اختزنتها خلال الحرب الأهلية من جهة، ثم خلال العمل مراسلة حرب، ثم في الغوص بقصص المخطوفين. روح مجبرة على العيش في مقبرة المخيلة التي كانت الحروب المتتالية في واقعنا لا تنفك ترفدها بكل أشكال الموت.لقد رصف الموت ذاكرتي منذ صغري، وما كنت أتحجج به من خوف من حادث سير دفعني لأن أمتنع عن تعلم القيادة، كان في الحقيقة، عكس ما جزمت به حتى اليوم: خوف من موت بطريقة أجهل كيف أحمي نفسي منها، خلافًا للأشكال الأخرى إن كان خلال الحروب الأهلية أو الإسرائيلية المتكررة والتي طورت طرقاً لحماية نفسي منها بشكل أو بآخر.أرواحنا في هذه المنطقة من العالم، باتت متعفنة من أخبار وصور الموت غير الطبيعي. كأنما الموت على الفراش أصبح رفاهية نكاد نحمد الله عليها إن نلناها. أرواح محطمة كشظايا الزجاج، غير قابلة للترميم، تكاد لو كان لحطام الروح صوت، تصم الآذان بصوت قرقعتها.لذا، وبدلًا من أن أمتنع عن تعلم القيادة وأترك الأمر للآخرين، بدأت أفكر في أنني يجب أن أفعل حتى لو كنت متأخرة. فماذا لو مت فعلًا بحادث، لكن لأني أجهل القيادة التي خفت أن أتعلمها لئلا أموت بحادث؟