لا تزال الوثائق عن فترة الديكتاتورية الإسبانية تكشف الكثير من الحقائق. آخرها العثور على أكثر من 2000 كتاب في جحيم المكتبة المركزية للجيش الإسباني، ظلّت مخفيّة مدّة نصف قرن تقريباً بحجّة "أنّها من الأدب الماركسي، وأنّها كتبٌ خطيرة، لا أخلاقية، تحرض على معارضة الحركات الوطنية، بوصفها قراءات تساهم في حل روح الشعب الإسباني الجديد الذي يحلم بالعظمة والحرية". على مرّ التاريخ، لعبت السلطة بأشكالها السياسية والدينية والاجتماعية المختلفة دوراً محوريّاً في إرسال الكتب إلى الجحيم، حرقاً وهدماً ورقابة. وعموماً تشيرُ حوادث حرق كتب المؤلّفين، وتدمير المكتبات، والرقابة على الكتب إلى ميل الأنظمة المُستبدة إلى مقاومة المعرفة، وما تعنيه من حريّة وتنوير. وقد عبّر عبد الرحمن الكواكبي عن ذلك حين قال "لا يخفى على المستبد أنّه لا يمكن الاستعباد أو الاعتساف إلا ما دامت الرعية غافلة تتخبط في ظلام الجهل". بمراجعة بسيطة لتاريخ البشرية، سنرى أنّه حافل بقصص إرسال الكتب إلى الجحيم، سواء عبر حرقها، أو رميها في الأنهار، أو حتّى تدمير المكتبات. وقد ذكر المؤرخ الأميركي، ويل ديورانت، في "قصة الحضارة" أنّ الفيلسوف اليوناني بروتاغوراس، حين أعلن أن الحقيقة والخير والجمال هي أمور نسبية وشخصية، انتهى الأمر به بأن نفي خارج مدينة أثينا، وحُرقت كتبه في الساحة العامة. وفي التراث العربي الإسلامي الكثير من الحوادث المشابهة، منها تمثيلاً لا حصراً، تدمير المكتبة الفاطمية الضخمة الذي قام به صلاح الدين في القاهرة، وأمر بحرق الكتب في الحمامات والمدافئ. كذلك حدث تدمير مكتبة المنصور في قرطبة، بعد الضغوط التي تعرّض لها حتّى تركهم يدمّرون ثروة معرفية استثنائية. ومن هولاكو في بغداد، والصليبيّين في قسطنطينية الذين شكّوا رؤوس حِرابهم بكتبٍ انتزعوها من أكبر مكتبة في العالم آنذاك، ومحاكم التفتيش في إسبانيا التي كانت تحرق الكتب العربية واليهودية، ثم وصول الإسبان إلى العالم الجديد وحرقهم كتب المايا والآزتيك، وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية وما سبّبته من تدمير هائلٍ للكتب والمكتبات، شهدت الإنسانية جرائم مروّعة قام بها الإنسان إزاء الكتاب وإزاء نفسه، ذلك أنه في كلّ كتاب دمره أو أحرقه كان يحرق نفسه. كيف يقدر كاتب على أن يخدم بلاده إن كان الحريق يأكل أحشاءه؟وبطبيعة الحال، لم تعد السلطة اليوم تحرق الكتب بالمعنى الحرفي للكلمة. بل صارت تمنعها. وهو تدمير يكاد أن يكون أبشع من الحرق. لقد صار منع الكتب الأساس الذي تقوم عليه الثقافة. ولم تعد السلطة هي التي تمارس هذه الرقابة أو ذلك المنع وحدها، بل أصبح عضوياً في بنية المجتمع، وهو في كثيرٍ من طبقاته لا مرئي. هكذا غدت الرقابة، منعاً ورفضاً وحجباً وإلغاءً، الممارسة السائدة في الثقافة العربية الراهنة، وهي ممارسة تتبنّاها السلطة، كاشفة بذلك عن مدى عمائها الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي، وعن المسارات التي تتبعها انحداراً إلى الهاوية. وتتنوّع أشكال منع الكتاب ومظاهره، فبعضها من أجل فكرة جاء بها، أو رأي أو جملة. وأحياناً يكون من أجل كلمة. وفي بعض البلدان العربية، يمنع لأن كاتبه شخص ما دون غيره. وسمعت كثيراً من الحوادث التي رواها ناشرون وكتّاب عانوا من المنع والرقابة. وشخصياً، عشت هذه الحالة، منذ بدأت الكتابة في صفحات جريدة "العربي الجديد"، حيث لم يكن بوسع أصدقائي في المدن العربية قراءة ما أكتبه، لأن الجريدة ممنوعة في بعض البلدان العربية، والتي كان من بينها بلدي الأم سورية، قبل سقوط نظام البعث. وأذكر مؤخراً أنّني أرسلت إلى صديق شاعر في السعودية أحد مقالاتي، فكتب لي قائلاً إنّه لم يتمكن من قراءة المقال، لأن موقع الجريدة محظور، معللاً سبب الحظر بـ"تراخي العربي الجديد في رفع الحجب". "للكتاب مجرى حياة يشبه مجرى الحياة عند البشر"، و"حيث تُحرق الكتب، يُحرق البشر"، إذا ما أخذنا بهذين الاستشهادين، يمكن القول إن حياة الكاتب العربي، بل أكاد لا أبالغ إن قلت حياة الإنسان العربي، احتراق متواصل، فحين يُمارس فعل الرقابة والمنع على الملكة الوحيدة التي يمتلكها العربي اليوم، أقصد اللغة، وحين يُحرم هذا الإنسان من أن يؤلّف بحرية، ويكتب بحرية، ويتكلم بحرية، فكأنّه يحرق وهو حيٌّ. تماماً كما كانت تُحرق الكتب سابقاً لسببٍ أو لآخر.كيف يقدر إنسان أو كاتب أو أي شخص على أن يخدم بلاده إن كان الحريق يأكل أحشاءه؟ ألهذا لا يقدّم الإنسان العربي اليوم إلى بلاده إلا النار أو الاختناق؟ * شاعر ومترجم سوري مقيم في إسبانيا