في قلب غزة، حيث يُحاصر الأفق بجدران الإسمنت، والسماء تزدحم بالطائرات، يأتي فيلم "يلا باركور" للمخرجة عريب زعيتر وثيقة بصرية تتجاوز الحصار، لتمسك بروح مدينة تبحث عن الحرية وسط الدمار. الفيلم شارك أخيراً في مهرجان برلين السينمائي، بعد عرضه في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وحصد الجائزة الكبرى في مهرجان DOC NYC، حيث عُرض لأول مرة عالمياً. لا يكتفي "يلا باركور" بسرد قصة شاب فلسطيني يمارس رياضة الباركور، بل يفتح نافذة واسعة على ثنائية المنفى والحصار، وعلى البحث عن الذات بين الوطن والشتات.عريب زعيتر مخرجة فلسطينية أردنية، نشأت في الشتات بين عدة دول، لكنها حملت معها دوماً هاجس الانتماء والبحث عن الجذور. درست السينما في الولايات المتحدة، وحصلت على درجة الماجستير في الفيلم والفيديو من الجامعة الأميركية في واشنطن. عملت في مجال الإعلام وصناعة الأفلام الوثائقية لسنوات، واهتمت بتوثيق قضايا الهوية والمنفى واللجوء الفلسطيني من منظور شخصي وإنساني.عُرفت زعيتر بأعمالها التي تتناول قضايا الفن والمقاومة والهوية، وحازت أفلامها على عدة جوائز دولية. من بين أعمالها الوثائقية البارزة، "ألوان المقاومة"، الذي نال جوائز عدة، وعملت في مؤسسات إعلامية بارزة، مثل وكالة أسوشييتد برس، وشغلت مناصب في مؤسسات فنية، مثل الهيئة الملكية للأفلام ومهرجان عمّان السينمائي: أول فيلم في الأردن. ولعلّ فيلم "يلا باركور" أكثر أعمالها خصوصية، إذ يعكس رحلتها الشخصية في محاولة فهم غزة من الداخل، من خلال قصة أحمد مطر.في سعيها وراء ذكرى تعزز إحساسها بالانتماء، تلتقي عريب بأحمد، الرياضي المتخصص في الباركور في غزة، ما يشعل رحلة تتقاطع فيها الطموحات المتضاربة. يلتقي الحنين بالطموح، ويواجه ثقل الماضي المقيد مستقبلاً غير متوقع.تنطلق عريب زعيتر في فيلمها من نقطة شخصية للغاية، من ذكرى طفولتها، حين كانت تقضي عطلاتها الصيفية في فلسطين. تظل صورة والدتها وهي تبتسم على شاطئ غزة راسخة في ذاكرتها، لكنها ليست مجرد صورة نوستالجية، بل هي إحساس عميق بالانتماء. في حديث زعيتر إلى "العربي الجديد" عن هذه اللحظة، تقول: "كانت تلك الابتسامة أقرب إلى إعلان حرية، إلى انتماء يتجاوز الحدود والجوازات. لم يكن الأمر مجرد تذكار طفولي، بل كان هوية تتشكّل في ملامح البحر وصوت الأمواج".هذه الذكرى لم تكن مجرد مشهد من الطفولة، بل مثّلت جذوراً للهوية، وإحساساً صعباً بالفقد، يتجسد لاحقاً في حياة المنفى التي تعيشها زعيتر. لم يكن لقاؤها بأحمد مطر مجرّد مصادفة، بل كان امتداداً لرحلتها في البحث عن ذلك الوطن الذي أصبح بعيداً عنها، لكنه لا يزال محفوراً في ذاكرتها.في البداية، كانت لدى زعيتر صورة رومانسية عن فلسطين، تلك التي تزورها في الصيف، وترى فيها بريق الوطن من دون أن تعيش تفاصيله اليومية القاسية. لكن، من خلال العمل على الفيلم، بدأت تدرك غزة الحقيقية، ليس فقط عبر الصور، بل عبر أصوات الحياة اليومية التي كانت تصلها من خلال الفيديوهات التي كان يرسلها أحمد مطر.تقول زعيتر: "رأيت كيف أصبح الباركور طريقته للهروب من الحصار، وكيف تحولت يومياته إلى صراع مستمر بين الرغبة في الحياة والقيود المفروضة عليه. هذا الفيلم غيّر رؤيتي تماماً، إذ جعلني أرى غزة من منظور أهلها، وليس من الخارج". هذا التحول كان محور الفيلم؛ من فيلم عن رياضة، إلى فيلم عن الإنسان، عن الحصار الذي لا يقيده بالجدران وحسب، بل يقيده بالحدود غير المرئية التي تفصل الأحلام عن الواقع."إنتاج فيلم عن غزة وأنت بعيد عنها ليس أمراً سهلاً، خاصة في ظل القيود المفروضة على الوصول إلى القطاع"، تقول زعيتر، التي كانت تتابع المشروع من الخارج، وواجهت هذه العقبة بالاعتماد على المصور إبراهيم العطلة في غزة، فكان هناك تبادل مستمر للأفكار واللقطات بينهما.توضح زعيتر: "كنت أرسل له مراجع فيديو وأطلب منه إعادة التصوير إن لزم الأمر. هذه العلاقة لم تكن فقط عملية إنتاج، بل أصبحت وسيلة لفهم غزة من الداخل من خلال عيون شخص يعيشها يومياً".هذه الديناميكية بين الداخل والخارج لم تكن مجرد تحدٍّ إنتاجي، بل شكّلت بُعداً عاطفياً للفيلم. كانت زعيتر تحاول أن تعيش غزة من خلال أعين أحمد وإبراهيم، محاولة التقاط تفاصيل قد لا تراها لو كانت موجودة هناك.في البداية، كان أحمد ينظر إلى الفيلم بوصفه فرصة لإظهار مهاراته في الباركور، لكن مع الوقت، تغيّرت العلاقة بينه وبين زعيتر، وتغيّر الفيلم معه. أمسى "يلا باركور" منصة لحكايته ورغباته وأحلامه، وللأسئلة التي كان يطرحها حول مكانه في هذا العالم.تقول زعيتر: "بدأ أحمد يرى الفيلم ليس فقط وسيلة لإبراز موهبته، بل وسيلة لرواية قصته؛ قصة شخص يريد أن يكون أكثر من مجرد صورة نمطية لشاب فلسطيني تحت الحصار".لطالما شعرت زعيتر بأنها "دخيلة" عندما كانت تعود إلى فلسطين، فلم تعش المعاناة اليومية كما يعيشها فلسطينيو غزة. لكن عبر الفيلم، وجدت أن الانتماء ليس مجرد مكان، بل هو تجربة، هو سردية نعيشها: "قال لي أحمد مرّة: أنتِ جزء منا، أنتِ فلسطينية مثلنا. هذه الجملة كان لها وقع كبير عليّ، لأنها جعلتني أدرك أن فلسطين ليست فقط المكان، بل هي أيضاً القصة التي نحملها معنا، مهما كنا بعيدين".لطالما صُوِّرت غزة في الإعلام بوصفها رقماً في نشرات الأخبار، لكن زعيتر أرادت أن تُظهر الجانب الآخر، الجانب الذي لا يُرى عادة: "كثيرون يرون غزة مجرد مكان للمعاناة، لكن ما لا يدركونه هو أن فلسطينيي غزة ليسوا مجرد ضحايا، بل هم بشر لديهم أحلام وطموحات مثل أي شخص آخر. هناك مجتمع نابض بالحياة، وثقافة غنية، وشباب يبحث عن طرق للتعبير عن أنفسهم رغم كل الظروف".بالنسبة إلى زعيتر، الوثائقي هو الوسيلة المثلى لسرد هذه القصة. لم يكن من الممكن اختلاق سيناريو لهذه الحكاية، لأنها قصة تتكشف أمام أعيننا كل يوم: "الفيلم الوثائقي يتيح لي التفاعل مع الواقع كما هو، من دون الحاجة إلى خلق سيناريو خيالي. وجدت في الوثائقي مساحة للإبداع والتجريب، إذ يمكنني الجمع بين الحقيقة والسرد الفني بأسلوب مؤثر".بينما ينتهي الفيلم، يبقى هناك سؤال معلّق: ماذا سيحدث لاحقاً؟ هل سيجد أحمد مكاناً جديداً يحقق فيه أحلامه، أم أن المنفى، مثل الحصار، يحمل قيوده الخاصة؟تقول زعيتر: "عندما رأيت أحمد يغادر غزة، شعرت بمزيج من الفرح والقلق. كنت أعرف أن المغادرة تعني الحرية، لكنها تعني أيضاً الوحدة. كنت أفكر: هل سيجد ما يبحث عنه؟ أم أنه سيحمل غزة معه أنّى ذهب؟". هذا هو جوهر "يلا باركور"، قصة عن الحدود غير المرئية، عن البحث عن الحرية، عن القفز فوق الحواجز، سواء كانت مادية أو نفسية، في سعي دائم إلى وطن مفقود لكنه دائم الحضور.