يبرز توجه جديد في السياسة المصرية في التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي ومياه النيل، يقوم، وفق مصادر دبلوماسية، على فتح آفاق جديدة للتعاون مع دول حوض النيل بشكل خاص، والدول الأفريقية بشكل عام. وتضيف المصادر لـ"العربي الجديد"، أنه تقرر التنسيق مع السودان في هذا الإطار، لا سيما بعد تمكن الحكومة السودانية والجيش من السيطرة على مساحات مهمة خلال الحرب الدائرة في البلاد منذ ما يقارب السنتين، وهما حليفان قويان لمصر، بعكس قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي كان متحالفاً مع خصوم مصر السياسيين الإقليميين، خصوصاً إثيوبيا.وتشير المصادر نفسها إلى أنه مع تصاعد التحديات التي تواجه الأمن المائي لمصر والسودان، يتجدد التأكيد على أهمية التنسيق المشترك بين البلدين لمواجهة التداعيات الناجمة عن موقف أديس أبابا المتعنت في قضية سد النهضة الإثيوبي، والتطورات المتعلقة باتفاقية عنتيبي التي تهدد الحقوق المائية التاريخية لكلا البلدين. واتفاقية عنتيبي أو "الاتفاق الإطاري التعاوني لدول حوض النيل"، تم توقيعها عام 2010 في مدينة عنتيبي الأوغندية من قبل إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وكينيا وبوروندي، قبل انضمام جنوب السودان في 2023.عمل مشترك ورؤية موحدة بين مصر والسودان لحماية المصالح المائيةأمن مائي لا يتجزأفي هذا السياق، انعقدت آلية التشاور السياسي بين مصر والسودان في القاهرة يوم 23 فبراير/شباط الحالي، برئاسة وزيري الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والسوداني علي يوسف الشريف، لتوحيد الرؤى وتعزيز العمل المشترك لحماية المصالح المائية. وأكد الاجتماع على ارتباط الأمن المائي المصري والسوداني بوصفهما كيانا واحدا لا يتجزأ، في ظل التهديدات التي تفرضها التحركات الأحادية التي تقوم بها إثيوبيا، والتي تمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية الحاكمة لمياه النيل. وشدد الجانبان في الاجتماع نفسه، وفق بيان مشترك، على ضرورة التزام كافة الأطراف بالقواعد القانونية الدولية، والامتناع عن أي إجراءات أحادية قد تضر بمصالح الدول الأخرى. وأكدا على موقفهما الثابت بأن أي مشاريع على نهر النيل يجب أن تتم بالتوافق بين الدول المعنية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي، ويمنع اندلاع الأزمات الناجمة عن الصراعات المائية.من جهة أخرى تمثل اتفاقية عنتيبي تحدياً كبيراً لمصر والسودان، إذ تهدف إلى إعادة توزيع حصص مياه النيل دون مراعاة الحقوق التاريخية المكتسبة للدول المشاطئة، وهو ما ترفضه مصر والسودان رفضاً قاطعاً. ويسعى البلدان إلى إعادة مبادرة حوض النيل (تم تدشينها عام 2000 بتنزانيا، وتضم في عضويتها جميع دول حوض النيل وهي بوروندي ورواندا وتنزانيا وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وإثيوبيا وإريتريا والسودان ومصر) إلى قواعدها التوافقية التي قامت عليها، إذ شددا خلال اجتماع آلية التشاور السياسي على ضرورة استمرار العمل المشترك مع دول المبادرة لاستعادة التوازن وضمان تحقيق المنفعة المشتركة لجميع دول الحوض دون الإضرار بحقوق أي طرف.وتقول المصادر إنه في ظل هذه التحديات، يعزز التنسيق المصري السوداني التحركات الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي، بهدف حشد الدعم اللازم لقضيتهما العادلة، وضمان الالتزام بالاتفاقيات السابقة التي تحكم تقاسم المياه. وتضيف أن هذا التنسيق ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي المائي لكلا البلدين، في ظل استمرار التهديدات التي تفرضها السياسات الإثيوبية غير التوافقية، مشيرة إلى أنه في هذا الإطار، يظل المسار الدبلوماسي والسياسي الخيار الأمثل لمواجهة التحديات المائية.نجلاء مرعي: مصر كانت داعماً رئيسياً لمبادرة حوض النيل قبل إيقاف مشاركتها عام 2010 بسبب خلافاتالتعاون بين دول حوض النيلتؤكد الباحثة المصرية والخبيرة في الشؤون الأفريقية، نجلاء مرعي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "مصر كانت داعماً رئيسياً لمبادرة حوض النيل، إذ قدمت مساهمات مالية وفنية، ولعبت أدواراً محورية في تعزيز التعاون الإقليمي بين دول الحوض". وتوضح أن "القاهرة توقفت عن المشاركة في أنشطة المبادرة عام 2010 بسبب الخلاف حول مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات، إذ كانت مصر متمسكة بهذا المبدأ، بينما فُتح المجال حينها لاعتماد القرارات بمبدأ التوافق، ما أدى إلى تعميق الخلافات بين دول حوض النيل وزيادة التوترات الإقليمية". وبدأ الوضع في التحسن أخيراً، وفق مرعي، مع "إطلاق عملية تشاورية جديدة تضم سبع دول من دول الحوض (أوغندا وجنوب السودان ورواندا ومصر والسودان وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية)، من بينها مصر"، معتبرة أن هذه الخطوة "إيجابية نحو استعادة التعاون الإقليمي". وترى أن "مصر ملتزمة بدعم هذه العملية"، مضيفة أن "استئناف المشاركة المصرية في المبادرة مستقبلاً سيكون خطوة إيجابية، خصوصاً أن غياب مصر عن أنشطة المبادرة أثر سلباً على مصالحها".وبشأن إمكانية تحقيق اختراق في المفاوضات حول سد النهضة ومياه النيل، تقول مرعي إن "المشكلة ليست في الجهات الوسيطة، إذ سبق لمجلس الأمن إصدار توصية عام 2023 تحث إثيوبيا على الدخول في المفاوضات بحسن نية، لكنها لم تنفذ"، مشيرة إلى "تعثر جهود الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن في حل الأزمة". ولم تستبعد مرعي، إمكانية تدخل الولايات المتحدة، موضحة أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى (2017-2021) أثارت ملف سد النهضة الإثيوبي في محادثاتها مع مصر (وساطة)، "إلا أن غياب الإرادة السياسية الإثيوبية يظل العقبة الأكبر أمام التوصل إلى حل". وباعتقاد مرعي فإن مصر "تعمل حالياً على استراتيجية أكثر شمولاً لحماية مصالحها المائية، عبر تعميق علاقاتها مع دول حوض النيل من خلال توقيع اتفاقيات أمنية وسياسية، خصوصاً مع جيبوتي وإريتريا والصومال، إلى جانب تنفيذ مشروعات مائية في دول مثل تنزانيا وكينيا.محمد حافظ: الإدارة الأميركية تستخدم ملف سد النهضة ورقة ضغط على مصرورقة سد النهضةمن جهته، يرى أستاذ هندسة السدود، محمد حافظ، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الإدارة الأميركية تستخدم ملف سد النهضة ورقة ضغط على مصر، خصوصاً في ما يتعلق بملف هجرة (تهجير) الفلسطينيين من غزة"، موضحاً أن "الولايات المتحدة والبنك الدولي لن يشجعا أي وساطة حقيقية تصب في صالح مصر، بل سيواصلان تقديم الدعم المباشر وغير المباشر لإثيوبيا". ويضيف أن "هناك احتمالات كبيرة بأن تعلن إثيوبيا قريباً عن مشروع بناء سد جديد، مثل سد كاردوبي، في جزء من سياسات الضغط والمكايدة السياسية تجاه مصر". ويشير حافظ إلى أن "إثيوبيا وقّعت أخيراً اتفاقية تبادل خبرات مع إسرائيل"، في خطوة يرى أنها تأتي في أعقاب "رفض مصر أي مقترحات متعلقة بالتهجير (الغزيين)، ما يفتح الباب أمام احتمالية مشاركة إسرائيل في إدارة وتشغيل سد النهضة عبر شركة دولية قد تعمل على بيع المياه لدول المصب، وهو سيناريو تدعمه أطراف إقليمية مثل الإمارات". ويحذر من أن "عدم استجابة مصر لهذه التحركات قد يعرضها لضغوط إضافية، سواء عبر تقليص كمية المياه المتدفقة إليها أو الإعلان عن مشروعات مائية جديدة تهدد حصصها المائية".وتعتمد مصر حالياً، وفق حافظ، على الحصة السودانية من مياه النيل، "والتي يتم التنازل عنها لصالحها مؤقتاً بسبب الحرب الأهلية في السودان، ما يسهم في الحفاظ على مخزون السد العالي عند مستويات جيدة". كما يشير إلى أن "دولاً مثل أوغندا، جنوب السودان، الكونغو، وكينيا لم تسلم أوراقها بالكامل لإثيوبيا، بل تستخدم مواقفها بشكل تكتيكي للابتزاز السياسي". لكنه يشدد على "وجود فرصة حقيقية لإعادة التفاوض بشأن اتفاقية عنتيبي، خصوصاً مع الدول التي لم تصدق برلماناتها عليها (النصاب القانوني لتأسيس مفوضية حوض نهر النيل وهو ثلثا الدول التي شاركت في مبادرة حوض النيل) حتى الآن".