كشك الصباح: سيرة الكويت منذ عام 1899

Wait 5 sec.

يطلّ كشك مبارك الصباح في قلب سوق المباركية التراثي، وسط العاصمة الكويت، واحداً من أقدم المعالم التاريخية في البلاد، وشاهداً على أكثر من قرن من تاريخها السياسي، منذ بنائه عام 1899 في عهد حاكم البلاد آنذاك، الشيخ مبارك الصباح الذي سُمي الكشك باسمه حينما اتخذه مقرّاً لحكم الدولة، واستمر كذلك خلال فترة حكم أبنائه، الشيخ سالم والشيخ جابر، على التوالي، ثم بعدهما تعددت استخداماته، حتى أعاد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ترميمه وإحياءه، وافتتحه عام 2011 باعتباره متحفاً وطنياً.يكتسب كشك مبارك أهمية بالغة في تاريخ الكويت الحديث، مستمدة من شخصية الشيخ مبارك الصباح نفسه، والمعروف بلقب أسد الجزيرة، واستخدم الكشك في تصريف شؤون حكم البلاد المتعددة، بعد استحواذه على الحكم بطريقة استثنائية، بسبب دموّيتها، وهو ما لم تعهده أسرة الحكم، بعد أن قتل شقيقيه، الأول الحاكم الشيخ محمد الصباح، والآخر هو الوريث على الحكم، الشيخ جراح الصباح، الذي كان يتولى شؤون البلاد المالية.الشيخ مبارك الصباح هو مؤسس دولة الكويت الحديثة، خلال فترة حكمه ما بين 1896 و1915، وهي واحدة من أكثر فترات المنطقة توتراً، وهو أول من أسس جيشاً كويتياً بتحالف ضمّ قبائل متعددة ومختلفة على فترات، قاد فيهم عدداً من المعارك والحروب في شمال الخليج والجزيرة العربية، أدت إلى تثبيت حكمه واستقراره لأسرة آل الصباح، ما أدى إلى احتكاره حكم البلاد في سلالته، بدءاً مما نصّت عليه معاهدة الحماية البريطانية عام 1899، التي انتهت إلى استقلال البلاد عام 1961، ثم جاء الدستور الكويتي عام 1962 ليُرسّخ في المادة الرابعة منه أن "الكويت إمارة وراثية في ذرية المغفور له مبارك الصباح".أسس الشيخ مبارك بعد تقلّده الحكم دائرةَ الجمارك، وفرض رسوماً على الواردات إلى الكويت من البحر والبر، وهي الحاجة التي دعته بعد فترة من الوقت، من أجل فرض سلطته على الضرائب وغيرها من شؤون إدارة الدولة، إلى بناء كشكين شمالي وجنوبي، الأول وهو الذي ما زال قائماً إلى اليوم، والآخر هُدم في الخمسينيات من القرن الماضي، ويختلف استخدامهما تبعاً لحركة الشمس، فكان يستخدم الجنوبي مجلساً له في الصباح عكس شروق الشمس، والشمالي في فترة العصر عكس شمس الغروب، وكان من خلالهما يتابع أمور المواطنين، ويتشاور معهم، ويفصل في نزاعاتهم.وبعد وفاة الشيخ مبارك، استمرت طبيعة دور الكشك، باعتباره مركزاً إدارياً رئيسياً تُعقد فيه الجلسات الخاصة بأمور الدولة، ومقرّاً لحكم البلاد، خلال فترة حكم ابنيه، الشيخين سالم وجابر المبارك الصباح، قبل أن تتعدد استخداماته، بدءاً من فترة حكم الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح عام 1921، وتوسّع الدولة وأعداد المواطنين آنذاك، ثم اكتشاف النفط وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.منذ ذلك الحين، مرّ الكشك بمراحل عديدة ومختلفة، فوُسّعت مساحة كشك مبارك الشمالي (الكشك الحالي) خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، وفيه أصبح مقرّاً لعدد من مؤسسات الدولة، أولاها المحكمة الشرعية (أول محكمة في الكويت)، ما بين عام 1934 وعام 1939، قبل أن تنتقل إلى مكان آخر. وخلال عقد الأربعينيات، بعد مغادرة المحكمة، أصبح مقراً لإدارة البلدية ثم لمكتب البريد ما بين 1942 و1952، واتُخذ الكشك خلال فترة الخمسينيات، مقرّاً لأول فرع لإدارة المكتبة العامة التابعة إلى دائرة المعارف آنذاك، تعرض فيه مجموعة من المجلات والصحف المتنوعة من مصر ولبنان والعراق وغيرهم، حتى غادرته نهاية العقد.بعد ذلك، اسُتخدم الكشك استخدامات تجارية، فكان قبل ذلك محصوراً في جزء منه، خاصة في الدور الأرضي، الذي استأجر فيه عبد الإله القناعي أول صيدلية في الكويت (كانت تسمى بـ"دواخانه") خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات، قبل أن يؤجرها غيره لذات الاستخدام أيضاً، قبل أن تتعدد استخداماتها التجارية إلى محل لبيع الملابس حتى عام 2010، بينما في الخمسينيات استأجر الطابق الأول تاجر سوري يدعى جورج، الذي مارس من خلاله نشاطه في التصوير، وهو المعروف محلياً باسم "المُصوّر"، واستمر حتى نهاية الثمانينيات.وحول ذلك، يقول المؤرخ خالد طعمة الشمري، في حديث مع "العربي الجديد": "تكمن الأهمية التاريخية للكشك في كونه يمثل لنا الحقبة التي حكم فيها الشيخ مبارك الصباح الكويت، التي كانت في مرحلة انتقالية ضمن القرنين التاسع عشر والعشرين، ولكون بقاء مثل هذا المبنى يُعتبر شاهداً على تلك المرحلة، وهي مرحلة اهتمام الشيخ مبارك فيها ببناء الكويت الحديثة، التي أصبحت كياناً مستقلاً لها عَلَمها ومقوماتها المستقلة، ولعب الكشك دوراً هاماً من حيث ترسيخ فكرة استقلالية الكويت دولةً لها كيانها وحدودها".وثمّن الشمري خلال حديثه، اهتمام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالمحافظة على الكشك، واعتبره "مُقدّراً جداً في المجتمع"، وذلك بعدما "طواه النسيان لفترات طويلة"، وعبّر عن أسفه الشديد لـ"مسح" الكشك الجنوبي، مُضيفاً: "لكن الدور الذي لعبه بقي إلى يومنا هذا نشهده في حياة الدولة الحديثة".يعود طراز كشك مبارك إلى الطين والحجر، وهو على شكل بيوت الكويت آنذاك، وشهد افتتاحه متحفاً عام 2011، ضمن الاحتفالات باليوبيل الذهبي على استقلال البلاد، اهتماماً من أعلى المستويات، تمثّلت برعاية وحضور أمير الكويت الراحل، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، ودُشّن من يومها مزاراً سياحياً وثقافياً وشاهداً على حقبة تشكّل الدولة، ويضمّ في داخله اليوم مقتنيات أصلية من الكشك، وأجزاء أثرية من المبنى، مثل النافذة والحائط وسقف الدور الأرضي، وأسلحة وصوراً التُقطت داخله وللمبنى على فترات مختلفة.كان المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب قد طالب طويلاً بضمّ الكشك إلى إشرافه ونزعه عن ملكية الدولة، بدءاً من عام 1996، استناداً إلى المرسوم بقانون للحفاظ على المباني التراثية والمواقع الأثرية، حتى رأت النور مطالباته بتسليمه المبنى رسمياً عام 2010، بعد إجراءات قانونية طويلة ما بين المجلس البلدي وجهات الدولة المسؤولة، حتى أُدرجت ميزانية لترميمه عام 2009 ضمن مشروع الميزانية للسنة المالية 2010-2011.