برازيليا... تجربة قديمة لبناء "العاصمة الإدارية الجديدة"

Wait 5 sec.

شجعتني رغبة ابنتي الصغرى في دراسة الهندسة المعمارية على القراءة في المجال وفروعه، فوقعت عيني على دراسة/قصة جرت أحداثها في قلب الهضاب البرازيلية الشاسعة، وقفت فيها برازيليا واحدةً من أجرأ التجارب في التخطيط الحضري، لبناء عاصمة مستقبلية، صُممت لتجسيد التقدم الوطني والتحديث الاقتصادي. بُنيت من الصفر في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وكان من المفترض أن تكون مدينة فاضلة، ورمزًا للتنمية، يدمج المناطق النائية في البرازيل، ويقلل من التفاوتات الاقتصادية.ومع ذلك، وبعد أكثر من ستة عقود على افتتاحها، أصبحت المدينة مثالًا كلاسيكيًا على فشل التخطيط الحضري القائم على مبدأ "اللوح الفارغ"، وهو مصطلح يشير إلى نهج للتخطيط الحضري والتنمية، تُزال فيه الهياكل والمجتمعات والعناصر التاريخية القائمة بالكامل، أو يتجاهلها، لصالح تصميم جديد تمامًا. ورغم عظمتها المعمارية ومكانتها باعتبارها موقع تراث عالمي لليونسكو، لم تتمكن برازيليا من تحقيق وعودها الاقتصادية والاجتماعية. بل على العكس، فقد فاقمت الفجوة بين الطبقات، وساهمت في توسع حضري غير منظم، وأدت إلى إنشاء بنية اقتصادية غير فعالة.لم تكن فكرة بناء عاصمة جديدة في المناطق الداخلية للبرازيل جديدة، إلا أن تنفيذ المشروع لم يتم حتى تولى جوسيلينو كوبيتشيك الرئاسة بين عامي 1956 و1961. رأى كوبيتشيك في برازيليا الحجر الأساس لخطته الطموحة للتحديث، ووضع المخططون تصميمًا للمدينة يعتمد على مبادئ التقسيم الوظيفي: فخصصت منطقة للمباني الحكومية، ومنطقة أخرى للأحياء السكنية، وأخرى منفصلة للأنشطة التجارية.كان بناء برازيليا إنجازًا هندسيًا واقتصاديًا استثنائيًا، إذ تطلب استثمارات عامة ضخمة، واستقطاب أعداد هائلة من العمال من جميع أنحاء البلاد، والتزام جدول زمني ضيق. وفي 21 إبريل 1960، افتُتِحَت برازيليا رسميًا عاصمةً جديدةً للبرازيل، شُيِّدَت في وقت قياسي، واستُقبلت بحفاوة بوصفها إنجازًا حضريًا حديثًا. لكن خلف هذه الرؤية العظيمة كانت هناك عيوب اقتصادية واجتماعية لا تزال تؤثر في المدينة حتى اليوم.من الناحية الاقتصادية، بُنيَت برازيليا على فرضية خاطئة، مفادها أن المدينة المخططة بالكامل يمكن أن تعمل بكفاءة أفضل من المدينة التي تتطور بشكل عضوي. كانت الحكومة تتوقع أن تجذب العاصمة الجديدة الشركات، وتخلق فرص عمل، وتحفز التنمية في المناطق الداخلية الشاسعة للبرازيل. لكن الواقع جاء عكس ذلك تمامًا، حيث كانت تكاليف البناء والصيانة هائلة، ما جعل برازيليا واحدة من أغلى المشاريع العامة في تاريخ البرازيل. واحتاجت العاصمة الجديدة استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية، كذلك كان الحفاظ على المدينة مكلفًا بسبب كثافتها السكانية المنخفضة وشبكة طرقها الواسعة، كذلك منعت قوانين تقسيم المناطق في برازيليا النشاط الاقتصادي من التكيف مع الاحتياجات المتغيرة.وبدلًا من أن تصبح مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا، ومع محدودية حضور القطاع الخاص فيها، اعتمد الجزء الأكبر من اقتصاد العاصمة الجديدة على التمويل الحكومي، وهو ما تسبب في تشويه سوق العمل، حيث رفعت الرواتب المدفوعة الأسعار المحلية، ترتب عن ذلك أن أصبحت برازيليا واحدة من أغلى المدن في البرازيل، رغم ضعف أدائها الاقتصادي النسبي. وخلال فترة بناء برازيليا، هاجر آلاف العمال إلى العاصمة الجديدة بحثًا عن فرص العمل، لكن تصميم المدينة الصارم لم يخصص أي مساحة لمناطق سكنية عشوائية أو أحياء للطبقة العاملة، فاضطر هؤلاء إلى الاستقرار في المدن التابعة للعاصمة الجديدة، بعيدًا عن المناطق الحكومية والتجارية حيث كانوا يعملون. ومع افتقار هذه المدن، مثل سييلانديا وتاجواتينجا، إلى البنية التحتية والخدمات العامة، خُلقت فجوة صارخة بين المركز الإداري الغني لبرازيليا ومحيطها الفقير.وعزز تصميم العاصمة الجديدة التوسع الحضري العشوائي، وزاد من أوقات التنقل الطويلة، إذ صُممت برازيليا للسيارات، وليس للمشاة، حيث تجعل الشوارع الواسعة والمناطق المنعزلة من الصعب على السكان التنقل سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدراجات بين أماكن العمل والسكن والترفيه. ونتج من هذا الخلل في التصميم واحدًا من أطول متوسطات التنقل في البرازيل، حيث يقضي العمال من المدن التابعة ساعات يوميًا في التنقل إلى العاصمة الجديدة.وعلى عكس المدن التقليدية التي تمتزج فيها المناطق السكنية والتجارية والترفيهية بشكل طبيعي، فإن قوانين تقسيم المناطق الصارمة في برازيليا فرضت على الأنشطة الاقتصادية أن تتركز في مناطق بعيدة، ما زاد من تكاليف النقل وأعاق الكفاءة الاقتصادية.وتفاقمت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بسبب افتقار برازيليا إلى الحيوية. فالمناطق المركزية، التي تهيمن عليها المباني الحكومية الضخمة، تكون شبه مهجورة بعد ساعات العمل. وعلى عكس ريو دي جانيرو أو ساو باولو، حيث تساهم الأسواق المحلية والبائعون المتجولون والتجارة غير الرسمية في إضفاء الحيوية على المدينة، فإن قوانين تقسيم المناطق في برازيليا منعت مثل هذه الأنشطة، ما يجعل مركز المدينة خاليًا من الحياة خارج أوقات العمل.توضح تجربة العاصمة الجديدة في البرازيل عدة دروس أساسية للتنمية الحضرية المستقبلية، إذ تؤكد أن المدن تتطور بنحو أفضل عندما تنمو بشكل عضوي، حيث تتكيف الأعمال التجارية والمناطق السكنية والبنية التحتية مع احتياجات السكان الفعلية بدلًا من فرض نماذج تصميمية جامدة.ولا يمكن التخطيط للمدن دون مراعاة احتياجات الطبقة العاملة، لأن ذلك يؤدي إلى الإقصاء الاجتماعي وعدم المساواة وأسواق عمل غير فعالة. كذلك إن التنوع الاقتصادي ضروري لاستدامة المدن، إذ أدى اعتماد برازيليا على الوظائف الحكومية إلى تقليص إمكاناتها الاقتصادية.تبقى برازيليا معجزة معمارية، لكنها في نظر الكثيرين خيبة اقتصادية، حيث تحولت إلى جيب بيروقراطي معزول عن الواقع الاقتصادي للبرازيل. وبتكاليفها الباهظة وتصميمها غير الفعال وفشلها في تحقيق التكامل الوطني، تبعث برازيليا برسائل إلى المطورين المصريين، في العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين، ورأس الحكمة، ووسط البلد، لتذكرنا بأن المدن لا تُبنى فقط بالخرائط والخطط، بل يجب أن تنمو مع سكانها، بشكل طبيعي وحيوي.