لا حكمة في الاكتفاء بوصف ما ترتكبه إسرائيل وأميركا في فلسطين وما تنويان ارتكابه من فظائع، وتجاهُل ما يفعله وما لا يفعله الطرف الآخر، الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية ردّاً على إبادته الجاري تنفيذها بسرعة مذهلة. لا حكمة بل إيغال في ثقافة إنكار مصائب مجتمعاتنا ونخبنا السياسية واللجوء إلى الملاذ الآمن لشتم الصهيونية وتآمر العالم علينا، مع استسلام فلسطيني لثنائية السلطة ــ حماس في الضفة والقطاع، وكأنّ من يتحمّل جزءاً من المسؤولية عما وصلت إليه القضية الفلسطينية، بإمكانه الحدّ من الخسارة الهائلة التي تهدد بألا يبقى شيئاً من فلسطين والفلسطينيين. نظرية كارثية تنصح بالاكتفاء بعين واحدة من العينين اللتين في وجهنا، وأذن واحدة، فننظر حصراً إلى إرهاب إسرائيل وحلفائها ونستمع إلى نتنياهو وترامب وعصابتهما فحسب ولا نتدخل بشأن ما يجب أن نفعله نحن، ولا نحاسب مسؤولينا على ما لا يفعلونه في مواجهة خطر الزوال. أما وأنّ تبشير المؤمنين بإجرام الطاقم الصهيوني الحاكم في إسرائيل تكراراً لما هو معلوم وصحيح، مضيعة موصوفة للوقت، فإنّ الأجدى هو إدارة الأذن الصمّاء لخرافاتٍ تُخبرنا أن النقد الذاتي في مثل هذه الظروف يخدم العدو.بينما يحتاج الظرف الفلسطيني إلى أوسع قدرٍ من حرّية التفكير ودعوة كل العقول لتساهم في اقتراح أساليب مواجهة سياسية خلّاقة وغير مجرّبة لخطر الإبادة الشاملة، تغلق سلطة محمود عبّاس في الضفة الغربية أبواب الاجتهاد على أي احتمال لولادة فكرة سياسية جديدة كالتي اقترحها منظمّو المؤتمر الوطني الفلسطيني ومن شاركوا فيه أيام 17 و18 و19 فبراير/شباط الجاري في الدوحة، من فلسطين وخارجها بشعار كان يجب أن يكون محمود عبّاس أول من يرفعه لا أول من يحاربه: "نحو قيادة فلسطينية موحّدة وإعادة بناء منظمّة التحرير على أسس ديمقراطية". وهل من بديهية أكثر من قيادة موحدة وإصلاح منظمّة التحرير، خصوصاً عندما تكون فلسطين على وشك الانقراض أرضاً وشعباً؟ لكن ما يظنها أي عاقل بديهية، يعتبرها عبّاس وصحبه مؤامرة، وهي قد تكون فعلاً مؤامرة لكن ضد جعل المنظمّة مرادفاً لسلطة بلا دولة وبلا أرض. والحرب الهوجاء التي شنّها عبّاس ورموز سلطته ومؤسّساتها طوال الأسبوع الماضي على المؤتمر والمشاركين الـ400 فيه لأنهم يريدون إعادة بناء منظمّة التحرير على أسس ديمقراطية، توضح لنا جزئياً لماذا كان نظام بشّار الأسد مفضلاً لدى حاكم المقاطعة في رام الله، فنوعية المصطلحات التي استخدمها الرجل ضد "أي اجتماعات أو مؤتمرات أو محاولات لخلق أطر بديلة أو موازية"، تؤكّد للمرّة الألف أن متسلطاً مثل عبّاس لا يمكن أن يُؤتمن على القضية الفلسطينية التي تحتاج ديمقراطياً متنوّراً استثنائياً.أما في غزّة، فقد أقنع أحدهم حركة حماس بأنّ الاستعراض الانتصاري العسكري بالأسرى الإسرائيليين وبجثثهم في إطار التبادل هو الطريق المختصر للولوج إلى قلوب الأحرار في العالم وعقولهم ليؤيدوا قضيتنا، بينما هذا السلوك لا يعدو كونه تكثيفاً لعدميّة عملية 7 أكتوبر (2023) ولكارثية اختطاف رهائن مدنيين وبينهم أطفال في تلك العملية الانتحارية بنتائجها، وقد عوّلت "حماس" على أن يكون هؤلاء الرهائن جسراً لتبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين، فإذ بالحركة تكتشف أن الرهائن المدنيين ورقة حارقة، كلما حاولت التخلّص منها أحرقت يديها أكثر، فتراها تستعرض بشكل فوضوي ومسلّح خلال تسليم الأحياء والتوابيت منهم، ثم تتباهى بأعراض متلازمة استوكهولم على شكل قبلةٍ من أسير إسرائيلي على رأس قسّامي أو ابتسامة رهينة إسرائيلية لمسلّح، وصولاً إلى الخطأ في تحديد هوية جثّة شيري بيباس.هما مجرّد مثالين عن فداحة الحالة الفلسطينية بجناحيها السياسي والمسلح في الضفة الغربية وفي غزّة. مثالان يكفيان لتقدير مدى إلحاح الاستماع إلى الداعين لضرورة توحيد القيادة السياسية الفلسطينية وإعادة بناء منظمّة التحرير لعلّها تضع حدّاً للخراب المتمادي.