الحشود في مدينة كميل شمعون الرياضية (في بيروت) تتماوج حول النعشَين الملفوفَين بالعلم الأصفر لحزب الله، مشهدٌ تتداخل فيه طقوس القوة والاستعراض مع طقوس الحزن الجماعي. هنا، يُعاد إنتاج الهيبة عبر المآتم، فيتحوّل الحزن أداةَ تعبئةٍ، وطقساً من طقوس الولاء؛ لكن في طيّات هذا المشهد، صورةٌ مضمرة لجنازة أخرى سبقت هذه بأربع سنوات، جنازة لقمان سليم، الذي لم تحمله الحشود، بل شيّعه محبّوه بكبرياء، في وداعٍ لا يشبه وداعات الطوائف.على مقربة، في الأزقة الضيّقة لحارة حريك، لا تزال أصداء جنازته تتردّد، كأنّ الزمن لم يطوِ الحكاية بعد. هناك، الجدران الطائفية ترتفع متاريس ضدّ المواطنة، والخطر يجول في الشوارع بحثاً عن صوتٍ معارض. ورغم ذلك، اختار لقمان البقاء. لم يكن بقاؤه استسلاماً، بل تحدّياً صامتاً لمن أرادوا إسكاته. لم يكن مجرّد مُعارِضٍ سياسي، بل مُنقِّباً في ركام الهُويَّة اللبنانية، يحفر ليكشف ما تبقّى من وطن وسط الطوائف المتناحرة.لم يكن مجرّد ناقدٍ لنظامٍ سياسيّ، بل ناقد للبنى الفكرية التي تقوم عليها الطائفية في لبنانوُلِد لقمان سليم عام 1962 لعائلةٍ شيعية مرموقة، لكنّه رفض الانضواء تحت لواء الطائفية. درس الفلسفة والآداب في السوربون، حيث تبلورت فِكَره النقدية، ثمّ عاد ليؤسّس "دار الجديد"، دار نشرٍ مستقلةٍ هدفت إلى كسر التابوهات الثقافية والسياسية. كان مؤرّخاً للحاضر، مدوّناً للحروب الصغيرة، التي تتكرّر تحت شعارات كُبرى، كما أنشأ منظمّة "أمم للتوثيق والأبحاث"، لتوثيق الحرب الأهلية اللبنانية، بعيداً من الانحياز، كاشفاً الجرائم المسكوت عنها. كان يدرك أن الذاكرة الجماعية في لبنان مرآة مشوهة، وأنّ توثيق الحقيقة هو معركةٌ بحدّ ذاته. من خلال أفلامه الوثائقية وكتاباته، فضح ممارسات القوى التي تعيد إنتاج العنف تحت ستار الطائفية.لكن لماذا كان وجوده تهديداً؟... لم يكن مجرّد ناقدٍ لنظامٍ سياسيّ، بل ناقد للبنى الفكرية التي تقوم عليها الطائفية في لبنان. تفكيكه للسرديات الكبرى، من دون محاذير، هو ما أزعج قاتليه. لم يعترف بقدسية أيّ خطاب، لا الطائفي ولا المقاوم، ولا حتى الشعارات التي تحتكر تعريف الوطنية. هنا يكمن التناقض الذي جسّده لقمان. كان ابن بيئة شيعية ترى نفسها ضحيةً دائمةً، لكنّه رفض سردية المظلومية حين استُخدِمت لتبرير الهيمنة. لم يكن يسارياً تقليدياً، ولا معارضاً حزبياً، بل صوتاً حرّاً، لا ينتمي إلى أيّ معسكر. وهذا تحديداً ما جعل وجوده مستفزّاً للمنظومة، فقد وضعها أمام تناقضاتها العميقة. في كلّ نظام سياسي واجتماعي، ثمّة أساطير مُؤسِّسة تُستخدَم لإعادة إنتاج الهيمنة. في لبنان، كانت الطوائف تجسّد هذه الأساطير الكُبرى، ولقمان سليم كان يفكّكها بوعيه النقدي. أدرك أن الطوائف لا تحمي أبناءها بقدر ما تحمي نفسها منهم، وأن خطاب "المقاومة"، الذي ترفعه الجماعة الطائفية صار خطاباً شمولياً لا يتسامح مع أيّ صوت خارج الجوقة، وأن ذريعة "التآمر الخارجي"، ليست سوى وسيلة لتبرير العنف الداخلي.لذلك، لم يكن اغتياله مجرّد تصفية فرد، بل إجهاضاً لأي محاولة لإعادة تعريف الهُويَّة الشيعية خارج القالب الذي تفرضه السلطة الطائفية. كان لقمان سليم يسعى إلى خلق وعي جديد يمنح الشيعة إمكانية الخروج من أسر السرديات الجاهزة. اغتياله لم يطوِ قضيته، بل فتح الباب أمام أسئلة أعمق: كيف لطائفة تدّعي الدفاع عن المظلومين أن تغتال أحد أبنائها لأنه تجرّأ على التفكير؟ كيف لحركة ترفع شعار المقاومة أن تكون أوّل من يقمع المقاومة الفكرية؟لم يكن مجرّد معارض، بل كان مؤرّخاً للحظة الراهنة، ناقداً للبنية العميقة، التي صنعت واقع لبنان المأزوملم ينخرط لقمان في معارضة تقليدية تكتفي بردّات الفعل. كان يرى أن مناهضة الطائفية لا تكون بمجرّد شجبها، بل بطرح رؤية بديلة تقوم على تفكيك بنيتها الخطابية، لا الاكتفاء بمهاجمة رموزها. هذا المنحى التفكيكي جعل منه أكثر من مجرّد معارض سياسي، بل خطراً معرفياً على الجماعات القائمة على الإخضاع الجمعي. لم يواجههم بالسلاح أو التحريض، بل واجههم باللغة والمنطق والتاريخ. أراد تحرير الشيعة من أسر الطائفة، وإعادة وصلهم بهُويَّةٍ لبنانيةٍ حاولت السرديات الكُبرى طمسها تحت ركام الهُويَّات الضيّقة.لم يكن اغتياله مجرّد قرار سياسي، بل كان دلالةً على عجز المنظومة الطائفية عن التكيّف مع التغيير. كل الطغاة يخشون المثقّفين الذين يكتبون التاريخ بدل أن ينقلوه عن أسلافهم، ولقمان كان واحداً من هؤلاء القلائل. لم يكن مجرّد معارض، بل كان مؤرّخاً للحظة الراهنة، ناقداً للبنية العميقة، التي صنعت واقع لبنان المأزوم. اغتياله كان انعكاساً لأزمة أعمق، أزمة الفكر الحرّ في مواجهة الدوغما المغلقة. حاول لقمان أن يعيد تعريف معنى الانتماء في لبنان، لكن الطوائف لا تحتمل من يعيد تعريفها؛ فهي لا تعيش إلا في صمت أعضائها، وكلّ من يتجرّأ على كسر هذا الصمت يُمحَى.في أحد مقالاته، كتب لقمان سليم: "الوطن ليس سجناً للطوائف، بل فضاءً للحرّية". بعد اغتياله، لم يعد الأمر مجرّد جملة، بل أصبح سؤالاً معلّقاً في سماء لبنان: هل هذا الوطن قادر على احتضان أبنائه من دون أن يتحوّل قبوراً لهم؟ الإجابة، كما يبدو، لا تزال معلّقةً بين خرائط الطوائف. في مواجهة الفقد، اختارت أمّه (سلمى مرشاق سليم) أن ترفع ابنها بالكلمة لا بالثأر، ولا بالكراهية. في لحظة كان يمكن أن تغرقها المرارة، حافظت على سموّها، رافضة أن تنجرّ إلى لغة القتلة. لم تنعَ ابنها بصوت مكسور، بل ودّعته بإيمان راسخ بأن الفِكَر لا تُغتال، وأن الخسارة الحقيقية هي أن يشبه الضحية جلاده. في نبل موقفها، تركت شهادة أبلغ من أيّ ردّ: لقمان لم يكن مجرّد فرد، بل فكرة، والفِكَر لا تُمحَى برصاصة.