ترامب يسطو على ثروات أوكرانيا... اتفاق لاستغلال المعادن النادرة

Wait 5 sec.

وافقت أوكرانيا على صفقة لتطوير معادنها المهمة والنفط والغاز بشكل مشترك مع الولايات المتحدة، في تحول هو الأبرز في مسار السياسة الخارجية الأميركية التي باتت تنتهج في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يصفه محللون بـ"دبلوماسية الابتزاز" مقابل الحماية. كما تعد الصفقة، التي يرتقب توقيعها اليوم الجمعة في العاصمة الأميركية واشنطن، بمثابة البداية على طريق مخطط ترامب للسيطرة على المعادن النادرة والثروات عالمياً في إطار رغبته في مواجهة نفوذ الصين في هذا المجال.تظهر التقارير المتخصصة أن أوكرانيا لديها رواسب لا تقل عن 20 من المعادن الخمسين التي تعتبرها الولايات المتحدة بالغة الأهمية. وتشمل هذه المعادن الليثيوم والغرافيت والتيتانيوم واليورانيوم والأتربة النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصراً ضرورية لكل شيء، من الهواتف المحمولة إلى صناعة الدفاع. وتقدر القيمة الإجمالية المحتملة لهذه الرواسب المعدنية بتريليونات الدولارات، وفقاً لمحللي الصناعة، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية. ومع ذلك، فإن ما يصل إلى 40% من هذه الرواسب المعدنية تقع في مناطق من البلاد تحت السيطرة الروسية حالياً. ولم يتم استخراج الكثير مما يقع تحت السيطرة الأوكرانية.ووفقاً لمصادر مطلعة على بنود مسودة الاتفاق، فهي تنص على إنشاء الولايات المتحدة وأوكرانيا صندوق استثمار لإعادة الإعمار لجمع وإعادة استثمار الإيرادات من الموارد الأوكرانية، مثل المعادن والهيدروكربونات وغيرها من المواد القابلة للاستخراج. وتنص الاتفاقية على أن تساهم أوكرانيا في الصندوق بنسبة 50% من الإيرادات مطروحة منها نفقات التشغيل، وتستمر المساهمة حتى تصل إلى مبلغ 500 مليار دولار. وبموجب شروط الاتفاق، ستدفع أوكرانيا بعض العائدات من تطوير الموارد المعدنية في المستقبل إلى الصندوق، بينما سيتم تحديد حجم حصة الولايات المتحدة في الصندوق وصفقات الملكية المشتركة في اتفاقيات مستقبلية، وفق الصحيفة الأميركية.تأتي الصفقة بعد حرب كلامية بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأسبوع الماضي، إذ اعترضت كييف على حصول واشنطن على حقوق ثروة طبيعية أوكرانية تبلغ قيمتها 500 مليار دولار، مشيرة إلى أنها تلقت مساعدات أميركية قيمتها أقل بكثير من ذلك، وإن الصفقة لا تشمل ضمانات أمنية تحتاج إليها. وقال زيلينسكي "لا أريد شيئاً ستضطر عشرة أجيال من الأوكرانيين إلى سداده". وبعد رفض زيلينسكي العرض الأولي لاستغلال الولايات المتحدة معادن أوكرانيا، وصفه ترامب بالديكتاتور واتهم كييف زوراً ببدء الحرب. كما التقى كبار المسؤولين الأميركيين بنظرائهم الروس لمناقشة كيفية إنهاء الصراع بدون أوكرانيا، وصوتت الولايات المتحدة ضد قرار الأمم المتحدة الذي يدين غزو روسيا.وقال ترامب للصحافيين، الثلاثاء الماضي، إن الرئيس الأوكراني يريد أن يأتي إلى واشنطن، يوم الجمعة، لتوقيع "صفقة كبيرة للغاية". ووفق أشخاص مقربين من المفاوضات الأخيرة، تخلت الولايات المتحدة عن مطلبها السابق بالحق في 500 مليار دولار من العائدات المحتملة من تطوير الموارد المعدنية في أوكرانيا، وفق مسودة الاتفاق الأخير. لكن ترامب قال للصحافيين، الثلاثاء: "إنها صفقة كبيرة جداً.. يمكن أن تكون صفقة بقيمة تريليون دولار.. نحن ننفق مئات المليارات من الدولارات على أوكرانيا في خوض حرب لم يكن من المفترض أن تحدث مطلقاً".وعلى الرغم من أن النص الجديد لا يتضمن ضمانات أمنية، يأمل المسؤولون الأوكرانيون بأن يساعد في إعادة ضبط علاقة البلاد مع ترامب. وعلى الرغم من معارضة روسيا للقوات الأوروبية في أوكرانيا، أكد ترامب للصحافيين، الثلاثاء، أن الاتفاق سيشمل "شكلاً من أشكال حفظ السلام المقبول للجميع". وحتى الآن، تعد الولايات المتحدة أكبر داعم لأوكرانيا أثناء الحرب، حيث أرسلت أكثر من 100 مليار دولار على شكل مساعدات إلى البلاد، بما في ذلك ما يقرب من 70 مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية.احتياطيات ضخمة من التيتانيوم والليثيوم واليورانيوموتسيطر أوكرانيا على احتياطيات ضخمة من 100 معدن، منها الكثير من المعادن الحيوية في صناعات استراتيجية عالمية، مثل التيتانيوم والليثيوم واليورانيوم، وفقاً لدراسة أجرتها جامعة كييف للاقتصاد، إلى جانب احتياطيات متواضعة من النفط والغاز الطبيعي. ويستخدم التيتانيوم في صناعة الطائرات وسلع أخرى كثيرة. وتمثل مناجم التيتانيوم في وسط أوكرانيا حوالي 6% من الإنتاج العالمي، وفقاً لوسائل الإعلام الأوكرانية. كما يعتبر الليثيوم عنصراً حاسماً في البطاريات، بما في ذلك تلك الموجودة في المركبات الكهربائية، وفي المنتجات الصناعية الأخرى، بما في ذلك بعض الأدوية.وتمتلك أوكرانيا ثلث إجمالي احتياطيات أوروبا من هذه المادة، على الرغم من أن بعض المواقع تقع في مناطق متنازع عليها بسبب الحرب. وقبل الحرب مع روسيا، اقترح المسؤولون الأوكرانيون على الملياردير الأميركي إيلون ماسك الاستثمار في مناجم الليثيوم الأوكرانية. ويستخدم اليورانيوم في محطات الطاقة النووية والأسلحة النووية. وتمتلك أوكرانيا أكبر احتياطيات من اليورانيوم في أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك 12 معدناً من مجموعة المعادة النادرة التي تضم 17 معدناً، والتي تستخدم في العديد من القطاعات التكنولوجية العالية، بما في ذلك الطاقة الخضراء والإلكترونيات والفضاء الجوي، ولكنها أقل وفرة مقارنة بالتيتانيوم أو الليثيوم.وقالت جيسيكا جيناور، المحاضرة البارزة في العلاقات الدولية في جامعة فلندرز في أستراليا، لشبكة "إيه بي سي نيوز": "يركز ترامب على المعادن الأرضية النادرة، بدلاً من المنتجات الزراعية أو الموارد الأخرى، لأنها ذات قيمة لصناعة الدفاع والأمن الأميركية وتوفر نفوذاً في المنافسة على الموارد الأميركية مع الصين". واتفق معها جاريد موندشين، مدير الأبحاث في مركز دراسات الولايات المتحدة بجامعة سيدني، وقال للشبكة الأميركية إن المعادن الحيوية، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة، أكثر أهمية لمستقبل الاقتصاد العالمي من الأراضي الزراعية. وأضاف: "من الأهمية بمكان أن نتذكر أن الصين تهيمن على سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحيوية، حيث تقوم بنحو 90% من معالجتها".وقال السفير الأميركي السابق في أوكرانيا جون هيربست إن الصفقة المعدنية لها أيضاً "تأثير جيوسياسي واقتصادي وجغرافي مهم"، وأوضح أنه "من الناحية الجيواقتصادية، نعلم أن الروس لعبوا لعبة شرسة مع هيدروكربوناتهم لأغراض سياسية، أي إمدادات النفط والغاز.. كما فعل الصينيون الشيء نفسه مع معادنهم الأرضية النادرة، وتمتلك أوكرانيا موارد كبيرة، سواء من الهيدروكربونات أو المعادن الحيوية، وستكون مورداً أكثر موثوقية للولايات المتحدة".مواجهة النفوذ الصينيوبعدما فرض ترامب رسوماً جمركية إضافية بنسبة 10% على الواردات من الصين، رد الرئيس الصيني شي جين بينغ في الرابع من فبراير/ شباط الجاري، بفرض قيود على خمسة معادن نادرة، منها التنغستن المستخدم في الرصاص الخارق للدروع، والموليبدنوم المستخدم في صنع الصواريخ. وجاءت هذه الخطوة بعد نحو شهرين من حظر الصين تصدير معادن الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون إلى الولايات المتحدة، وهي معادن نادرة ضرورية لصنع الرقائق الإلكترونية المتقدمة والأسلحة والذخائر، وذلك رداً على فرض الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قيوداً على بيع رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي التي تصنعها شركات أميركية وأجنبية إلى الصين.ويبدو أن القيود الصينية الأخيرة على بيع المعادن النادرة كانت بمثابة طلقة تحذيرية لأميركا. فقد أثارت هذه الخطوة قلق صناع السياسات والمحللين في أميركا، الذين يخشون من أن تلحق الضرر بصناعاتهم الاستراتيجية.والغاليوم هو أحد المعادن النادرة الذي لم تنتجه الولايات المتحدة منذ عام 1987. وعلى الرغم من أن أميركا استوردت بأقل من 150 مليون دولار من هذه المادة في العام الماضي، لكن تأثيرها أكبر بكثير لأنها تستخدم في منتجات عالية القيمة. الغاليوم ليس المعدن الحاسم الوحيد الذي تهيمن عليه الصين حالياً. على الرغم من وجود العديد من المعادن النادرة في أماكن مثل أستراليا والبرازيل وجنوب أفريقيا وجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، لكن حوالي 90% من قدرة العالم على تكريره موجودة في الصين. وتنتج الصين كل الجرمانيوم والمنغنيز تقريباً في العالم، وثلاثة أرباع الليثيوم والغرافيت الطبيعي ونصف الإثمد (الأنتيمون).ورغم تبرير أنصار ترامب ممارساته للاستيلاء على معادن أوكرانيا لمواجهة الصين، إلا أن محللين يرون في ذلك تحولاً كبيراً في السياسة الخارجية الأميركية التي باتت تنتهج "الابتزاز". ووفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، لا يستطيع الخبراء أن يتذكروا سابقة للولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى، لاستخراج الأموال أو الموارد من حلفائها خلال وقت الحرب. وأشار التقرير إلى أن "الدبلوماسية المعاملاتية لترامب ترسل رسالة إلى الحلفاء مفادها أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة لمساعدة أصدقائها أو الوفاء بالتزاماتها، كما يخبر خصومه بأنه على استعداد للتخلي عن المصالح الاستراتيجية طويلة الأجل من أجل تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.