يكاد النقّاد، على اختلاف مواقعهم ومراكزهم الفكرية، يُجمعون على أن كل نقد لرواية هو نقد ما للمرجع الواقعي الذي تشير إليه الرواية بطريقة ما. يحاول النقد أن يرى ما رأت الرواية في الواقع، إذ إن كل نظرية نقدية تدّعي أنها هي التي تكشف أسرار العمل الأدبي، وهي التي تُقدّم القراءة عن رسالة الأدب الفكرية والنفسية والفلسفية، كما أنها هي التي تقول تلك الأشياء، التي لم تقلها الرواية مباشرة، عن المرجع الذي تمضي إليه الأحداث والشخصيات.فكل رواية تقول شيئاً ما عن الواقع الذي يمثل مكان حركة شخصياتها، وتفاعلها، أو عدم تفاعلها بعضها مع بعض. كل رواية تقول شيئاً ما عن الإنسان في محيطه، ومن خلال ذلك تقول ما تريد عن المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان؟ فروايات دوستويفسكي تتحدث عن المجتمع الروسي في الزمن، وتقول ثلاثية نجيب محفوظ شيئاً ما آخر عن المجتمع المصري في الثورة المصرية ضد الاحتلال البريطاني، كما تقول روايته "الحب تحت المطر" شئياً آخر عن المجتمع المصري في ظل حُكم السادات، وقُل مثل ذلك عن رواية "الوباء" لهاني الراهب، أو رواية "المترجم الخائن" لفواز حداد، اللتين تتحدثان عن المجتمع السوري في ظل حُكم البعث.على أن هذا الموقف النقدي يضع الناقد في المواجهة مع السلطة والمجتمع، فالنقد هو الذي يُقدّم حقيقيتين معاً، الأُولى منهما هي الحقيقة الروائية كما تعرضها الرواية، والثانية هي الحقيقة الواقعية كما يفسّرها الناقد، أو يُعيد قراءة العمل الروائي من خلالها، وإذا ما كنّا بصدد النظام السياسي السوري البائد، فمن المعروف أنه لم يكن يتحمّل أي نقد، وكانت أجهزة الرقابة فيه سريعة الانتباه إلى الإشارات التي يمكن أن يُقدّمها أي ناقد.كانت الرقابة السورية سريعة الانتباه إلى إشارات التي يقدّمها النقّادومن المحتمل أن يكون أحد أسباب غياب النقد في الأدب السوري هو خشية الناقد من الممارسة النقدية العلنية. فالنقد، بوصفه تفسيراً أو إعادة قراءة، يتوخّى مناقشة وإظهار أسرار الأعمال الروائية السورية التي قاربت الموضوع السوري الحديث، أو قاربت أحوال المجتمع والسياسة في المجتمع، ومنها ممارسات السلطة التي كانت تراقب وتترصد، بما لديها من أجهزة أمن ومراصد سياسية وصحافية وكتّاب تابعين وموظّفي رقابة متمرّسين، كل الموضوعات التي تقارب موضوع الحكم وسياساته. فالرواية تستطيع أن تتنكر، أو توارب، أو تستعير، كي تقول الحقيقة عن الواقع، وكل هذه الأساليب هي جزء من بنيتها الفنّية، ومن مكرها في القول.كان النقد الأدبي تحت المجهر، ولكن لم يكن هذا حاله وحده، بل حال التأريخ، وعلم الاجتماع، وهو علم ذو حساسية عالية في التعامل مع سياسات النظام، والفلسفة، والفكر السياسي الذي استولى عليه حزب البعث عبر معهد العلوم السياسية الذي كان يلقّن سياساته وحدها، والصحافة، وخصوصاً التحقيق الصحافي الذي يمكن أن يهدد حياة صاحبه، أو رزقه. وبهذا المعنى يمكن تفهّم الكلام الذي يتردّد عن تصحّر الحياة الثقافية في سورية، إذ غابت تقريباً كل هذه الأنشطة الفكرية والعلمية، وخصوصاً في المجالات التي تتطلب المباشرة التي تبحث عن الحقائق، وتنشرها، فتضع نفسها في المواجهة مع نظام مدمّر.* روائي من سورية