يُعاني قطاع غزة من تراكم هائل لأكوام الركام في الشوارع والأزقة والمفترقات، خاصة أمام المباني السكنية التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء العدوان، في ظل عدم الشروع في إزالتها، نتيجة عدم توفر الآليات الثقيلة والإمكانيات الموازية لحجم الكارثة. ويعوق تكدس الركام بما فيه من طبقات أسقف كاملة وأعمدة ضخمة لا يمكن تحريكها بمعدات بسيطة، حركة الفلسطينيين في الشوارع التي أغلقت نسبة كبيرة منها بفعل سد تلك الجبال الإسمنتية، ويجبرهم على سلوك طرق بعيدة وملتوية، كما يمنعهم من أداء مهامهم اليومية، الأمر الذي يفاقم معاناتهم.ومنذ عودة النازحين إلى مدينة غزة التي جرى تدميرها بشكل شبه كامل، يحاول الفلسطينيون شق أكوام الردم الملاصقة للبنايات المتضررة والتي ما زالت واقفة بهدف الوصول إلى شققهم المتضررة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، إلا أن ضخامة حجم الدمار تزيد من صعوبة المهمة. وإلى جانب ذلك تشكل الكتل الخرسانية عقبة كبيرة أمام الفلسطينيين للوصول إلى مصادر وشبكات المياه أسفلها، الأمر الذي يجبرهم على السير فوق الركام وفي الشوارع غير المهيأة للوصول إلى أقرب صنبور أو خرطوم تمكن أصحابه من التنقيب عنه بين الركام، وهي مهمة تتطلب الكثير من الوقت والجهد يومياً.ويبتلع الركام الأسلاك الكهربائية ذات الجودة العالية الخاصة بأصحاب المولدات الكهربائية التي من شأنها توفير البديل عن الكهرباء المقطوعة بشكل تام، فيما يحاول بعض أصحاب تلك المولدات سحب ما يمكن سحبه من تلك الأسلاك مرتفعة الثمن وإصلاحها، خاصة في ظل عدم سماح الاحتلال بتوريد أسلاك جديدة.50 مليون طن من الركام في غزةوتشير التقديرات إلى وجود حوالي 50 مليون طن من الركام في مختلف مناطق قطاع غزة تتسبّب بمجملها في إغلاق العديد من الشوارع الرئيسية والفرعية، كما تعوق وصول خدمات الطوارئ والإغاثة إلى المحتاجين، وتزيد من صعوبة نقل البضائع والمواد الأساسية.ويقول الفلسطيني أحمد الأسمر، من حي النصر، وسط مدينة غزة، إن تراكم الركام بات يؤثر بأدق تفاصيل الحياة اليومية، إذ بات يحسب ألف حساب لأي مهمة ينوي القيام بها، ويجد صعوبة في التحرك بين الطرقات، كذلك في جرّ عربة المياه اليدوية. ويبيّن الأسمر لـ"العربي الجديد"، أنه يشعر بقلق متواصل على أطفاله نتيجة تلك الأكوام المليئة بأسياخ الحديد والأخشاب والمسامير والزجاج، وقد بات التحرك للوصول إلى العمل أو حتى شراء الاحتياجات الأساسية مهمة شاقة، "أضطر أحياناً للسير لمسافات طويلة لتفادي الأنقاض، وهذا يستهلك وقتاً وجهداً كبيرين".وعن التحديات التي يُواجهها الفلسطيني شريف الزنط في تأمين متطلبات أسرته اليومية يقول "بعد تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، أصبح الحصول على المياه أمراً صعباً، نضطر للتعبئة من شبكات بعيدة ونقف أحياناً في طوابير، ومع وجود الركام في كل مكان، يصبح النقل مهمة مرهقة وخطيرة". ويفيد الزنط بأن الركام يسدّ الكثير من الطرقات ويزيد من صعوبة الوصول إلى المستشفيات أو المراكز الصحية، خاصة في ظل انعدام وسائل نقل، أو غلاء أسعار التنقل بشكل كبير، مؤكداً أنه بات مجبراً على السير بين أكوام الردم، الأمر الذي يضاعف إرهاقه الجسدي والنفسي.من ناحيته، يبيّن الفلسطيني أمجد الأشرم، وهو من سكان معسكر الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، أنه يحاول طيلة الوقت التخفيف من مشهد الركام عبر شق طرقات صغيرة تكفي لمرور شخص واحد، وقد شارك مع مجموعة مع جيرانه باستخدام أدوات بسيطة. ويوضح الأشرم لـ"العربي الجديد" أن مبادرات الأهالي المحدودة لا يمكنها حل الأزمة أو حتى التخفيف منها، حيث تحتاج أكوام الردم الهائلة إلى معدات ثقيلة وجهود عظيمة لإزالتها، وتسهيل عملية حركة المواطنين، وتمكينهم من الوصول إلى الخدمات والمتطلبات اليومية. ويضيف "نحاول التأقلم، لكن الأمر صعب. الركام في كل مكان، والمساعدات الشحيحة تصل بصعوبة، نأمل أن يجري تسريع جهود إزالة الركام وإعادة الإعمار، لنتمكن من العودة إلى حياتنا الطبيعية".ويوضح المختص البيئي صبحي عليوة، أن بقاء الركام في شوارع غزة يُشكّل تحدياً يومياً يواجه السكان، بفعل صعوبة التحرك والقيود الكبيرة المفروضة على قدرتهم للوصول إلى الخدمات، أو حمل جالونات المياه والسير فوق الأنقاض. ويبين عليوة لـ"العربي الجديد" أن ملايين الأطنان من الركام في قطاع غزة تزيد من صعوبة الحياة اليومية، فيما يقدر الركام بمدينة غزة وحدها بحوالي 15,5 مليون طن، مما يستدعي تكاتف الجهود المحلية والدولية للتغلب على هذه الأزمة، وتحسين جودة الحياة في القطاع.ويؤكد عليوة أهمية زيادة الدعم الفني والمالي لعمليات إزالة الركام وإعادة الإعمار وتوفير المعدات اللازمة، بالإضافة إلى تأمين مسارات آمنة لفرق العمل لتسريع وتيرة إعادة الحياة إلى طبيعتها في غزة. ويشير عليوة إلى اختلاف تقديرات المدة الزمنية اللازمة لإزالة هذا الركام، بناء على الإمكانيات المتاحة والجهود المبذولة. ووفق ترجيح الأمم المتحدة، قد تستغرق عملية إزالة الركام حوالي 21 عاماً، بتكلفة تصل إلى 1,2 مليار دولار، بينما يرى بعض الخبراء أنه في حال توفر المعدات والتمويل اللازمين، يمكن إنجاز العملية في فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات.وعلى الرغم من الجهود الخجولة المبذولة من قبل البلديات المحلية، فإن عملية إزالة الركام تواجه تحديات كبيرة بفعل القيود المفروضة على دخول الوقود والمعدات والآليات الثقيلة، ما يبطئ من وتيرة العمل، كما أن وجود مخلّفات حربية غير منفجرة يزيد من خطورة عمليات الإزالة، مما يتطلب تدخل فرق متخصصة لضمان سلامة العاملين والسكان.