حين تحولت التطمينات إلى كوارث وطنية

Wait 5 sec.

عمار الباقرفي مثل هذه الأيام من كل عام، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ السوداني المعاصر؛ ذكرى فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد عملية أمنية دامية، بل شكّل نقطة تحول عميقة في علاقة السودانيين بمؤسسات الدولة الأمنية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.ففي الأيام التي سبقت فض الاعتصام، خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورفاقه في المجلس العسكري الانتقالي آنذاك بتصريحات متكررة تؤكد عدم وجود أي نية لفض الاعتصام. غير أن ما حدث صباح الثالث من يونيو كشف عن فجوة هائلة بين الأقوال والأفعال، وأعطى انطباعاً واسعاً بأن بقايا اللجنة الأمنية لنظام البشير قد مارست شكلاً من أشكال الخداع الاستراتيجي تجاه شعبها السوداني؛ إذ جرى طمأنة المعتصمين والرأي العام قبل تنفيذ عملية الفض بكل ما حملته من مآسٍ ودماء وانتهاكات.ومنذ ذلك اليوم، تعرضت الثقة بين قطاعات واسعة من الجماهير والقوات المسلحة لضرر بالغ، وألقى فض الاعتصام بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي السوداني، وهي ظلال ما تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.وعقب توقيع الوثيقة الدستورية، لم تتجه قيادة المؤسسة العسكرية نحو معالجة الاختلالات الأمنية التي كانت ماثلة للعيان وترميم الثقة بينها وبين شعبها، بل مضت في تعزيز وضع قوات الدعم السريع وتوسيع نفوذها، رغم الأصوات الشعبية والسياسية المتزايدة التي كانت تنادي بدمج هذه القوات أو حلها ومعالجة إشكالية تعدد الجيوش ظناً منها أن ذلك سوف يحميها من شعبها ومن جيشها في آن واحد . وحينما انفجرت الخلافات السياسية حول الموارد وقسمة السلطة بين قيادات الجيش وميليشيا الدعم السريع، لم تصارح قيادات الجيش جماهير شعبها بالأزمة، بل عمدت الي نفس الخداع الا سياسي فكان الرد الرسمي يتمثل في التأكيد المتكرر على أن العلاقة بين الجيش والدعم السريع في أفضل حالاتها، وأن الحديث عن وجود خلافات أو تناقضات بين الطرفين لا أساس له من الصحة.غير أن أحداث الخامس عشر من أبريل 2023 كشفت واقعاً مختلفاً تماماً. فقد استيقظ السودانيون على حرب مدمرة بين الطرفين، لتنهار بذلك كل التطمينات السابقة ويسقط ما تبقي من ثقة في قيادة الجيش الحالية، وليجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة واحدة من أكبر الكوارث الوطنية في تاريخ البلاد الحديث. كما وجد الجيش نفسه في وضع دفاعي داخل عدد من مواقعه، ودفع الشعب السوداني الثمن الأكبر من أرواحهم وممتلكاتهم واستقراره.لقد عمّقت هذه التطورات أزمة الثقة بين المواطنين والقيادة العسكرية الحالية. فالأحداث التي شهدتها الخرطوم والجزيرة ومدني وسنجة والفاشر وغيرها من المدن أظهرت أن التصريحات المطمئنة التي كانت تصدر تباعاً من قادة الجيش لم تكن كافية لطمأنة المواطنين، بل إن التجارب المتكررة جعلت كثيرين يتعاملون معها بمعكوسها. فأصبح يكفي انتشار شائعة عن اقتراب قوات الدعم السريع من منطقة ما حتى يبدأ السكان في النزوح ومغادرة منازلهم، بغض النظر عن التطمينات الرسمية التي تصدر في المقابل.واليوم، ومع عودة عدد من قادة الدعم السريع إلى المشهد السياسي عبر تفاهمات وتسويات تثير جدلاً واسعاً، تتجدد المخاوف لدى قطاعات كبيرة من السودانيين. فالكثيرون يرون في هذه الخطوات امتداداً لنهج سياسي قائم على اتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن المزاج الشعبي، ثم محاولة تسويقها لاحقاً عبر خطاب الطمأنة الذي فقد مصداقيته نتيجة التجارب السابقة.ومن المفارقات أن تأتي الدعوات إلى الحوار الوطني الشامل في ظل هذا الإرث الثقيل من الوعود التي لم تتحقق والتطمينات التي انتهت إلى نتائج معاكسة. فالحوار الوطني، لكي ينجح، لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما يحتاج إلى استعادة الثقة المفقودة، وهي مهمة لا يمكن إنجازها بالكلمات وحدها، بل تتطلب مراجعة صادقة للماضي، واعترافاً بالأخطاء، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإثباتاً عملياً بأن ما حدث في الثالث من يونيو، وما تلاه من كوارث وطنية، لن يتكرر مرة أخرى.وفي ذكرى فض اعتصام القيادة العامة، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين قائماً: كيف يمكن لمن فقدوا ثقتهم في الخطاب الرسمي أن يمنحوها مجدداً دون أفعال ملموسة تعيد الاعتبار للحقيقة والمساءلة والعدالة؟ فالثقة، حين تُهدر بالدماء والأخطاء المتراكمة، لا تُستعاد بالوعود، وإنما تُستعاد بالصدق وتحمل المسؤولية.The post حين تحولت التطمينات إلى كوارث وطنية appeared first on صحيفة مداميك.