بقلم: عاطف عبداللهابتداءً، لابد من تزجية الشكر والتقدير للأستاذ شاذلي مجذوب على تعقيبه المستفيض والباذخ على مقالي السابق ” من يعزل من؟ الحزب الشيوعي وأزمة الهروب من الواقع” فإدارة النقاش العام ومقارعة الحجة بالحجة هي بالتحديد ما يحتاجه فضاؤنا السياسي السوداني الراهن، المفخخ بالشعارات والمأزوم ب غياب الحوار الشفاف. غير أن الأستاذ شاذلي أخذ عليّ في قراءته ما اعتبره تحويلاً للمنبر السياسي إلى ساحة اتهام دُون أدلة، وتحديداً في قضية “الاختراق الأمني”، واصفاً الأمر بأنه مجرد انطباعات كَسولة وتفسيرات نفسية.ولقد تلقيت العديد من الملاحظات والتنبيهات من أصدقاء وزملاء حريصين على الحزب، أشاروا فيها إلى خطورة الحديث عن مسألة الاختراق الأمني وحساسية هذا الاتهام. ومن هنا أود أن أوضح أنني لا أطلق الأحكام جزافاً، ولا أستند إلى ظنون أو انطباعات عابرة، بل أطرح ما أعتقد أنه يستند إلى وقائع ومعطيات تستحق النقاش الجاد.فحديثي عن الاختراق ليس رجماً بالغيب، ولا هو اتهام يبحث عن صك براءة أو إدانة، وإنما استنتاج سياسي وتوثيقي يستند إلى شهادات ووقائع ومراجعات صدرت من داخل الحزب نفسه. ويكفي هنا التذكير بالشهادة المهمة التي أدلى بها عضو اللجنة المركزية للحزب الأستاذ علي الكنين في لقاء تلفزيوني معروف، حين أقرّ بوضوح بوجود اختراقات أمنية طالت الحزب.بعد انتفاضة أبريل برزت قضية حسن حامد بوصفها واحدة من الوقائع التي أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الشيوعية واتحاد الشباب السوداني، وفي السنوات الأخيرة أُثير كثير من الجدل حول مسارات بعض الشخصيات التي انتقلت من مواقعها السابقة إلى مواقع مرتبطة بمؤسسات السلطة العسكرية أمجد فريد منها. كما ظلت الروايات المتداولة حول أساليب الاختراق والتجنيد التي اتبعتها أجهزة الأمن جزءًا من السردية السياسية السودانية لعقود طويلة.ولا يقتصر الأمر على الشهادات والوقائع المتفرقة، بل تناولته أيضاً كتابات ودراسات عديدة حاولت تفسير أثر الاختراقات والصراعات الداخلية والتوجيه الأمني على مسار الحزب وتطوره. ومن ذلك ما كتبه الأستاذ إبراهيم مطر في سلسلة مقالاته بصحيفة الراكوبة خلال أكتوبر 2024، وما تناوله الكاتب علاء الدين محمود في مقاله المنشور عام 2016 بعنوان: “الحزب الشيوعي.. أي التيارات يسعى لتصفيته؟”. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع استنتاجات هذه الكتابات، فإنها تؤكد أن القضية ليست اختراعاً من عندي، ولا مجرد انطباع شخصي، بل موضوعاً مطروحاً للنقاش والبحث منذ سنوات طويلة داخل وخارج الحزب.حين تتحول كواليس الحزب الداخلية إلى مادة للنقاش العام، وحينما تعجز القيادة عن الرد أو التعقيب أو الدفاع عن تماسك بنيتها التنظيمية ومنسوبيها، يسقط تلقائياً شرط “التباكي على الأدلة”؛ ويصبح الاختراق معطىً سياسياً موضوعياً تجب دراسة أثره المباشر على صناعة القرار وتوجيه المواقف.أما ما رآه الأستاذ شاذلي تناقضاً في منطقي حين جمعتُ بين “الاختراق الأمني” و”التكلس الفكري” – بافتراض أن الأول يعني صناعة القرار عبر أجهزة غريبة وعناصر مزروعة، بينما يفترض الثاني صدوره عن قناعات أيديولوجية راسخة لدى القيادة – فهو التباس منهجي يقع فيه الكثيرون. إن الاختراق والتكلس في النظم العقائدية والشمولية المغلقة ليسا ضدين لا يجتمعان، بل هما حليفان طبيعيان يُغذي أحدهما الآخر. فالأجهزة الأمنية الذكية لا تزرع عناصرها داخل الأحزاب الشيوعية لتغيير “النظرية الماركسية” أو استبدالها بنظرية أخرى، بل تزرعهم ليكونوا أشرس المدافعين عن “جمودها” و”حرفيتها الجوفاء”، ويسوقوا الحزب – باسم الحفاظ على الطهر الأيديولوجي – إلى العزلة التامة!إن الأمن الذكي يعلم تماماً أن دفع الحزب نحو “التكلس والجمود والنقاء الشعاراتي الكسول” هو الكفيل بعزله عن الجماهير وإخراجه من التأثير في مجريات الصراع الراهن، وبذلك يلتقي “العنصر المزروع” مع “القيادي المتكلس” في نقطة حرجة واحدة: إبقاء الحزب شاهداً معترضاً على التاريخ، لا فاعلاً في صنعه.وينتقل الأستاذ شاذلي في تعقيبه إلى محاورة الحجج السياسية، ليتهمني بالقول إنني “تجنبتُ مناقشة جدوى التحالف وإعلان المبادئ بنيروبي” وانصرفتُ لتشخيص الحزب. والرد على ذلك يكمن في أنني لم أتجنب فحص التحالف، بل انطلقتُ من فرضية كبرى تفرضها اللحظة التاريخية، وهي أن “بناء أوسع جبهة مدنية” في لحظة الخطر الوجودي الراهن هو واجب الساعة الأخلاقي والسياسي الأوحد. عندما تشتعل النيران في المنزل وتوشك الجدران على الانهيار فوق رؤوس الجميع، فإن الجدل الطويل حول “نقاء ونظافة” أدوات الإطفاء، أو التفتيش في “هويات وجدوى” الجيران المشاركين في إخماد الحريق، يصبح ضرباً من الترف الانتحاري. إن رفض الحزب للتحالفات المطروحة اليوم لا ينطلق من قراءة فاحصة لبرامجها أو نقد عقلاني لـ “إعلان المبادئ”، بل ينبع من “فيتو” مسبق وثابت يعادي مبدأ العمل المشترك مع الآخرين من الأساس.ثم يطرح الأستاذ شاذلي سؤالاً يبدو موضوعياً في ظاهره: “ماذا سيتحقق بوجود الحزب وماذا سينقص بدونه في هذا التحالف؟”والإجابة هنا تعيدنا إلى وزن الحزب التاريخي لا مواقفه الحالية؛ فالحزب الشيوعي السوداني ليس مجرد رقم كرتوني في معادلة التحالفات، بل هو كيان يملك أعمق وأعرق إرث تنظيمي وجماهيري ونقابي في تاريخ السودان الحديث. إن انضمام الحزب إلى الجبهة المدنية العريضة هو الذي يمنحها “العمق الشعبي والنقابي المستقل”، ويحصنها من مظاهر الاختطاف النخبوي أو الارتهان للمشاريع والضغوط الخارجية – وهي عين الهواجس المخاوف التي يطرحها الحزب تبريراً لرفضه. أما غيابه واستقاؤه العزلة، فيعنيان عملياً وبالملموس: إضعاف المعسكر المدني الديمقراطي بأكمله، وتمزيق جبهة المقاومة السياسية ضد سلطة الحرب والاستبداد، مما يخدم – موضوعياً بالنتيجة – قوى الردة العسكرية والشمولية الكامنة في التربص بالبلاد.أما المأخذ الأخير الذي يسوقه التعقيب، بوصفه لنقدي بأنه “تشخيص ذاتي وصاحب الحجة وليس الحجة نفسها”، فهو قفزٌ فوق طبيعة الأزمات السياسية. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل “الحجة” عن “صاحبها” عندما تكون الآلية التنظيمية المنتجة للحجة مصابة بالشلل البنيوي. إن فحص كفاءة “الأداة” (التي هي الحزب في هذه الحالة) يغدو ضرورة لازمة لفهم طبيعة “الموقف” (الذي يتلخص في الرفض الدائم).عندما تعجز قيادة الحزب عن إنتاج أو تقديم أي بديل واقعي وعملي لإنقاذ البلاد من حالة التشظي، وتكتفي في المقابل بإصدار بيانات الرفض الصمّاء والإدانة الجاهزة لكل مبادرة يطرحها الآخرون، يصبح من حق العقل النقدي – بل من واجبه – أن يتساءل بجرأة عن العطب البنيوي، الفكري والتنظيمي، الذي يُكبل هذا الكيان العظيم ويمنعه من الحركة، والفعالية، والاستجابة لنداء الوطن المستغيث.The post دفاعاً عن العقل النقدي: رد على تعقيب الأستاذ شاذلي مجذوب appeared first on صحيفة مداميك.