وفي الوقت الذي يعتمد فيه مرضى على أدوية لا يمكن إيقافها أو تأجيلها من دون مخاطر صحية، تتحول عملية الحصول على العلاج إلى تحدٍ يومي يتداخل فيه الاحتياج الطبي مع القدرة المالية، ولا سيما لدى المصابين بأمراض تتطلب متابعة طويلة الأمد وجرعات منتظمة، مثل مرضى زراعة الكلى والأورام وأمراض الدم المزمنة.رحلة العلاج لا تنتهي عند المستشفىفي غرف المستشفيات ومراكز غسل الكلى وردهات علاج الأورام، ترتبط حياة المرضى بمواعيد الجرعات والجلسات العلاجية ومدى توفر الأدوية التي يحددها الأطباء. فمريض الكلى الذي يحتاج إلى جلسات منتظمة وعلاجات مساندة، ومريض السرطان الذي يخضع لبروتوكول علاجي محدد، لا يستطيعان التعامل مع نقص الدواء بوصفه مشكلة عابرة، لأن انتظام العلاج يمثل عنصراً أساسياً في استقرار الحالة الصحية.وتزداد الصعوبات عندما لا يتوفر العلاج المطلوب في المستشفى أو المركز الصحي، ما يدفع المريض أو ذويه إلى البحث عنه في الصيدليات والمذاخر، وسط تفاوت الأسعار تبعاً لنوع المستحضر ومنشئه والشركة المنتجة، فضلاً عن اختلاف الكميات والجرعات المطلوبة من حالة إلى أخرى.ولا تقف الأعباء عند ثمن الدواء، إذ تتراكم معها تكاليف النقل والفحوصات والمراجعات الطبية، لتصبح رحلة العلاج أكثر صعوبة أمام الأسر محدودة الدخل، خصوصاً عندما يستمر الإنفاق لأشهر أو سنوات من دون انقطاع.مرضى زراعة الكلى.. الخوف من انقطاع العلاجيقول محمد رعد، أحد المرضى الذين خضعوا لعملية زراعة الكلى، إن إجراء العملية لا يعني انتهاء رحلة العلاج، بل يمثل بداية مرحلة تتطلب الالتزام المستمر بالأدوية المثبطة للمناعة، للحفاظ على الكلية المزروعة وتقليل مخاطر رفض الجسم لها.ويضيف رعد أن المشكلة تكمن في ضرورة توفير هذه الأدوية بصورة منتظمة، موضحاً أن عدم العثور عليها في المؤسسات الصحية يضطر المرضى إلى البحث عنها في الصيدليات الأهلية، حيث قد تكون أسعارها مرتفعة مقارنة بإمكاناتهم المالية.ويؤكد أن تأجيل العلاج أو الاستغناء عنه ليس خياراً متاحاً أمام المرضى الذين يعتمد استقرار حالتهم على الالتزام بالأدوية المقررة، داعياً الجهات الصحية إلى ضمان توفر العلاجات الأساسية بصورة مستمرة، ومراعاة ظروف المرضى الذين يحتاجون إليها طوال حياتهم.وتعكس هذه الشهادة جانباً من التحديات التي تواجه مرضى زراعة الأعضاء، إذ لا تنتهي مسؤوليات الرعاية الصحية بانتهاء العملية الجراحية، بل تستمر عبر توفير الأدوية والمتابعة الطبية اللازمة، بما يساعد على الحفاظ على نتائج العلاج وتجنب المضاعفات المحتملة.مرضى السرطان بين الجرعات وكلفة العلاجمن جانبها، تصف فاطمة داود، وهي مريضة بالسرطان، رحلة العلاج بأنها مرهقة جسدياً ونفسياً، مشيرة إلى أن معاناتها لا تقتصر على مراجعة المستشفى وإجراء الفحوصات، بل تشمل أيضاً البحث عن الأدوية المطلوبة وتأمين تكاليفها.وتوضح داود أن عدم توفر العلاج الذي يحدده الطبيب يثير القلق بشأن إمكانية الالتزام بالخطة العلاجية وعدم تأخير الجرعات، لافتة إلى أن شراء بعض الأدوية من الصيدليات الأهلية، إلى جانب أجور النقل والفحوصات والمراجعات، يشكل عبئاً كبيراً على الأسرة.وتأمل أن تتوفر العلاجات اللازمة في المستشفيات بصورة منتظمة، وأن تكون هناك آليات واضحة لمساعدة المرضى غير القادرين على تحمل تكاليفها، بما يضمن حصولهم على العلاج وفق احتياجاتهم الطبية وإمكاناتهم المالية.ولا تختلف هذه المعاناة كثيراً لدى المصابين بأمراض الدم المزمنة، الذين يحتاجون إلى متابعة مستمرة وفحوصات دورية وأدوية تتغير بحسب طبيعة الحالة الصحية. ويشير أبو مرتضى، أحد المرضى المصابين بهذه الأمراض، إلى أن العلاج يمثل نفقة شهرية متكررة، قد تتجاوز قدرة المريض على التحمل، ولا سيما عندما يضطر إلى شراء الأدوية من خارج المستشفى.وتظهر هذه الشهادات أن انتظام العلاج لا يرتبط بتوفر الدواء وحده، بل بقدرة المريض على الوصول إليه وتحمل تكلفته، وهو ما يجعل استمرارية التجهيز وتيسير الحصول على العلاجات من المسائل الأساسية في رعاية أصحاب الأمراض المزمنة.أعباء نفسية واجتماعية تتجاوز المرضولا تنحصر تداعيات نقص الأدوية وارتفاع تكاليفها في الجانب الصحي، بل تمتد إلى الحالة النفسية والاجتماعية للمريض وأفراد أسرته، الذين يعيشون حالة من القلق بشأن توفر العلاج وإمكانية تأمين نفقاته في المواعيد المطلوبة.ويقول المختص في علم الاجتماع، الدكتور حسن حمدان، إن استمرار القلق بشأن توفر الأدوية قد يؤدي إلى التوتر والأرق وفقدان الأمل، كما يضع الأسرة تحت ضغط نفسي ومادي متواصل، فتتحول حياتها إلى حالة من الترقب والخوف من المجهول.ويضيف حمدان أن المشكلة تتجاوز حدود المرض الجسدي لتؤثر في استقرار الأسرة وقدرتها على مواصلة حياتها بصورة طبيعية، مشيراً إلى أن مواجهة هذه الضغوط لا تقع على عاتق المريض وحده، بل تتطلب شبكة متكاملة من الدعم الأسري والمجتمعي، إلى جانب الإرشاد النفسي والاجتماعي وضمان استمرارية توفر الأدوية.ويشدد على أهمية جعل الدعم النفسي جزءاً من الخطة العلاجية داخل المؤسسات الصحية، وتوفير معلومات واضحة للمرضى بشأن علاجاتهم والبدائل المتاحة، بما يعزز ثقتهم بالمؤسسات الصحية ويخفف شعورهم بعدم الأمان.ويؤكد حمدان أن التعامل مع معاناة المصابين بالأمراض المزمنة يستدعي النظر إلى المريض بوصفه إنساناً يواجه تحديات صحية ونفسية واجتماعية متشابكة، الأمر الذي يتطلب تكامل الجهود الصحية والاجتماعية والأسرية لمساندته خلال رحلة العلاج والحد من الضغوط التي تنعكس على حياته وحياة ذويه.شح الأدوية ومخاطر تأخر الحصول عليهاعلى الصعيد الطبي، يشير رئيس أكاديمية الكلى وأمين سر الجمعية العراقية لأمراض وزرع الكلى، الدكتور علي جاسم هاشم الساعدي، إلى أن عدم توفر بعض الأدوية بصورة مستمرة يمثل إحدى المشكلات التي تواجه مرضى القصور الكلوي وزراعة الكلى، موضحاً أن بعض المرضى يضطرون إلى تأمين أدويتهم من خارج البلاد بجهود شخصية.ويبيّن الساعدي أن عدم انتظام توفر الأدوية يؤثر في الحالة الصحية للمرضى، ولا سيما المصابين بالأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى الالتزام بالعلاج، فضلاً عن مرضى زراعة الكلى الذين يعتمد استقرار حالتهم على مواصلة تناول الأدوية المقررة لهم.ويضيف أن بعض المرضى يلجؤون إلى البحث عن مصادر بديلة لتوفير علاجاتهم، من خلال استيرادها أو جلبها من دول أخرى، مثل إيران وتركيا، على نفقتهم الخاصة، نتيجة صعوبة الحصول عليها محلياً.ويحذر الساعدي من أن استمرار نقص الأدوية أو تأخر حصول المرضى عليها قد يؤدي إلى تراجع حالتهم الصحية وانتكاسها، خصوصاً إذا امتدت المشكلة مدة طويلة، مؤكداً ضرورة ضمان توفر العلاجات اللازمة بصورة منتظمة لتجنب المضاعفات المحتملة.ويدعو إلى الاهتمام بهذه الفئة وتوفير احتياجاتها العلاجية، بما يحافظ على استقرار الحالات الصحية ويحد من اضطرار المرضى إلى البحث عن الأدوية بوسائل فردية قد لا تكون متاحة للجميع.التسعيرة الوطنية بين تفاوت الأسعار والرقابةفي المقابل، يوضح المتحدث الرسمي باسم نقابة الصيادلة، الدكتور الصيدلاني أسامة هادي، أن توفير الأدوية مرتفعة الثمن، ولا سيما علاجات الأمراض السرطانية وأمراض الكلى والأمراض المزمنة، يقع ضمن مسؤولية وزارة الصحة، التي تتولى توفيرها بأسعار مدعومة في المستشفيات والمراكز الطبية التابعة لها.ويشير هادي إلى أن شح بعض هذه العلاجات يرتبط بوزارة الصحة أكثر من ارتباطه بعمل نقابة الصيادلة، فيما يعزو تفاوت أسعار الأدوية في الأسواق إلى عدم اكتمال مشروع التسعيرة الوطنية بنسبة 100 بالمئة.ويوضح أن الأدوية والمستلزمات الطبية المتداولة في السوق العراقية تأتي عبر مصدرين رئيسين؛ الأول من خلال استيرادات وزارة الصحة، ممثلة بالشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية «كيماديا»، والثاني عبر استيرادات المكاتب العلمية المجازة من نقابة الصيادلة.ويضيف أن الدولة تتولى توفير الأدوية مرتفعة الثمن بأسعار مدعومة للمواطنين في مستشفياتها ومراكزها الطبية، نظراً إلى ارتفاع تكاليفها وصعوبة تحمل المرضى أعباءها، خصوصاً من يحتاجون إلى علاجات مستمرة لا تحتمل الانقطاع.وفي ما يتعلق بتفاوت الأسعار بين الصيدليات، يبيّن هادي أن وزارة الصحة تنفذ، بالتنسيق مع النقابة، مشروع التسعيرة الوطنية للأدوية، فيما تتولى النقابة متابعة تطبيقه والإشراف عليه، وحث الصيادلة على الالتزام بالتسعيرة الحكومية وتوعية المواطنين بضرورة شراء المستحضرات التي تحمل الملصق السعري الرسمي.ويعزو استمرار تفاوت الأسعار إلى وجود مستحضرات دوائية لم تستكمل إجراءات تسعيرها رسمياً، ما يؤدي إلى اختلاف أسعار بعض العلاجات المتداولة في السوق المحلية.ويشير إلى أن النقابة خصصت فرقاً تفتيشية لزيارة المؤسسات الصيدلانية، بما يشمل المكاتب العلمية والمذاخر والصيدليات، لمتابعة الالتزام بالتسعيرة الحكومية ورصد المخالفات. وفي حال تسجيل مخالفة، يُستدعى الصيدلي صاحب إجازة المؤسسة أمام لجنة الانضباط النقابية في بغداد أو ممثليات النقابة في المحافظات، لتحديد الإجراءات المناسبة وفقاً لقانون مزاولة مهنة الصيدلة.ويشدد هادي على ضرورة شراء المستحضرات التي تحمل الملصق السعري الرسمي، موضحاً أن الملصق يحدد السعر المعتمد، ويشير إلى تسجيل الدواء واستيراده وفق الإجراءات الأصولية وخضوعه للفحص والرقابة.ويضيف أن المستحضرات المسجلة تخضع للفحص في المركز الوطني للرقابة والبحوث الدوائية التابع لوزارة الصحة، للتحقق من مصدرها وجودتها وفعاليتها وسلامتها، مؤكداً أن الالتزام بشراء الأدوية المسعرة رسمياً يسهم في الحد من التلاعب بالأسعار وتداول المستحضرات مجهولة المصدر.وفي إطار الحلول المقترحة، يدعو هادي إلى دعم المستورد العراقي عبر تبسيط إجراءات تسجيل الأدوية والمستلزمات الطبية وتخفيف الرسوم المفروضة على استيرادها، بما يساعد على توفيرها بأسعار مناسبة والحد من شحتها في الأسواق.الحكومة تعلن تحركات لتأمين الأدويةوفي إطار الجهود الحكومية لتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وجّه رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، خلال اجتماع للكوادر المتقدمة في وزارة الصحة بحضور وزير الصحة عبد الحسين عزيز الموسوي، بتوفير التخصيصات المالية المناسبة للوزارة لتمكينها من تأمين احتياجات المؤسسات الصحية.وشملت التوجيهات، وفق المعلومات المعلنة، أدوية الأمراض السرطانية وأمراض القلب والأمراض المزمنة، فضلاً عن أدوية الكلى ومستلزمات الديلزة، بهدف ضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية وتلبية احتياجات المرضى.كما وجّه الزيدي بالاستعداد لتوفير متطلبات تشغيل المستشفيات الجديدة المقرر إنجازها وافتتاحها خلال الأشهر المقبلة.من جانبه، أعلن وزير الصحة عبد الحسين الموسوي وجود خطة لتوفير الأدوية السرطانية من مناشئ وصفها بالجيدة، مؤكداً وصول وجبات من هذه الأدوية إلى الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية "كيماديا"، فيما توجد دفعات أخرى في طريقها إلى الوصول.وقال الموسوي إن التعاقدات الخاصة بأدوية السرطان مستمرة، وإن الوزارة تتابع هذا الملف بهدف توفير العلاجات بصورة متواصلة وضمان تأمين احتياجات المرضى.وأشار إلى أن ملف الأدوية السرطانية يحظى بأهمية خاصة، نظراً إلى أن تداعياته لا تقتصر على المرضى، بل تمتد إلى عائلاتهم والأشخاص المحيطين بهم، معرباً عن أمله في عدم حدوث أي تقصير في هذا الجانب.بين التوجيهات واحتياجات المرضىوتضع هذه المعطيات ملف الأدوية الأساسية أمام مجموعة من التحديات المتداخلة، تبدأ بضمان وصول العلاجات إلى المستشفيات والمراكز الصحية، ولا تنتهي عند ضبط أسعار المستحضرات المتداولة في الصيدليات الأهلية وتعزيز الرقابة على مصادرها.ففي الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الصحية والنقابية عن خطط لتوفير الأدوية وتوسيع الرقابة على السوق، يطالب المرضى بضمان استمرارية التجهيز وعدم اضطرارهم إلى البحث عن علاجاتهم خارج المؤسسات الصحية أو تحمل تكاليف تفوق إمكاناتهم.وبالنسبة إلى المصابين بأمراض مزمنة، لا يمثل توفر الدواء مسألة خدمية عابرة، بل جزءاً أساسياً من استقرار حالتهم الصحية وقدرتهم على مواصلة العلاج. ولذلك، فإن نجاح الإجراءات المعلنة يرتبط بمدى انعكاسها على الواقع اليومي للمرضى، من خلال توفير الأدوية المطلوبة بانتظام، وضمان جودتها، وتيسير الحصول عليها، والحد من الأعباء المالية والنفسية التي تثقل كاهلهم وعائلاتهم.