عبد الحسين شعبان: بشت آشان جرح لم يلتئموجراح اليسارمفتوحة

Wait 5 sec.

يصف الكاتب والمؤرخ عبد الحسين شعبان القيادي الشيوعي العراقي عامر عبد الله بأنه شخصية إشكالية، جمعت بين الثقافة الواسعة والثقة العالية بالنفس. وبأنه كان أقرب إلى المفكر والسياسي منه إلى الحزبي التقليدي.ويشير شعبان، في حوار مع الزميل سلام مسافر في برنامج "قصارى القول"، إلى أن عبد الله ظل قارئاً ومتابعاً للشأنين الفكري والسياسي حتى أواخر حياته، انطلاقاً من قناعته بأن القيادة السياسية لا تُبنى على النضال الحزبي وحده، بل تحتاج أيضاً إلى معرفة عميقة بالمجتمع والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدينية. ويؤكد أن اختلافه مع بعض مواقف عبد الله لا ينتقص من تقديره له، مشدداً على ضرورة التمييز بين الموقف من النظام العراقي السابق والموقف من الحرب العراقية الإيرانية، مثلما ينبغي الفصل بين معارضة النظام والدفاع عن حقوق العراق.وفي هذا السياق، يستعيد شعبان معارضته اتفاقية الجزائر لعام 1975، التي يرى أنها ألحقت إجحافاً بحقوق العراق في المياه والأراضي. كما يرفض العقوبات الاقتصادية التي تستهدف الشعوب، معتبراً أن الحصار لا يقتصر أثره على معاقبة نظام سياسي، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، ويصيب نسيجه الاجتماعي بأضرار عميقة. ومن هنا، يشدد على أن معارضة الأنظمة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لمعاقبة المواطنين.بشت آشان.. مجزرة وأسئلة معلّقةويتوقف شعبان عند مجزرة بشت آشان، التي وقعت في الأول من أيار/مايو 1983، عندما هاجمت قوات تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني مواقع للأنصار الشيوعيين، وفق روايته، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى، بينهم أسرى. ويقول إنه وثّق أسماء الضحايا في كتابه «بشت آشان: خلف الطواحين»، مشيراً إلى أن معلومات أساسية عن بعضهم لا تزال مفقودة، وأن القضية لم تخضع، حتى الآن، لتحقيق يكشف جميع ملابساتها.وفي معرض استعادته للأحداث المحيطة بالمجزرة، يتحدث شعبان عن معلومات تفيد بأن مسؤولين في المخابرات العراقية التقوا قيادات في الاتحاد الوطني الكردستاني داخل المناطق الجبلية، في إطار اتصالات سرية مع الحكومة العراقية. وبحسب الرواية التي يشير إليها، تضمنت الشروط المطروحة أن يتولى الاتحاد الوطني قيادة كردستان بالتفاهم مع بغداد، مقابل تصفية ما عُرف بـ«جبهة جود»، التي ضمت الحزب الشيوعي وقوى كردية وسياسية أخرى.ويرى شعبان أن هذه الاتصالات تعكس جانباً من الصراعات والانقسامات التي سبقت مجزرة بشت آشان، لكنه لا يجزم بأنها تفسر وحدها دوافع المجزرة أو جميع الظروف التي أحاطت بها.الانقسامات السياسية وفرص المصالحة الضائعةويعتقد شعبان أن الانقسامات داخل الحركة الشيوعية، إلى جانب تباين مواقف القوى الكردية وانحيازاتها، أسهمت في تعقيد المشهد السياسي. ويستعيد في هذا الإطار موقفه الداعي إلى المصالحة بين الأطراف، بدلاً من الانخراط في صراعاتها، متحدثاً عن الخلاف بين جبهتين سياسيتين تشكلتا في سوريا وكردستان، وما ترتب عليه من توتر وتراجع فرص التعاون بينهما.أما بشأن إقامة القوى الشيوعية العراقية في سوريا، فيقول شعبان إن دمشق وفرت ملاذاً للمعارضين العراقيين، وإنه حرص، مع رفاقه، على تجنب التدخل في الشؤون الداخلية السورية قدر الإمكان، في ظل ضيق الخيارات المتاحة أمام القوى المعارضة التي اضطرت إلى العمل من خارج العراق.من "المظلومية" الطائفية إلى المواطنةوفي الشأن العراقي، ينتقد شعبان الخطاب السياسي القائم على ما يُعرف بـ«المظلومية الشيعية»، موضحاً أنه رفض منذ البداية اتخاذ الانتماء الطائفي أساساً للتعبئة السياسية. ويدعو إلى سن قانون يجرّم الطائفية ويعزز مبدأ المواطنة، معتبراً أن معالجة الانقسامات لا تكون بتكريس الهويات المذهبية في الصراع على السلطة.ويشدد شعبان على ضرورة التمييز بين الطائفة بوصفها تكويناً تاريخياً واجتماعياً، والطائفية بوصفها توجهاً سياسياً يسعى إلى تغليب طائفة على أخرى. ولا يقتصر هذا النقد، في نظره، على خطاب يستند إلى ادعاء المظلومية، بل يشمل أيضاً الخطاب الذي يحتج بالأكثرية لتبرير الهيمنة أو الانتقاص من حقوق الآخرين.وبين ذاكرة بشت آشان التي لا تزال مثقلة بالأسئلة، والانقسامات التي شطرت قوى المعارضة العراقية، والتحذير من توظيف الطائفة في الصراع السياسي، يطرح شعبان قضية تتجاوز مراجعة أحداث الماضي: كيف يمكن بناء دولة تتسع لمواطنيها جميعاً، من دون أن تتحول المظالم التاريخية إلى وقود لصراعات جديدة؟.المصدر: RT