اقتصاد النجاة… كيف أعاد السودانيون ابتكار وسائل العيش؟

Wait 5 sec.

أ.د. عاصم التجاني شمعونحين تنهار الدول، لا تتوقف الحياة. وحين تغلق المؤسسات أبوابها، لا يتوقف الناس عن البحث عن لقمة العيش. هذه واحدة من أعظم الحقائق التي كشفتها الحرب في السودان. فقد فقد كثير من الناس وظائفهم، وتوقفت شركات، وأغلقت مصانع، وتعطلت مؤسسات حكومية، وانقطعت سلاسل الإمداد، لكن الحياة لم تتوقف. بل بدأ الناس يبتكرون طرقاً جديدة للعيش. وهو ما يمكن تسميته باقتصاد النجاة. ليس لأنه اقتصاد يحقق الثراء، وإنما لأنه اقتصاد يساعد الإنسان على البقاء.ما هو اقتصاد النجاة؟: يستخدم مصطلح اقتصاد النجاة أو اقتصاد البقاء، (Survival Economy) في الدراسات الاقتصادية والإنسانية لوصف الأنشطة التي يلجأ إليها الناس عندما تتراجع قدرة الاقتصاد الرسمي على توفير فرص العمل والدخل. وقد تناولت تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا المفهوم في سياق الأزمات الإنسانية، حيث يتحول الناس من الاعتماد على الوظائف التقليدية إلى البحث عن مصادر بديلة للدخل، تعتمد على المبادرة الفردية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف الطارئة. وهو يختلف عن الاقتصاد الرسمي. فالاقتصاد الرسمي تحكمه المؤسسات والقوانين والضرائب والعقود. أما اقتصاد النجاة فيقوم على المبادرة الفردية، والعمل اليومي، والمرونة، والقدرة على التكيف مع الظروف. إنه اقتصاد يولد عندما تتراجع قدرة الدولة على توفير فرص العمل والخدمات. وفي السودان، لم يعد اقتصاد النجاة خياراً عند كثير من الأسر، بل أصبح ضرورة.لسنوات طويلة كان كثير من الشباب ينتظرون الوظيفة، وظيفة حكومية، أو وظيفة في شركة. لكن الحرب قلبت المعادلة. وهكذا بدأ كثير من الشباب يبيعون منتجات منزلية، أو يعملون في التوصيل، أو يقدمون خدمات إلكترونية، أو يتاجرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لقد تحول التفكير من انتظار الفرصة إلى صناعة الفرصة. وهذا التحول، رغم أنه جاء تحت ضغط الأزمة، يكشف عن قدرة الإنسان السوداني على التكيف والإبداع.من المهم التمييز بين أنواع الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي ظهرت خلال الحرب. فهناك أنشطة البقاء المؤقتة، مثل بيع الخضروات أو الخبز المنزلي، وهي عادة ما تكون دخلاً متواضعاً وغير مستقر. وهناك أنشطة تحولية، مثل المشاريع المنزلية الصغيرة التي قد تنمو إلى أعمال دائمة. وهناك أنشطة رقمية، مثل العمل الحر عبر الإنترنت، التي غالباً ما تكون أكثر استقراراً وتوفر فرصاً للتوسع. هذا التصنيف يساعد في فهم كيفية تحويل بعض هذه الأنشطة من مجرد وسيلة للنجاة إلى مشاريع منتجة قابلة للاستمرار.من يزور كثيراً من المدن السودانية اليوم يلاحظ شيئاً واضحاً. الأسواق الصغيرة تكاثرت، والأكشاك، والعربات المتحركة، والباعة الجائلون، والمطابخ المنزلية، ورش الصيانة الصغيرة، وبيع الخضروات، والخَبز المنزلي، والحلويات، والخياطة، والحرف اليدوية. كلها أصبحت جزءاً من اقتصاد جديد. قد تبدو هذه الأنشطة بسيطة، لكنها بالنسبة لآلاف الأسر تمثل الفرق بين الجوع والكرامة والإنسانية. إنها ليست مجرد تجارة، بل وسائل للبقاء.ربما كانت المرأة السودانية هي أكثر من جسّد اقتصاد النجاة، ففي كثير من البيوت، أصبحت هي التي توفر الدخل، وتطبخ وتبيع الطعام، وتصنع الخبز، وتخيط الملابس، وتبيع العطور. تدير مشروعاً منزلياً صغيراً، أو تعمل عبر الإنترنت. ولم يكن هذا مجرد دور اقتصادي. بل كان حفاظاً على الأسرة نفسها. فالمرأة لم تنتظر أن تتحسن الظروف. بل صنعت حلولها بيديها. ولهذا فإن كثيراً من قصص النجاح التي ظهرت خلال الحرب، بدأت من مطبخ صغير، أو ماكينة خياطة، أو فكرة بسيطة داخل منزل.ولا يمكن الحديث عن اقتصاد النجاة دون الإشارة إلى دور المجتمع المحلي والتكافل الاجتماعي. ففي السودان، تلعب الأسرة الممتدة والجيران والمجتمع المحلي دوراً مهماً في دعم الأفراد والأسر خلال الأزمات. فهناك مساعدة الجيران، وإقراض المال دون فوائد، وتقاسم الطعام، والتعاون في المشاريع الصغيرة. وهذه القيم الاجتماعية، التي تعكس عمق الترابط المجتمعي، ساهمت في تخفيف معاناة كثير من الأسر، ووفرت شبكة أمان إنسانية في غياب شبكات الأمان الرسمية. وهذا البعد الاجتماعي يجعل اقتصاد النجاة ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل تعبيراً عن ثقافة التضامن والتعاون التي تميز المجتمع السوداني.أما الشباب، فقد اكتشفوا أن المهارة أصبحت رأس مال، من يجيد التصميم، أو البرمجة، أو التصوير، أو الترجمة، أو التعليم الإلكتروني، أو التسويق الرقمي. أصبح قادراً على العمل مع أشخاص أو مؤسسات داخل السودان وخارجه. لقد أثبتت الأزمة أن المعرفة يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً حقيقياً. وأن الهاتف المحمول لم يعد وسيلة للتواصل فقط، بل قد يكون مكتباً كاملاً.قبل سنوات، كان تحويل الأموال يحتاج إلى إجراءات طويلة. أما اليوم، فقد أصبحت التطبيقات المصرفية والمحافظ الإلكترونية والتحويلات الرقمية جزءاً من الحياة اليومية. كما أصبحت تحويلات السودانيين في الخارج شرياناً اقتصادياً مهماً لكثير من الأسر، ولم تعد التكنولوجيا ترفاً، بل أصبحت وسيلة للبقاء، فالطالب يتعلم عبر الإنترنت، والتاجر يبيع عبر الهاتف، والأسرة تستقبل الدعم المالي إلكترونياً، والعامل يقدم خدماته عن بعد. فلقد أثبتت الأزمة أن الاقتصاد الرقمي لم يعد خيار المستقبل فقط، بل أصبح جزءاً من حاضر الناس.رغم كل هذه النجاحات، فإن اقتصاد النجاة لا ينبغي أن يصبح بديلاً دائماً عن الاقتصاد الحقيقي. فهو اقتصاد يقوم على الضرورة أكثر مما يقوم على التخطيط، وغالباً ما يكون دخله غير مستقر، ولا يوفر حماية اجتماعية، ولا تأميناً صحياً، ولا معاشاً. ولهذا فإن استمرار الناس في الابتكار لا يعفي الدولة من مسؤوليتها، فالهدف ليس أن يبقى المواطن منشغلاً بالنجاة كل يوم، بل أن يعيش حياة مستقرة يستطيع فيها أن يخطط للمستقبل، لا أن يقلق على الغد.ربما يكون أهم ما علمتنا إياه هذه التجربة أن رأس المال الحقيقي ليس المال وحده، بل الإنسان، فالبيوت تهدمت، والمؤسسات تعطلت. لكن الإنسان بقي قادراً على التفكير، والابتكار، والتعاون، وصناعة الحلول. وهذه هي الثروة التي لا تستطيع الحروب أن تدمرها.أخيراً، ستنتهي الحرب يوماً. وستعود المؤسسات إلى العمل. لكن الدرس الذي ينبغي ألا ننساه هو أن الشعب السوداني لم ينتظر النجدة، بل صنع كثيراً من وسائل نجاته بنفسه. ومع ذلك، فإن طموح السودانيين أكبر من مجرد النجاة. فالشعوب لا تحلم بأن تعيش يوماً بيوم، بل تحلم بأن تبني مستقبلاً آمناً ومستقراً. ولذلك، فإن المرحلة القادمة يجب ألا تكتفي بالاحتفاء بقدرة الناس على الصمود، بل ينبغي أن تحول هذا الإبداع الشعبي إلى اقتصاد منتج، يخلق فرص العمل، ويعيد بناء الثقة، ويمنح السودانيين ما يستحقونه من حياة كريمة. فالنجاة كانت ضرورة، أما التنمية، فهي الهدف الذي ينبغي أن يتجه إليه الجميع.The post اقتصاد النجاة… كيف أعاد السودانيون ابتكار وسائل العيش؟ appeared first on صحيفة مداميك.