هل كانت المقاطعة هي الخيار الأفضل؟ قراءة في قرار حزب الأمة القومي بشأن مشاورات الآلية الخماسية

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةلا أحد يجادل في وطنية حزب الأمة القومي و قيادته، ولا في حقه الكامل في اتخاذ الموقف الذي يراه مناسبًا. كما أن التحفظات التي أبداها الحزب على مشاورات الآلية الخماسية ليست بلا أساس؛ فالكثير من القوى السودانية تشترك في انتقاد ضعف الملكية الوطنية، وغياب الشمول، وتكرار تجارب الوساطة التي كثيرًا ما بدت أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها.ولكن، مع كامل الاحترام، أرى أن الحزب جانبه الصواب عندما اختار المقاطعة.فالسياسة ليست فن إعلان المواقف فحسب، وإنما فن صناعة النتائج. والفرق كبير بين أن تعترض من خارج القاعة، وأن تدخل إليها لتفرض أجندتك وتدافع عن رؤيتك وتحرج الوسطاء أمام الرأي العام.إن ما دعت إليه الآلية الخماسية ليس مؤتمرًا تأسيسيًا، ولا مفاوضات ملزمة، ولا اتفاقًا نهائيًا، وإنما مجرد مشاورات لاستطلاع آراء القوى السودانية. والمشاورات بطبيعتها ليست نهاية الطريق، بل بدايته، ولذلك فإن الانسحاب منها قبل أن تبدأ يعني التنازل طواعية عن فرصة التأثير في رسم مسارها.ولو أن حزب الأمة شارك، لكان قادرًا على أن يبدأ حديثه بالاعتراض نفسه الذي أورده في بيانه، وأن يطالب علنًا بإعادة تصميم العملية السياسية، وتوسيع المشاركة، وضمان الملكية السودانية الكاملة لها. عندها كان سيصبح اعتراضه جزءًا من محاضر المشاورات، وورقة رسمية أمام الوسطاء، وليس مجرد بيان سياسي يقرأه من اتفق معه ويتجاهله من اختلف معه.إن السياسة تعلمنا أن الطاولات لا تتغير بسبب الكراسي الفارغة، وإنما بسبب الأصوات القوية التي تجلس حولها.التاريخ مليء بأمثلة تثبت أن كثيرًا من عمليات السلام لم تبدأ بصيغتها المثالية، وإنما أعيد تشكيلها بفعل المشاركين أنفسهم.في جنوب أفريقيا، لم تكن المفاوضات الأولى لإنهاء نظام الفصل العنصري تلبي مطالب جميع القوى، ومع ذلك دخلها المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا، وخاض معركة سياسية داخل قاعة التفاوض، حتى تغيرت قواعد اللعبة وانتهت بإقامة نظام ديمقراطي، ولم يكن ذلك ليحدث بالمقاطعة.وفي أيرلندا الشمالية، مرت المفاوضات التي انتهت إلى اتفاق الجمعة العظيمة بمراحل من التعثر والاعتراض والانسحاب والعودة، لكن القوى السياسية التي أرادت التأثير عادت إلى الطاولة وعدلت كثيرًا من البنود حتى خرج الاتفاق بصورة مختلفة عن بداياته.وفي كولومبيا، تعرضت اتفاقية السلام الأولى مع حركة فارك لرفض شعبي في الاستفتاء عام 2016، لكن الحكومة لم تنسحب من الحوار، بل عادت إلى المشاورات، وعدلت عشرات البنود استجابة للاعتراضات، ثم أُبرم اتفاق جديد أكثر قبولًا.بل إن التجربة السودانية نفسها تقدم الدرس الأوضح. فقد مرت مفاوضات اتفاقيتي جوبا و نيفاشا للسلام بمراحل طويلة من الأخذ والرد، وأضيفت إليها مسارات، وحذفت أخرى، وعدلت بنود عديدة نتيجة لضغوط القوى المشاركة. ولو أن الجميع اختار المقاطعة منذ البداية، لما حدث أي تعديل.إذن، فالمشاورات ليست صكًا للاستسلام، وإنما فرصة لتعديل المسار.وإذا كانت كتلة “صمود” قد اختارت المقاطعة باعتبارها تحالفًا سياسيًا، فإن حزب الأمة القومي ليس مجرد رقم داخل أي تحالف. إنه أحد أعرق الأحزاب السودانية، وصاحب مدرسة سياسية مستقلة، وإرث وطني يمتد لأكثر من ثمانية عقود. ولذلك فإن مسؤوليته الوطنية أكبر من أن تُختزل في مجاراة موقف تحالف، مهما بلغت أهمية ذلك التحالف.كان بإمكان الحزب أن يذهب إلى الاجتماع ممثلًا لرؤيته، لا ممثلًا للآلية، وأن يقول للوسطاء وجهاً لوجه إن العملية السياسية تحتاج إلى إعادة تصميم، وإن السودانيين يجب أن يمتلكوا قرارها، وإن السلام لا يمكن أن يُصنع عبر انتقاء المشاركين أو إقصاء أصحاب المصلحة الحقيقيين.هذا الموقف كان سيمنحه قوة أكبر، لا ضعفًا.أما ترك المقعد شاغرًا، فلن يؤدي إلى إلغاء الاجتماع، بل سيجلس عليه آخرون، وربما يتحدثون باسم السودان، أو يقدمون تصورات لا تعبر عن رؤية حزب الأمة ولا عن قطاع واسع من السودانيين.في السياسة لا توجد مساحة تبقى فارغة؛ فكل مقعد يُترك يشغله آخر، وكل صوت يغيب يحل محله صوت مختلف.كما أن هناك فرقًا كبيرًا بين المشاركة والمصادقة. فالمشاركة في المشاورات لا تعني قبول كل ما يجري فيها، كما أن حضور جلسة استماع لا يعني التوقيع على نتائجها. بل إن المشاركة قد تكون أحيانًا أبلغ وسائل الرفض، لأنها تنقل الاعتراض من البيانات الصحفية إلى المواجهة السياسية المباشرة.لقد ظل حزب الأمة، عبر تاريخه، حزب المبادرات لا حزب ردود الأفعال، وحزب الحوار لا حزب العزلة السياسية. ولذلك كان المتوقع أن يستثمر هذه الفرصة ليقدم مشروعًا وطنيًا متكاملًا، ويضع الوسطاء أمام مسؤولياتهم، ويختبر مدى جديتهم في الاستماع إلى القوى السودانية.إن معيار النجاح ليس هو اسم الآلية، ولا جنسية الوسطاء، وإنما مقدار ما تستطيع أن تحققه من مصالح وطنية. وإذا كان بالإمكان دفع العملية السياسية خطوة واحدة نحو السلام، فمن الحكمة أن تُدفع، لا أن تُترك.قد تكسب المقاطعة تعاطفًا سياسيًا، لكنها نادرًا ما تغيّر مسار الأحداث. أما الحضور الواعي، المدعوم برؤية واضحة وإرادة صلبة، فهو الذي يصنع الفارق.واليوم، بينما تتواصل الحرب ويتفاقم النزيف الإنساني، يصبح السؤال الأهم: هل نكتفي بتسجيل المواقف، أم نسعى إلى التأثير في كل منبر يمكن أن يقرّب السودانيين من السلام؟في تقديري، كان حزب الأمة القومي قادرًا على أن يجمع بين الأمرين معًا: أن يحافظ على مبادئه، وأن يخوض معركة الدفاع عنها من داخل قاعة المشاورات. وكان ذلك سيكون أكثر انسجامًا مع تاريخه، وأكثر فاعلية في خدمة القضية الوطنية، وأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل السودان.“في العمل السياسي، لا يُسأل القادة كم مرة اعترضوا، بل كم مرة استطاعوا تغيير مسار الأحداث. فالبيانات تُسجل في الأرشيف، أما المواقف التي تُقال على طاولة التفاوض فتُسجل في التاريخ.”The post هل كانت المقاطعة هي الخيار الأفضل؟ قراءة في قرار حزب الأمة القومي بشأن مشاورات الآلية الخماسية appeared first on صحيفة مداميك.