بكرى الجاك مدنيلعل أكثر ما يؤلم في الشأن العام الآن هو الجدل حول البديهيات خصوصا في ظل حالة التجهيل المنظم الذي جعلت الحرب منه واقعا بائسا، فكثير من الناس لا يعرفون عن تصورات بعضهم إلا ما ينقل لها من مصادر تعمل بوعي لشحذ حالة الاستقطاب الحاد بين السودانيين إلى درجة انعدم فيها القبول بالمسلمات كشرط ضرورة لإدارة حوار صحي لتعظيم فرص تقارب وجهات النظر، بل أن الاستقطاب و الاستسهال أوصل الناس إلى مرحلة تزييف حقائق تاريخية لم يمض عليها وقت طويل. خذ مثلا حقيقة أنه كان هناك نظام فاشي اسلامي يحكم السودان و كان عمر البشير هو رأس هذا النظام في كل مراحل تلّونه منذ الانقاذ 1 في 30 يونيو 1989 و في الانقاذ 2 عند مفاصلة الإسلاميين فيما بينهم عام 1999 و من ثم الانقاذ 3 بتوقيع اتفاق السلام الشامل في 2005 إلى ما بعد انفصال الجنوب في 2011، مرورا بانتفاضة سبتمبر 2013 إلى حين اندلاع ثورة ديسمبر الشعبية التي عظّمت التناقضات داخل النظام فقرر التخلص من البشير في 11 ابريل 2019، و نفس هذا النظام خاض حربا جهادية ضد مواطنين سودانيين و قام بتصفية جهاز الدولة بالكامل وتحويله الى اقطاعيات خاصة و تآمر على دول الجوار و أعلن الجهاد على مصر و اريتريا واثيوبيا، بل واستجلب المتطرفين من كافة أنحاء العالم إلى الخرطوم بما فيهم مقاتلي حركة حماس و الحرس الثوري الإيراني، وبالفعل حاول اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1994 و نجح في تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في نيروبي ودار السلام مما أدى إلى مقتل المئات من الابرياء و بسببه اصبح السودان ضمن قائمة الدول الراعية للارهاب، و حتي لا ننسي أن هذا النظام استخدم اسلحة كيماوية في دارفور و قادته مازالوا مطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي بتهم ارتكاب الجرائم الثلاث الكبار: جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية. ومن يعتقد أن هذا النظام قد تفكك بالكامل و انه لم يعد له وجود عليه ان برجع البصر كرتين، و ليسأل من الذي يقود الحرب الآن؟ و لما لا يكل قادة الحرب الحقيقيين من جعل القوى السياسية و المدنية التي أسقطت نظامهم هدفا لها بدلا من الدول التي يسمونها غازية والجهة التي تحاربه في الميدان، اي الدعم السريع، أو كما يحلو لهم قول “المليشيا” بتلذذ لفظي وكأنه انتصار لغوي؟إزاء كل هذه المخازي هناك من بلغ به سوء الحال أشده و بدأ يتحدث عن أيام البشير و كأنها كانت ايام عظيمة و عادة ما يأتي هذا القول من الذين كانوا اما منتفعين من الانقاذ أو لم يتضرروا منها، و لكنهم نسوا او تناسوا أن الإنقاذ قتلت ما لا يقل عن مليوني مواطن في جنوب السودان و ما لا يقل عن 400 ألف في دارفور و البشير بعضمة لسانه قال “بيكونوا عشرة الف بس” و كأنما عشرة الف بالعدد الهين. معروف أن الإنسان عادة ما يتذكر الماضي بشيء من الايجابية المبالغ فيها لأن الذاكرة البشرية انتقائية و عادة ما تستجمع المواقف العصيبة و المواقف الحميمة للنفس و في حياتنا هذا أمر معروف بالماضوية أي التعامل مع الماضي بأنه دائما افضل فقط لأن الواقع المعاش مخيف و المستقبل لا يقل قتامة منه و هذا سلوك دفاعي طبيعي للتمسك بالحياة حتى و لو في الماضي.الأمر المذهل هو السذاجة التي بدأت تدب إلى الفضاء العام إذ ينبري الكثير من البسطاء لتحليل مواقف دول من منظور رغائبي و كأنما سلوك الدول يقاس بمعايير عاطفية تتعلق بالحب و الكراهية، و لا أدري من أين أتي محللي الساعة 25 بحجج البر والاحسان في قاموس الصراع السياسي الإقليمي والدولي، فعادة الدول تستخدم القوة الناعمة من دبلوماسية شعبية و تبادل ثقافي و تبادل تجاري و هذا أمر مدروس و لو أن القوة الناعمة تنجح في كل الأحوال لما دخلت الدول في الحروب التي هي في الأساس محض وسيلة لتغيير شروط عمل أدوات القوة الناعمة التي هي الأصل في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وليس العنف رغم توسعه. هذه السذاجة بلغت مستوى متناهي من الجهل في بذل الاعجاب بتجارب شعوب بانتقائية بشكلى مبهر، و كأنما أن القروض الصينية على اجحافها أقل سوءا من قروض البنك الدولي أو أن تدخل السعودية في تشكيل مستقبل السودان سيكون أقل سوءا من السيطرة المصرية على القرار الوطني، بل جل الذين يهاجمون خصومهم في تبني استراتيجية بعينها خصوصا في تناول ملف استخدام الأسلحة الكيمائية انطلقوا من فرضية أن كل من يتحدث عن استخدام الجيش للأسلحة الكيمائية و كأنما يقوم بدور المٌحرّش للغرب لاستهداف السودانيين أو يعمل على شرعنة و تبرير التضييق و العقوبات التي لا محالة سيكون لها عواقب وخيمة. يا أيها الناس اعلموا أن كل الخائضين في هذه الحرب بالدعم و التشجيع، بغض النظر عن السردية أو المبررات، هم يتماهون بالكامل مع أجندات خارجية و يمارسون ذات التدليس بتبرير أنه تدخل حميد تحت مسمى العدالة و حجج الشرعية والحفاظ على الدولة فقط لأنه يتماشى مع تصوراتهم و تفسيرهم لما يحدث، دعم الحرب هو بالضرورة سيقود إلى حقيقة واقعة الآن و هي فقدان السودان و السودانيين لأي إرادة سياسية لتشكيل المصير الوطني وليس أمامهم سوى تطويع إرادتهم لصالح منتفع خارجي يسمونه حليف حميد.أما فيما يخص مزاعم استخدام الأسلحة الكيمائية فالأمر ليس دق رمل أو تكهنات أو التشكيك في رواية ادارة الرئيس بايدن فقط لأن أمريكا من قبل اتهمت صدام بامتلاك اسلحة دمار شامل كحجة لشن الحرب علي العراق أو انها استهدفت مصنع الشفاء في الخرطوم في عام 1998 بناء على معلومات اتضح لاحقا أنها خاطئة، فكون أن الإدارة الأمريكية اخطأت في السابق لا يعني أنها ستكون خاطئة في كل أمر لاحق هذا من حيث سلامة البناء المنطقي و هذه مغالطة منطقية معروفة أي Guilt by Association أي أن من أخطأ التقدير، و هو أمر أكثر تعقيدا من الكذب المقصود لأن هذه قرارات أنظمة معقدة و ليس مجرد فرد في قعدة جبنة يحكي و يؤلف كما يشاء، فهذا لا يعني أن كل ما يأتي من أي ادارة لاحقة يجب أن يؤخذ على أنه كذب الي ان تثبت صحته بدلا من التعامل معه على أنه صحيح إلى أن يثبت العكس. و اليكم الحقائق في هذا الأمرفي ديسمبر من العام 2024 وصلت ادارة الرئيس الامريكي جو بايدن إلى حقيقة مبنية على أدلة تقول انها بطرفها مفادها أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في عدة مناطق من بينها جبل موية و مصفاة الجيلي و الخرطوم بالإضافة إلى مناطق عدة في دارفور وعلى ضوء ذلك فرضت ادارة بايدن في أواخر أيامها عقوبات على قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان و الفريق ميرغني ادريس المسؤول عن منظومة الصناعات الدفاعية، و منذ أسابيع فرضت ادارة الرئيس ترمب عقوبات إضافية على رجال أعمال تقول انهم قاموا بشراء اسلحة للجيش و من بينها غاز الكلور للقوات المسلحة. ماذا كان رد فعل سلطة الأمر الواقع حينها، قام الفريق البرهان بتشكيل لجنة تحقيق وطنية أو هكذا قال و لم يعلن عن من هو رئيس اللجنة و من هم اعضائها و ما هي مؤهلاتهم للاضطلاع بمثل هذه المهمة المعقدة فنيا ولم تنشر هذه اللجنة نتائج تحقيقها حتى هذه اللحظة و كل ما يعرفه العالم أن سلطة الأمر الواقع أعلنت أنه لا يوجد أثر لاستخدام أسلحة كيميائية و لاحقا ظهر بعض المدلّسين يشربون من النيل في اشارة الى نظافة مياهه و خلوها من التلوث الكيميائي كما انبرى بعض مناصري الحرب الذين يعتقدون أنهم من المستظرفين الجدد من مدعي السخرية و تهكموا من بعض من ذكروا شواهد مثل نفوق الفئران و موت البهائم كحجة قد تشير إلى استخدام الأسلحة الكيمائية و كان بإمكان مناصري القوات المسلحة مطالبتها بنشر تحقيق اللجنة بدلا من الاستظراف و التهكم في قضية بهذه الأهمية.ابان زيارة وفد من صمود لمقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية OPCW في لاهاي في يناير من هذا العام و لقاءنا مع المدير التنفيذي للمنظمة، سفير ألمانيا لدى لاهاي، و بالمناسبة السودان الآن عضوا بالمكتب التنفيذي للمنظمة من بين 42 دولة من بينها الولايات المتحدة، علمنا أن وفد السودان عبر سفارة السودان في لاهاي، قدم تقريرا نفى فيه وجود أو استخدام الأسلحة الكيمائية، و بالرغم من مطالبة بعض الدول الافريقية في المكتب التنفيذي للمنظمة بتشكيل لجنة تحقيق دولية إلا أن رفض السودان التعاون مع مثل هذا المقترح لم يجعل منه خيارا سهلا خصوصا أن تجارب مثل هذه التحقيقات في العراق و سوريا كانت معقدة للغاية وتتطلب تعاون من قبل الدولة محل الاتهام. و لاحقا علمنا أن سلطة الأمر الواقع تواصلت مع الإدارة الأمريكية و اوضحت أنها مستعدة للتعاون في هذا الملف و بعد جلسة الإحاطة في مجلس الأمن الأخيرة نشهد الآن تصعيدا من قبل الإدارة الأمريكية في هذا الملف اذا رفضت أمريكا امكانية ترشح السودان لرئاسة المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للدورة القادمة بل و طالبت الادارة الامريكية السودان بالاعتراف باستخدام الأسلحة الكيميائية وأنها تمتلك دليل مادي على ذلك وفق تحقيق قامت به الإدارة الأمريكية وقالت انها قد تكون على استعداد لمشاركة الأدلة مع لجنة تحقيق دولية من قبل المنظمة في آخر تصريح للخارجية بهذا الشأن.إلى هنا هذه هي الحقائق و الوقائع عارية كما هي، طيب اذا اخذنا في الحسبان أن الجيش السوداني الذي كان و مازال متهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم الإبادة الجماعية و قد كان معول الجيش و شريكه في هذه الجرائم هو مليشيات الجنجويد في 2004 إلى أن تطور الأمر وأصبحت قوات حرس الحدود و لاحقا صارت قوات الدعم السريع في 2017، و ان كانت المليشيات هي مشارك و منفذ هذه الجرائم إلا أن العقل الذي دبر وخطط و القي ببراميل المتفجرات من الانتنوف هو ذات الجيش وذات القادة العسكريين الحاليين من البرهان وبقية الرهط الذين أصبحوا محل غزل بعض المثقفين الساي من ذوي “العقول الرحل” على قول الجابري. وإذا كان الأمر سيصبح كلمة البرهان و جيشه مقابل كلمة اداراتين أمريكيتين متعاقبتين فمن حيث البنية و الدوافع و طرق اتخاذ القرار في منظومتين لا يمكن مقارنتهما بأي حال، فلا شك في أن قيادة القوات المسلحة تكذب وإن أرادت أن تثبت أن الادارة الامريكية اتهمت قيادة الجيش بالباطل و دون دلائل مادية فأمام القوات المسلحة فرصة ذهبية للقبول بوصول بعثة تقصي حقائق محايدة تتمتع بكل المؤهلات الفنية حتى تثبت للعالم أنها ضحية استهداف الحكومة الأمريكية، أوليس هذا مكسب سياسي كبير؟خلاصة القول، أمريكا ليست فقط الامبراطورية ذات الوزن السياسي الأكبر في عالم اليوم بل هي دولة مؤسسات بحق وحقيقة مهما يحاول البعض تبسيط الأمور بيقين الجاهل واستسهال الأحمق فلهم أن يتساءلوا من الذي كشف أنه لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق وأن أجهزة الاستخبارات تعرضت لضغوط سياسية لتبرير الحرب على العراق في أعقاب غضب الشارع الأمريكي بسبب هجمات 11 سبتمبر؟ لم يقم بكشف هذه الحقائق صحفي استقصائي من وراء البحار أو تقرير روسي أو صيني بل هو النظام الديمقراطي نفسه، وقد اضطر وزير دفاع الرئيس بوش دونالد رامسفيلد و وزير خارجيته كولن باول من الاعتذار لاحقا عن ذلك، أما في حادثة مصنع الشفاء فلم يتوقف الأمر في أن المعلومة حول المصنع قد تكون خاطئة وحسب بل ان الادارة الاميركية سمحت لمالك مصنع الشفاء السيد صلاح ادريس من رفع دعوى قضائية في امريكا والمطالبة بتعويض وكان الراحل د. منصور خالد يعاون صاحب المصنع في هذا الأمر. و إذا كان ادعاء أمريكا باستخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية غير صحيح و من ورائه دوافع سياسية فسوف لن يطيل أمد هذا الأمر و ستكشفه طريقة عمل النظام نفسه بما فيه من checks and balance كما أن الحق في المعرفة متاح وفق قوانين واجراءات، فمن حق أي جهة أن تتقدم بطلب معرفة الحقائق تحت قانون Freedom of Information Act إذا كانت المعلومات غير محّصنة بإجراءات السرية. الجيش الأمريكي نشر تحقيق واعترف فيه بأن الصاروخ الذي أصاب مدرسة بنات في أول يوم للحرب على ايران خطأ فني و لا أستبعد أن يأتي يوم يتم فيه تعويض أسر الضحايا و محاسبة المتسببين في الخطأ، و لكن قول لي يا هداك الله متى ستنشر القوات المسلحة السودانية نتائج التحقيق في الجرائم الكبرى التي ارتكبتها و متى ستقول للناس أنها ارتكبت فظائع في حق شعب جنوب السودان و جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور؟ و هل هناك أي سبب موضوعي لأن نتوقع أي قدر من الشفافية في اقوال وأفعال قادة القوات المسلحة في شأن الأسلحة الكيميائية أو أي شأن آخر بما في ذلك إلى متى تستمر حرب كرامتهم هذي؟ و ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه السودانيين من أجل رتق كبرياء عرين الرجال ومصنع الابطال المجروح؟ و هل الحرب هي السبيل الوحيد لتحقيق أهدافهم السياسية أن كان لهم أهداف؟ملف استخدام الأسلحة الكيميائية قد يكون ورقة ضغط سياسي و لكنه أمر خطير و مهم، و لمصلحة السودانيين أولا معرفة الحقائق كاملة، فامريكا لها بدائل ادوات سياساتية للضغط و ليست في حاجة لهذا الملف وحده. و طبعا من المؤكد سيأتي من لا يقرأ ويقول لك انكم فقط تهاجمون الجيش وماذا عن دقلو في ثنائية الاستقطاب و موت العقلانية التي أصابتنا كلعنة الحرب على طريقة فلنترك سياسة بسمارك الخارجية جانبا و لنتحدث عن سياسته الداخلية كما يحكي عن الطالب الذي قرر الاجابة علي سؤال غير الذي ورد في امتحان التاريخ.————-1205 يوم منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023 أ ما يعادل 28,920 ساعة من الجحيم المتواصل.The post موت العقلانية في سجال المواقف من الحرب و السذاجة السياسية الماحقة في مسألة استخدام الأسلحة الكيمائية appeared first on صحيفة مداميك.