التفاوض على محك الشمولية: كيف يهدد اعتذار القوى الفاعلة مستقبل السلام في السودان؟

Wait 5 sec.

مداميك: إدريس عبداللهتُواجه العملية السياسية السودانية المحتضنة إقليمياً ودولياً عقبة كؤوداً تهدد بشرعية مخرجاتها وجدواها على الأرض، عقب موجة الاعتذارات المتتالية التي أعلنتها كتل مدنية، وتحالفات سياسية، وحركات مسلحة ذات ثقل ميداني وجماهيري عن عدم مشاركتها في اللقاءات الاستكشافية والتحضيرية التي دعت إليها الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، إيغاد، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي) في أديس أبابا.تكتسب مشاركة هذه القوى أهمية محورية لا غنى عنها؛ إذ إن أي عملية تفاوضية تسعى لإنهاء الحرب وتأسيس عقد اجتماعي جديد تستند في أساسها إلى الشمولية والشرعية؛ وبدون إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض -من قوى مدنية، وحركات مسلحة، وأجسام شبابية ونسوية- تحكم العملية السياسية على نفسها بالهشاشة، وتتحول التسوية المرتقبة من حل وطني شامل إلى مجرد اتفاقات جزئية تكرس الانقسام وتطيل أمد الصراع.الموقف السياسي.. اعتذارات مسببة ورفض لـ “النهج الشكلي”تجلت أولى صور هذا الغياب في أروقة التحالفات السياسية المدنية؛ حيث أعلنت “قوى إعلان المبادئ السوداني” اعتذارها عن المشاركة في اللقاء الاستكشافي الذي دعت له الآلية الخماسية والمقرر عقده في 31 يوليو 2026 للتحضير للعملية السياسية. وأرجعت القوى قرارها إلى خلل إجرائي في توجيه الدعوة باسم “منصة إعلان نيروبي” كتحالف قائم بذاته بدلاً من كونه إطاراً تنسيقياً، إلى جانب تجاهل الآلية طلباتها المتكررة بعقد اجتماع لتقييم تجاوزات واختلالات شابت التجربة السابقة في يونيو 2026.وأكد البيان أن قرار الاعتذار ليس انسحاباً أو رفضاً للحوار، بل موقف لتصحيح المسار. واشترطت القوى لنجاح أي عملية سياسية ضمان الملكية والإرادة السودانية الكاملة، وتحديد الأطراف والأجندة عبر تشاور وطني شامل يستثني المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، داعية الآلية الخماسية إلى مراجعة منهجيتها لعقد اجتماع مباشر يعالج القضايا الجوهرية ويمهد لسلام عادل واستعادة الحكم المدني.وفي السياق ذاته، أعلن تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) التابع لقوات الدعم السريع اعتذاره عن عدم المشاركة في اجتماعات المرحلة الاستكشافية الثانية التي دعت لها الآلية الخماسية في أديس أبابا لتشكيل لجنة تحضيرية للعملية السياسية. وأوضح البيان، الصادر عن الناطق الرسمي أحمد تُقد لسان، أن اعتذار التحالف عن اجتماع الأول من أغسطس 2026 يأتي نتيجة ملاحظات على طريقة إدارة الآلية الخماسية وكيفية تحديد مشاركة الأطراف، وما صاحب ذلك من خلل يستدعي مراجعة شاملة للعملية وفق مرجعيات موضوعية.وفي حين ثمن التحالف الجهود الإقليمية والدولية لإغلاق باب الصراع المسلح وتحقيق السلام والاستقرار، أكد رغبته في عقد اجتماع عاجل مع الخماسية لمناقشة مطلوبات المرحلة الاستكشافية. كما شدد على أهمية التوصل إلى فهم مشترك يضمن نجاح العملية السياسية والانتقال بالبلاد نحو التحول المدني الديمقراطي.الخلل المنهجي وتغييب القواعد الشبابية والنسويةوفي قراءة لتداعيات هذه المواقف، يرى الناشط السياسي والفاعل المدني موسى إدريس عامر، في حديثه لـ “مداميك”، أن اعتذار قوى سياسية مهمة مثل صمود وحزب البعث وحركة تحرير السودان يلقي بظلاله المباشرة على مستوى مخرجات الاجتماع، مشيراً إلى أن هذه المجموعات تسعى للتوحد تحت كتلة سياسية واحدة عبر “إعلان المبادئ” لتعبر عن الكتلة المدنية الرافضة للحرب.ويوضح موسى أن سبب الرفض يعود إلى الطريقة المنهجية المتبعة من قبل الخماسية في الإعداد للعملية السياسية. أما في ما يتعلق بغياب كتلة “تأسيس”، فيرى أن لها مبررات أخرى ترتبط بضرورة الفصل بين المسارات؛ حيث يشدد على أهمية انتباه الخماسية للتعقيد المتعلق باختلاف المسار السياسي عن المسار الأمني/العسكري الجاري عبر الرباعية أو حوارات واشنطن بين الجيش والدعم السريع، مؤكداً أنه رغم انفصالهما تقنياً، إلا أنه يجب دمجهما في رؤية شاملة تغطي مبادئ بناء الدولة والعدالة الانتقالية والإصلاحات الشاملة.ولم يقتصر الخلل على الكتل السياسية الكبيرة، بل امتد ليتجاوز الأصوات الشبابية والنسوية المؤثرة؛ إذ يلفت موسى إلى غياب ممثلي “الشبكة الشبابية” و”شبكة المراقبة المدنية” الذين شاركوا سابقاً. ويكشف عن مساعٍ جارية لتكوين كتلة سياسية شبابية مستقلة تعبر عن أجندة بناء الوطن، مؤكداً أن الشباب والنساء كانوا قاطرة الثورة والانتقال ومناهضة الحرب وتقديم المساعدات الإنسانية، ولهم ما يقدمونه في العملية السياسية وإدارة الفترة الانتقالية بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي.ضربة لشرعية التفاوض ومخاطر “السلام الجزئي”من جانبها، تذهب الناشطة السياسية مها محمد عثمان، في حديثها لـ “مداميك”، إلى أن غياب مكونات بارزة كـ “صمود”، و”البعث”، و”حركة تحرير السودان (عبد الواحد نور)”، إلى جانب “تأسيس”، يُشكل ضربة جوهرية لمسار العملية السياسية الحالية، إذ يجرد طاولة التفاوض من الشمولية والشرعية الشعبية اللازمتين لبناء أي تسوية متماسكة.وتضيف مها أن أثر الاعتذار يمس جوهر السلام المرتقب؛ فالبعث وصمود يمثلان ثقلاً مدنياً ونقابياً حياً في الشارع السوداني، بينما تمتلك حركة عبد الواحد نور حضوراً عسكرياً وميدانياً ووزناً جغرافياً لا يمكن تجاوزه في دارفور. وبالتالي، فإن اختزال الحوار في الأطراف الحاضرة فقط يعيد إنتاج أزمة التوافق الوطني، ويفقد أي تسوية قاعدتها الجماهيرية والميدانية الصلبة.وتحذر مها من أن هذا الانقسام يعيق الوصول إلى سلام حقيقي، محولاً نتائج التفاوض من حل شامل للأزمة إلى “سلام جزئي” أو اتفاق ثنائي بين مراكز القوى المسلحة والسياسية المقربة منها. وبدون مشاركة هذه القوى الفاعلة، يظل العقد الاجتماعي مفقوداً، وتصبح مخرجات العملية السياسية عُرضة للهشاشة والانهيار عند أول محك جماهيري أو ميداني، مما يطيل أمد الصراع ويعطل فرص التحول الديمقراطي.التقييم الأكاديمي.. اتفاقات محدودة وقاصرة عن تحقيق السلاموفي الرؤية الأكاديمية والتأصيل السياسي، يعتقد أ.د. مصعب محمد علي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين، في حديثه لـ “مداميك”، أن الأثر الناتج عن غياب مثل هذه القوى السياسية يُقرأ في سياق أنه كلما غابت قوى فاعلة عن التفاوض، كلما نتج عن ذلك اتفاق أقل تمثيلاً.ويضيف مصعب أن غياب الأطراف التي تمتلك قوات عسكرية يؤثر بشكل مباشر على المشهد السياسي، باعتبار أنها قد لا تلتزم بمخرجات التفاوض، مما يؤدي إلى ضعف فرص الوصول إلى اتفاق سلام دائم. وحتى في حال التوقيع على اتفاق، فإن المخرجات المتعلقة بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية أو الانتقال السياسي لن تصمد في ظل وجود أطراف خارج التفاوض.ورغم ذلك، يرى مصعب أن غياب هذه القوى لا يعني استحالة التفاوض بالكامل، بل يمكن أن يدور التفاوض حول أجزاء معينة مع العمل على إقناع الرافضين وإلحاقهم لاحقاً، خاصة إذا كان رفضهم متعلقاً بقضايا إجرائية أو موضوعات تفاوضية محددة. إلا أنه يختم مشدداً على أن أي تسوية سياسية لا تشمل الأطراف السياسية والحركات العسكرية الفاعلة ستظل عبارة عن إتفاق سياسي محدود، ولا يمكن أن ترتقي لتكون تسوية وطنية شاملة تعالج جذور الحرب وتحقق السلام الدائم في السودان.The post التفاوض على محك الشمولية: كيف يهدد اعتذار القوى الفاعلة مستقبل السلام في السودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.