بقلم: مجدي عبد القيوم (كنب)مقدمة:———على ما بالمشهد السوداني من قتامة، وما يحفل به من تناقضات، وما يلازمه من انسداد في الأفق في ظل أوضاع مأساوية يعيشها الشعب السوداني؛ إلا أن القراءة المتأنية لكل جزئيات المشهد تشي بأن التسوية التي يتبناها المجتمع الدولي تخطو حثيثاً لتصبح واقعاً يمشي بين الناس، مع التأكيد على أن هذا الطريق ليس مفروشاً بالورود، بل مليء بالأشواك التي قطعاً سيتعاطى معها المجتمع الدولي مستلهماً الحكمة في المثل السوداني الدارفوري: “أي شوكة بسلو بدربو”.كيف وما هي المؤشرات؟ فهذا ما نحاول استجلاءه من خلال هذا المقال الذي صدرناه بعنوان عطفا على مقال للأستاذ عادل الباز بعنوان “دا ملاح شنو؟”.مع أن الأستاذ عنى تحديداً تناقض المواقف داخل الكتلة الديمقراطية، إلا أننا نعمم استعارته، ومعلوم أن جوهر فكرة “أم تكشو” إسعافية تبتغي سد الرمق إلى حين ميسرة تمكن من صناعة “حلة كاربة”، فهو كنديده ملاح “البصارة”، ولعل انتشار الأول في مناطق دارفور وكردفان بأكثر مما هو في وسط البلاد التي ينتشر فيها الثاني، مع تطابق الفكرة بينهما، يدلل على عمق الروابط بين السودانيين كافة حتى في ملامح الهوية الثقافية في السلوك الغذائي، التي يشكل الوجدان الشعبي الحامل الأساسي لها ومخزنها الآمن الذي يعصمها من تأثير الخيالات المريضة، سواء خرجت زبداً من البحر والنهر يذهب جفاءً، أو أضغاث أحلام نومة قيلولة بدولة العطاوة التي سيشيد مجدها أصحاب العقل الرعوي في مفارقة لتاريخ القبائل الرعوية على امتداد العالم الذي يتسم بتكسير الحضارات الإنسانية وتخريبها، وليس محض صدفة تخريب المتحف القومي، ولا من باب سرقة وامتلاك القطع الأثرية التي يغرم بها الأثرياء فقط، سواء كانوا من أثرياء البترودولار أم أباطرة الحرب من تجار السلاح وبيع الأعضاء البشرية.هذه بلاد شهدت مصرع فكرة المركز والهامش في معركة مستريحة الأولى والثانية، ومن قبل حين كني الدنقلاوي الطروب ببلوم الغرب، والسودانيين كافة يمشون معه وجدي الريل في الغيمة عندما يتساءل:شقيش قول ليمروحقبال صباحنايبوحأو حين يستعطف ضابط السجن، ومنذ أن تجذر أولاً بارا النجباء في المركز وتسنموا مراقي علم الفلك والفلسفة، فكانوا نجوماً يتشابى لها كل السودانيين مثلما تشابى سابلة شارع المبدع بشري الفاضل ليتملوا من محبوبيته عندما خرج منها ممتلئاً بها.تلك بلاد تغني مع ود حد الزين:بلادي أناوتضرب نوبتها في زريبة البرعي على إيقاع أشعاره الخالدة وحكمته البليغة:بوريك طبكتماماً مثلما تهتز من أقصاها إلى أقصاها مع “عافني منك وراضي عنك.. سو رضايا”، مثلما تغني “غزال القوز”:فوق الرهيد ارتعأشكيك لرب الكونفي العيون أبدعومن من السودانيين لا يهتز طرباً مع:يمه الفقير بلباصكمل قريشاتيبخرني بالبخراتمحايتا شربنيهذه هي بلادنا وذلك وجدان شعبها وقطعاً لن تكون غير هذا.نتناول ملامح هذه المرحلة وأهم ما تميزت به، ابتداءً من تقدم الجيش على المسرح العملياتي، والانشقاقات التي ضربت المليشيا، وشروعها في تشكيل هيئات تمثل جهاز الدولة، وتأثيرات القانون الأمريكي على المشهد والفاعلين فيه بما في ذلك دولة الإمارات، والتدهور المتسارع للعملة السودانية، وحتى الكتابة الممنهجة حول موقف الحزب الشيوعي السوداني، وارتفاع الصوت الذي يعبر عن الموقف من الإسلاميين سلباً وإيجاباً ودلالاته.نتناول هذه الجزئيات في مقال من ثلاث حلقات بحثاً عن الروابط بينها وما تشكله في خاتمة المطاف.————-نتناول في هذا الجزء محطة أديس نفسها وما أحاط بها كحلقة أو جزء من سيناريو التسوية، وفي التقدير أن انعقادها مطلوب من حيث الشكل علاوة على مخرجاتها، مع التأكيد على العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون.ومن المهم الإشارة إلى أن الحديث عن التسوية بالوصفة التي تطبخ في معامل المجتمع الدولي لا يعني بالضرورة اتفاقنا معها، فموقفنا مما يسمى بالمجتمع الدولي لا ينفك عن رؤيتنا لهذه الحرب باعتبار أنها سيناريو دولي وتطبيقاً عملياً لفكرة حروب الجيل الرابع التي تبتغي إخضاع الدول، ولا يعني هذا إغفال العنصر الداخلي؛ فمن المعلوم أن السيناريوهات الدولية تبنى على تناقض المكونات المحلية وإثارة النزاعات المجتمعية.وغني عن القول أننا مع التسوية التأسيسية التي تعيد الدولة إلى منصة التأسيس لمعالجة القضايا المركزية التي تشكل جذر الأزمة الوطنية.في هذا المقال نقرأ أديس من حيث الشكل والمضمون أو المخرجات.الملاحظة الجديرة بالالتفاتة أن منبر أديس حشدت له ورتبته هيئات اعتبارية إقليمية ودولية تمتلك أنياباً ومخالب ذات شرعية، وإن تفاوتت قوة تأثير تلك الأنياب، على عكس المنابر السابقة كالرباعية مثلاً التي لا تقف على منصة تمنحها شرعية، بل ربما لا يمكن القول إنها مبادرة أصدقاء للسودان بالنظر إلى وجود الإمارات بينها، وهو ما يجعلها مقدوحاً في حيادها، كما أنها تضم دولاً تتقاطع مصالحها ليس في الشأن السوداني فحسب بل في فضاءات أخرى، وبالتالي تبدو الرباعية مكبلة بقيود الافتقار للأهلية من جانب، وتقاطع مصالح أعضائها من الجانب الآخر.إذن يمكن القول إن أديس أبابا محطة مختلفة شكلاً ومضموناً، صرف النظر عن زاوية النظر إليها من مختلف الأطراف.من حيث المضمون يطرح السؤال نفسه: هل فعلاً منبر أديس بلا مخرجات؟في التقدير أن منبر أديس هز الساحة السياسية وحرك ساكن البركة وألقى بها حجراً، مع أنه قذف بحجارة ربما تجاوزت ما قذف في رمي الجمرات.صحيح ليس هناك وثيقة أو حتى إعلان مبادئ صدر عن المنبر إن كان هو المقصود بالمخرجات، لكننا نعتقد أن مجرد انعقاد المنبر بهكذا شكل وما لازمه في مرحلتي التحضير وما نجم عنه هو المعني في الأساس، فهو لم يناقش قضايا لأن ما كتب عنها من وثائق يفيض وربما كان أكثر حمولة على فترة انتقال.في تقديري ليس دقيقاً أن أديس بلا مخرجات، بل لعل أهم مخرجاتها أنها “قدت عين الشيطان” رغماً عن التباينات في المواقف، ليس بين الفرقاء فحسب، بل حتى بين الكتل والتحالفات التي شاركت في المنبر.في التقدير هذا الهواء الساخن والتناقض كان مقصوداً في حد ذاته من الذين صمموا المنبر، فهو إلى جانب أنه ألغى الخطوط الحمراء والميس الذي كان يشكل الحد الفاصل بين المكونات المختلفة التي كانت تتموضع في تحالفاتها على ما بها من هشاشة قبل أن تنخرط في حوار أديس.الخلافات التي ضربت الكتل والتحالفات بلا استثناء هي المدخل لعملية فرز جديدة تطال كل الهيئات الفاعلة في المشهد، وهذا الفرز نفسه هو جزء من سيناريو تهيئة الملعب وتسويته قبل أن يقدم كبير الحواة الورقة التي ينبغي أن تشكل أساساً للتسوية التي يعمل على إنضاجها على نار هادئة.The post طبخة أديس.. تصبيرة ملاح “أم تكشو” قبل المائدة الأساسية (1-3) appeared first on صحيفة مداميك.