مهدي داود الخليفةبينما تتواصل الحرب في السودان للعام الرابع على التوالي، وتزداد معاناة المواطنين مع تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع أسعار السلع وانهيار العملة الوطنية، ظهر وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم وهو يتفقد أسطولاً من السيارات الكهربائية الجديدة التي تم استيرادها لتخصيصها للوزراء وكبار موظفي الخدمة المدنية.قد يبدو الأمر عادياً في دولة مستقرة تنعم بالسلام وتتمتع بفائض مالي يسمح بتحديث أسطولها الحكومي، لكنه يثير تساؤلات مشروعة عندما يحدث في دولة تخوض حرباً مدمرة، وتعاني من نقص حاد في العملات الأجنبية، وتكافح لتوفير الدواء والوقود والخدمات الأساسية لمواطنيها.في أوقات الحرب لا تُقاس الحكومات بما تملكه من سيارات حديثة، وإنما بما تستطيع توفيره من خبز ودواء وأمن وخدمات لمواطنيها. فالحرب بطبيعتها تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتجعل كل دولار من النقد الأجنبي مورداً استراتيجياً يجب توجيهه بعناية نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل السيارات الكهربائية وسيلة نقل جيدة أم لا؟ بل: هل هذا هو الوقت المناسب لإنفاق مئات الآلاف من الدولارات على سيارات مخصصة للمسؤولين؟السودان اليوم يواجه أزمة اقتصادية غير مسبوقة. المستشفيات تشكو من نقص الأدوية والمحاليل الطبية. المرضى يعجزون عن الحصول على العلاج. المدارس والجامعات تضررت أو توقفت في مناطق واسعة. ملايين المواطنين نزحوا من ديارهم ويعتمدون على المساعدات الإنسانية. كما أن الدولة نفسها تواجه تحديات في توفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد السلع الاستراتيجية.في مثل هذه الظروف، تصبح الأولوية المنطقية هي دعم القطاع الصحي، وتأمين الإمدادات الدوائية، وتوفير احتياجات النازحين، وتحسين الخدمات الأساسية، أو حتى دعم المجهود الحربي الذي تبرر به الحكومة كثيراً من إجراءاتها الاقتصادية الاستثنائية.لقد اعتادت الحكومات في زمن الأزمات على إرسال رسائل رمزية للمجتمع تعكس روح التقشف والتضامن مع المواطنين. ففي كثير من دول العالم التي واجهت حروباً أو أزمات اقتصادية، تم تخفيض مخصصات المسؤولين، وتقليص الإنفاق الحكومي غير الضروري، وتأجيل شراء السيارات والمباني الحكومية الجديدة حتى تتحسن الأوضاع.أما أن يتم استيراد سيارات جديدة للمسؤولين في وقت يطلب فيه من المواطن تحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية، فإن ذلك يبعث برسالة معاكسة تماماً. وهي رسالة مفادها أن هناك طبقة رسمية تعيش بمعايير مختلفة عن تلك التي يعيشها عامة الناس.ثم إن الحديث عن السيارات الكهربائية باعتبارها خياراً اقتصادياً يثير تساؤلات إضافية. فهل أُجريت دراسة متكاملة حول البنية التحتية اللازمة لتشغيلها وصيانتها؟ وهل تتوافر محطات الشحن والخدمات الفنية وقطع الغيار في ظل الظروف الراهنة؟ أم أن الأمر مجرد محاولة لتجميل قرار مكلف تحت عنوان التحديث والتطوير؟المشكلة ليست في السيارة نفسها، بل في فلسفة إدارة المال العام. فالمال العام ليس ملكاً للحكومة ولا للوزراء، وإنما هو ملك للشعب السوداني. ومن حق المواطنين أن يعرفوا تكلفة هذه الصفقة، ومصدر تمويلها، والأسس التي استند إليها اتخاذ القرار، والعائد المتوقع منها مقارنة بأولويات أخرى أكثر إلحاحاً.إن الحكومات تُختبر في أوقات الأزمات، لا في أوقات الرخاء. وفي زمن الحرب يصبح معيار النجاح هو القدرة على توجيه الموارد النادرة نحو ما يخدم المواطن والدولة معاً.لذلك فإن استيراد سيارات جديدة للمسؤولين في ظل هذه الظروف لا يبدو مجرد قرار إداري عادي، بل يعكس خللاً في ترتيب الأولويات، ويطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية إدارة الموارد العامة في بلد يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث.ويبقى السؤال قائماً: إذا كانت الدولة تعاني من شح العملات الأجنبية إلى الحد الذي يبرر رفع الضرائب والرسوم على المواطنين، فكيف أصبح توفير العملات الصعبة لشراء سيارات المسؤولين أكثر إلحاحاً من توفيرها لاستيراد الدواء والمستلزمات الطبية والسلع الاستراتيجية؟ذلك سؤال لا تزال وزارة المالية مدينة للرأي العام السوداني بإجابة واضحة عليه.The post سيارات المسؤولين أم دواء المواطنين؟ appeared first on صحيفة مداميك.