يوسف الغوثفي خضمّ الحرب التي تمزق السودان، لا تقتل الرصاصة وحدها، بل تسبقها كلمة، وترافقها شعارات، ويغديها قاموس جديد من الكراهية، فقد تحوّلت اللغة، تلك الأداة الأكثر إنسانية في التواصل، إلى آلية منظمة لتجريد الآخر من روحه، وانتهاكه ومن ثم قتله،، في مشهد يذكرنا بأسوأ ما أنتجته خطابات الإبادة في تاريخ البشرية. …لم يعد الخطر في( جغم بس وفتك ومتك ) بل في ما تمثله من تحول وجودي في علاقة السودانيين ببعضهم البعض. ففي العامية السودانية كانت الجغمة تعني جرعة الماء التي تروي الظمأ، ثم أصبحت اليوم تعني الإبادة، وأصبح الفتك و الذي كان يشير إلى المبالغة في الحسم المادي، شعاراً للتفاخر بالعنف والتلذذ بتدمير الخصم. وهذا التحول لا يعكس فقط ضراوة المعارك، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية إعادة تعريف الذات والآخر في زمن الحرب، حيث يصبح الموت هو الإطار الوحيد للقراءة والتفسير ثم الفعل المميت…يتمثل الخطر الأعمق لهذه المصطلحات في انها لم تعد حبيسة منصات التواصل الاجتماعي، بل تسرّبت إلى الوعي الجمعي، وأعادت تشكيل علاقة السودانيين بمفهوم الآخر فحوّلت الخصم السياسي إلى عدو وجودي يجب إبادته، والمدني الأعزل إلى هدف واجب قتله لمجرد انتمائه السياسي أو القبلي… وهنا تتحول اللغة من وسيلة تعبير إلى أداة إبادة، ومن جسر للتواصل إلى خندق يفصل بين أبناء الوطن الواحد، وتبدأ المأساة الحقيقية حين تصبح هذه المصطلحات جزءاً من الثقافة اليومية، يتداولها الصغار قبل الكبار، وتترسخ في الذاكرة الجمعية كحقائق لا تقبل النقاش، مما يجعل عملية تفكيكها لاحقاً مهمة شبه مستحيلة.،،ففي ظل عجز خوارزميات المنصات الرقمية عن رصد اللهجات المحلية، وجدت خطابات الكراهية ملاذا آمنا، لتصبح الدارجة السودانية حاضنة تفلت من قبضة الرقابة، ومن ثم تتحول الفضاءات الرقمية إلى ساحات مفتوحة لإعادة إنتاج الانقسامات، وتغذية الصراعات، وإقصاء الأصوات الداعية إلى السلام، وكأن اللغة نفسها قد انحازت إلى الحرب…غير أن المواجهة الحقيقية لهذا المد التحريضي لا يمكن أن تقتصر على آليات الرقابة الرقمية وحدها، بل تتطلب تدخلاً أوسع وأعمق، وهنا يبرز دور قوي المجتمع المدني باعتباره الضلع الأكثر قدرة على رتق الشرخ العميق الذي أحدثته الحرب في النسيج الاجتماعي، إذ تمتلك مؤسسات المجتمع المدني مرونة وقرب من الأرض ما يفتقده الفاعلون الرسميون، لذلك تعتبر هي القادرة على الوصول إلى المجتمعات المتصدعة، والاستماع إلى همومها، وتفكيك خطابات الكراهية من جذورها عبر برامج توعوية تستهدف الوعي الجمعي. ويمكن لهذه المؤسسات أن تضطلع بدور محوري في إعادة تأهيل اللغة وتحريرها من شحناتها التدميرية، عبر إطلاق حملات مجتمعية تعيد تعريف المفردات المسيئة الي سياقاتها الإنسانية، وتقدم بدائل لغوية تعزز التعايش، كما يمكنها تنظيم ملتقيات قبلية ومجتمعية تعيد بناء الثقة بين المكونات المختلفة، وتخلق مساحات للحوار المباشر بعيداً عن ضجيج المنصات الرقمية، حيث يلتقي الناس وجهاً لوجه ليكتشفوا أن الآخر ليس وحشاً يلتهم، بل إنسان يشبههم في آلامه وآماله…ان مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني وقواه السياسية كبيرة وذلك لانه يقع على عاتقها مسؤولية توثيق خطابات الكراهية ورصدها، ليس فقط لمحاسبة مطلقيها، بل لتفكيك بنيتها اللغوية والكشف عن آليات اشتغالها، وهذا الجهد التوثيقي يمكن أن يشكل مادة خام لاستراتيجيات وطنية تندرح تحت مفاهيم التعافي النفسي والاجتماعي، ولم شمل المجتمع بعد انتهاء الحرب. ..فإذا كان (التيتيك) قد فرّق السودانيين، فإن استعادة اللغة من قبضة الكراهية قد تكون المهمة الأكثر إلحاحاً لإعادة جمعهم، وهنا يتجلى دور التعليم والثقافة والإعلام في إنتاج خطاب بديل قادر على مواجهة ثقافة العنف والتحريض وتقديم نماذج إيجابية للتعايش، لكن هذا الجهد يظل بحاجة إلى إرادة سياسية وجمعية تعترف بأن الحرب على اللغة لا تقل أهمية عن الحرب على الأرض، بل هي شرط أساسي لأي سلام حقيقي ودائم…ان الصراع الدائر في بلادنا ، لم يعد مجرد معركة على الأرض، بل اصبح حرب على الذاكرة والهوية واللغة، ومأساة تتجسد في تحول الكلمة إلى رصاصة قاتلة، فالإنسان في نظر المتحاربين عبارة عن مجرد( جغم أو متك.) لكن الأمل يظل قائماً في قدرة المجتمع المدني، بطاقاته الشبابية ومبادراته الأهلية، على أن يكون جسراً للعبور من لغة الحرب إلى لغة السلام، ومن ثقافة الإقصاء إلى ثقافة الاعتراف بالآخر. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً والأكثر إلهاماً في آن فالحرب بدأت بالسلاح، لكنها قد لا تنتهي إلا بإعادة الاعتبار للسان، وبجهود مجتمعية واعية تعيد بناء ما هدمته الرصاصات، وتفكك ما زرعته شعارات العنف والكراهية ، لتظل الكلمة، في النهاية، أقوى من الرصاصة حين تكون في خدمة الحياة لا الموت…وفي هذا اليوم الذي حددته الأمم المتحدة لمكافحة خطاب الكراهبة نؤكد ان الكلمات ليست مجرد أصوات، بل هي وعاء للهوية وحفظ الذاكرة. فحين تحاصر الكلمة وتُحرف، يُحاصر الوطن. وحين تُباد اللغة، تباد معها الهوية. لكن حين تعود الكلمة إلى حضنها الإنساني، يعود الوطن إلى أبنائه. فهل ننتظر حتى يصمت اللسان الأخير؟…كان الله في عون بلادنا وشعبناThe post بين الجغمة والفتك اين يختبئ السودان! appeared first on صحيفة مداميك.