عبد الجبار عبد اللهمنذ حادثة مجزرة المعدِّنيين الأهليين “الدَّهَّابة” التي حصدت أرواح ما يزيد على مائة مواطن سوداني -على الأقل حسب الإحصاءات المتوفرة إلى الآن- جراء الهجوم الوحشي البربري الذي شنته قوات الطيران المصري، معززة بتوغل عسكري مصري داخل الأراضي السودانية في مناجم التعدين الأهلي في شرق السودان يومي السابع عشر والثامن عشر من شهر يونيو الجاري، عكفتُ على متابعة أخبار الضحايا وبعض الناجين الذين ما زال شبح الموت جوعاً وعطشاً يحلّق فوق رؤوسهم، دون مغيث أو حسيب أو رقيب على ما حاق بهم من غدر وهوان وقتل ومذلة، بالتزامن مع متابعتي للتقارير الصحفية وبيانات الإدانة والشجب الصادرة عن أفراد وجماعات ومنظمات سياسية شتى، اتفقت جميعها تقريبا على إدانة العدوان المصري الغاشم، والمطالبة بالتحقيق في الحادثة وتعويض المتضررين، فضلا عن تحميل حكومة الأمر الواقع في بورتسودان وِزر المسؤولية عنها باعتبارها المسؤولة افتراضا عن حماية المواطنين والدفاع عن حقوقهم، إلى جانب مسؤوليتها عن صون السيادة الوطنية وإلزام الطرف المصري بالكف عن انتهاك السيادة الوطنية واحترام القانون الدولي المنظِّم للعلاقات بين الدول على أساس النديّة وحسن الجوار والمصالح المشتركة فيما بينها. على الصعيد نفسه، اتفقت جميع التقارير الصحفية والبيانات الصادرة حتى الآن على استهجان صمت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان عمّا حدث، واصفة إياه بالمخزي والمريب والمشين.كل ذلك صحيح وواجب على القوى الوطنية الديمقراطية السودانية الحادبة على مصلحة الوطن وحقوق مواطنيه وصيانة سيادته الوطنية الشعبية على موارده الاقتصادية بجميع أنواعها، بما فيها الموارد المعدنية. يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تعتدي فيها القوات المصرية على الدهّابة السودانيين داخل حدود بلدهم في صمت مطبق من حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. غير أن الملفت للنظر في تلك التقارير والمقالات والبيانات أنها ما تزال تنظر إلى هذه الحادثة وغيرها، وكأنها حادثة معزولة ومجتزأة عن سياقها التاريخي السياسي الذي رسّخه نظام الإنقاذ وعمَّق جذوره منذ انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ في تربة الاقتصاد السوداني وفي مختلف جوانب حياتنا السودانية المعاصرة بوجه عام.منظورٌ إليها في سياقها التاريخي السياسي، هناك ما يحفزني بشدة إلى وصف الواقع السوداني المعاصر بأنه “أسطورة القرن العشرين” بحق. وهذا ما سأقيم عليه الحُجّة وأبينه في سلسلة مقالاتي هذه. فلكي يستقيم نقدنا للفكر اليومي لما نحن فيه، ولكي ينعدل حال مناهضتنا لما وقع علينا وعلى بلادنا من ظلم وحيف واستبداد وقهر، علينا أولاً وقبل كل شيء، أن نطوّر ونمتلك من أدوات النقد والتحليل ما يعيننا على التصدي لهذا المشروع الاستبدادي العدواني الذي يستهدفنا شعباً ووطناً. ولن ينصلح لفكرنا السياسي اليومي حال، ما لم نرتقِ بمستوى قاموسنا ومصطلحنا السياسي، في النظر إلى تسارع دينامية ووتيرة الصراع السياسي اليومي. إن مصطلحات مثل “ممارسات الفساد” و”انعدام الشفافية” و”إبرام الصفقات والمعاملات التجارية الاستثمارية السرية” وغيرها مما هو مستخدم حتى الآن في أدبيات نقدنا الاقتصادي السياسي للنظام، تساهم هي نفسها في تغبيش الوعي وتتويه الناس عن الحقيقة، التي هي في نظري، أعمق مما يصفه مصطلحنا السياسي الاقتصادي السائد حتى الآن. ولذلك فإنه -في نظري المتواضع- مصطلح بالٍ تخطاه الزمن والواقع الراهن بكثير. يكفي أن نقول إن الحرب الدائرة الآن في السودان منذ اندلاعها في ١٥ أبريل قد أفرزت واقعاً عسكرياً اقتصادياً سياسيا جديداً تَتَقزَّم أمامه مصطلحات من شاكلة الفساد وعدم الشفافية، بلوغاً إلى مصطلح “الرأسمالية الطفيلية” نفسه، الذي لا أزال أعتبره من أعظم المساهمات النظرية الفكرية للاقتصاديين الماركسيين السودانيين في دراسته للمراحل الباكرة والوسيطة من عملية تراكم رأس المال الطفيلي.سأعود إلى هذا لاحقاً في سلسلة المقالات هذه.عِوضاً عن مصطلح الفكر السياسي اليومي المجتزأ المعطوب، سأحاول في كتابتي هذه، دراسة نمط أو أنماط الحكم التي دقَّ أوتادها تنظيم الأخوان المسلمين الغاشم، على افتراض أن هناك نسقاً ونظاماً واحداً تتحرك في داخله وتصدر عنه هذه الأحداث التي تبدو في ظاهرها معزولة عن بعضها البعض، على الرغم من أنها شديدة الإحكام والترابط فيما بينها في واقع الأمر والممارسة. سأنظر في كيف أنَّ منظومة هذه الأحداث والظواهر مجتمعةً قد أصبحت في كُليتها in its totality عقبةً كأداء أمام أي تحول سلمي ديمقراطي مدني للسلطة في بلادنا، بل كيف أصبحت كابحاً حتى أمام وقف الحرب وتحقيق السلام المفضي إلى الحرية والديمقراطية والعدالة في بلادنا.سأبدأ هذا بنقد الفكر اليومي السائد لمجزرة معدِّني الذهب “الدهابة” في شرق السودان.فحتى الآن، لم يتجاوز هذا النقد سوى الإدانة الواجبة المشروعة لما حدث، مشفوعة بمعلومات أولية عن حقوق امتياز احتكارية ممنوحة لشركة Deep Metals المصرية بشراكة عدد من السودانيين، أبرزهم المدعو مبارك أردول، المدير السابق لشركة المعادن الوطنية السودانية.عندئذ يجب أن يرتقي المصطلح النقدي إلى مستًوى الحدث، مستوى النظر في منظومة جريمة الخيانة العظمى التي يُعاقب عليها بأقصى العقوبات وأشدها ردعاً في دولة المؤسسات والقانون والسيادة الوطنية، حين يصبح مدير شركة وطنية للمعادن ذات يوم، سمساراً وشريكاً وعميلاً لامتيازات احتكارية أجنبية تنهش في اقتصاد بلاده وترضع من ثديها على حساب مواطنيها. بهذه المناسبة، هلكان تحوُّل طه عثمان الحسين من مدير عام لمكتب الرئيس المخلوع إلى جاسوس وعميل إماراتي سعودي مزدوج صدفة وحادثا ًً معزولاً هو الآخر؟ وماذا عن إنشاء أكبر مسلخ للماشية السودانية في مصر؟ ماذا عن هذا التكالب والانقضاض الإقليميين والدوليين غير المسبوقين على موارد السودان وثرواته وأراضيه؟ لماذا في هذا الوقت، في ظل هذا النظام بالذات، في امتداداته منذ يونيو ١٩٨٩ وحتى حكومة ظِلِّه الراهنة بقيادة البرهان وجنرالات لجنته الأمنية القابضة؟بطرح مثل هذه الأسئلة وغيرها يرتقي المصطلح السياسي إلى تناول ظاهرة الكمبرادور Comprador التي انحدر إلى مستنقعها باكراً الرئيس المخلوع عمر البشير نفسه، متبوعاً بالبرهان وحميدتي وكبار جنرالات لجنته الأمنية الذين تحولوا إلى “لوردات” حرب war lords الآن بالمعنى الحرفي للعبارة. إنَّ ما يفسر استمرار تدفقات ذهب السودان المهرّب إلى مصر والإمارات وروسيا وغيرها إلى الآن -برغم الحملة الدعائية الجوفاء التي تطلقها زمرة حكومة بوتسودان على الإمارات- هو نموذج “دولة الكمبرادور” هذا الذي سنتحدث عنه.الكمبرادور وفق التعريف القاموسي هو مدير أو وكيل أو وسيط محلي يؤدي دور حلقة الوصل بين الشركات الأجنبية والتجار أو العمال المحليين. وغالبًا ما يحمل المصطلح دلالة سياسية واجتماعية، إذ يُستخدم للإشارة إلى طبقة من النخب المحلية الخانعة التي تُسهِّل المصالح الاقتصادية الأجنبية داخل بلدها.يعود أصل كلمة Comprador إلى اللغة البرتغالية، حيث تعني حرفيًا “المشتري”. وهي مشتقة بدورها من الكلمة اللاتينية comparare التي تعني “الحصول على شيء” أو “شراؤه”.السياق التاريخيرغم أن المصطلح يرتبط بتاريخ الاستعمار ونقد الدولة التابعة فيما بعد الاستعمار عمومًا، فإنه اشتهر خصوصًا في سياق التجارة الأوروبية مع شرق آسيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.في البداية، كان الكمبرادور خادمًا أو وكيلًا محليًا يوظفه التجار الأوروبيون في مدن مثل غوانغتشو وماكاو لشراء البضائع، وإدارة الموظفين المحليين، والتعامل مع تحويلات العملات. لكن ونظرًا للقيود المفروضة على المستثمرين الأجانب، التي تَحُول دون وصولهم إلى الصين، أصبح الكمبرادور الوسيط الأساسي بين الشركات الغربية والمنتجين الصينيين. ومع الوقت، تحوَّل هؤلاء الوسطاء إلى طبقة تجارية ثرية وذات نفوذ كبير، تمكنت من بسط سيطرتها ونفوذها على جزء كبير من تجارة الشاي والحرير والقطن بين الصين والغرب.أما الشواهد والأمثلة التاريخية الكلاسيكية على الأفراد الذين سقطوا في هذا المستنقع، فهي كثيرة وممتدة من الصين إلى أمريكا اللاتينية وعدد من الدول الإفريقية في فترات ومراحل شتى في مجرى عمليات التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة فيما بعد الاستعمار. ولذلك سأولي الاهتمام إلى مفهوم الدولة الكومبرادورية، كونها توصيفاً دقيقاً لنموذج الدولة السودانية -دولة الوكالة والتبعية الاقتصادية- الذي اكتملت أركانه الممتدة منذ نيل الاستقلال في عام ١٩٥٦ في عهد نظام الإنقاذ على وجه الخصوص.ذاك هو نموذج دولة النُّخَب العميلة التي وصفها شاعرنا الراحل محمد الحسن سالم حميد في إشراقته الشوَّافة الباهرة “أرضاً سلاح”:وعَلَى كِيفْنا…ما كِيفَ الرِّممْيا نَسَوْ سلام سوداني أَشَمْفوقَ القِممْيا إِمَّا يا نُخَبَ الخَبُوبْذِمَم الهبُوب النافخِي دَمْيا مِستَجدِّين النِّعَم… مِمَّن لَثَمْجِزَمَ العِجَمْ… بِلحُاسْ موائدُنْ ِانبَرَمْنِسَى في نَهَمْ…ناسو العوايدُن العدملا قدر الله .. فالندميا أَهَل الصلاحْالصَّاحه صاحْأرضاً سلاححَمْ يا حَمَامْ(سأوصل)The post السودان أسطورة القرن الحادي والعشرين (١) مجزرة الدّهّابة: كيف نضعها في سياقها التاريخي السياسي؟ appeared first on صحيفة مداميك.