عبد المنعم عجب الفَياانتشر مؤخرا مصطلح “سردية” في التعبير العربي انتشارا واسعا في لغة الكتابة والمخاطبة، إذ انك واجد كثيرا من الناس يدخلونه في كلامهم، اظهارا لمواكبتهم التعابير المستحدثة والمفاهيم المعاصرة.لكن الأكثرية يستخدمون المصطلح دون ادراك لدلالته المعرفية وخلفيته الفلسفية، مكتفين بالدلالة اللغوية المباشرة للكلمة في معنى رواية أو حكاية، وفي افضل الأحوال يعنون به وصف وجهة نظر بعينها حول واقعة أو حدث بعينه. غير أن هذا لا يعكس الدلالة الفلسفية والمفهومية للمصطلح التي تقف وراء الدفع به إلى الواجهة في هذه الآونة.هذا المصطلح هو من بنات أفكار فلسفة العلوم philosophy of science أو بالأحرى من بنات أفكار التيار المنسوب الي ما بعد الحداثة في فلسفة العلوم.فإذا كانت الحداثة تؤمن بقدرة العقل والعلم على كشف حقائق العالم الخارجي والتي تجسدت في التقدم المادي والتقني والمدني، فإن ما بعد الحداثة تشكك في قدرة العقل والعلم على المعرفة الموضوعية لظواهر الوجود والاشياء.وفحوى مصطلح سردية narrative هو انه لا توجد حقيقة موضوعية، وان كل ما يقال عن الحقيقة ليس أكثر من سردية أو حكاية أو وجهة نظر خاصة، فلا حقيقة يمكن الاتفاق حولها، وان لكل إنسان، أو فئة من الناس، حقيقته أو سرديته، وبالتالي فإن المعيار لمعرفة الوجود والأشياء معيار ذاتي، وليس موضوعي، والنتيجة التشكيك في العلم والعقل، اللذان كانا يوحدان ببن الناس، فلا حقيقة ولا معرفة مشتركة يمكن التثبت منها بأدلة خارجية موضوعية. ويمضي هذا التيار في هذا الاتجاه إلى درجة وصف العلم نفسه بانه ليس أكثر من سردية او خرافة أو اسطورة.وقد حاول التيار الشكي المعرفي في فلسفة العلوم ان يدعم نظرته هذه بتفسيرات لبعض النظريات العلمية مثل النظرية النسبية ونظرية الكوانتم (ميكانيكا الكم) غير أن كثيرين من فلاسفة، فلسفة العلوم لا يؤيدونهم في هذه التفسيرات الراديكالية لهذه النظريات العلمية.وهذه النزعة الشكية المعرفية الجديدة، ليست جديدة، وإنما هي إحياء لفلسفات ما قبل سقراط، لا سيما، الفلسفة السوفسوطائية. كما أن هذه الشكية ليست هي النسبية المعرفية. فالنظرة النسبية للحقيقة والمعرفة قديمة و لها أسس عقلانية وطبيعية ووجودية يصعب المجادلة حولها.أما هذه الشكية المعرفية، فتشك في قدرة العقل الإنساني نفسه على ادراك الوجود الخارجي والامساك بحقيقة يمكن الاتفاق حولها. ولذلك يطلق على هذه الشكية المعرفية مصطلح “النسبوية” relativism تمييزا لها عن النسبية العقلية relativityعلى أنه يجب التمييز بين مصطلح سردية ومصطلح سرد. فقد ارتبطت كلمة سرد بلغة النقد الأدبي الحديث. وبدأ استخدامها في التعبير العربي في تسعينيات القرن العشرين وذلك للدلالة على فن القصص: الرواية والقصة القصيرة. فقد استبدلت الكلمات العربية التقليدية: قص وقصص وقصة ورواية، بكلمة سرد وهي ترجمة للكلمة الافرنجية narration والفعل منها narrate بمعنى سرد يسرد سردا أو قص يقص قصا، والاسم منها narrative بمعني قصة أو رواية أو حكاية.علما ان سرد في العربية لا يقتصر معناها على سرد القص بل هي كلمة عامة لا تفيد سردا بعينه، فحكي أو قص اي قول أو روايته، اي كان ذلك القول، هو سرد. فهناك السرد التاريخي والسرد القصصي وغير ذلك. وكنا نرى لو احتفظت لغة النقد الادبي العربي بمصطلح “قصص” بالفتح للدلالة على فن القصة والرواية معا، تمييزا لها عن انواع السرد الأخرى، وذلك عوضا عن مجاراة الآداب الأوربية في استعمال مصطلح “سرد” .The post الخلفية الفلسفية لمصطلح “سردية” appeared first on صحيفة مداميك.