مبادرة Mission 300 ومفهوم “الطاقة المتوازنة” فرصة تاريخية للسودان قد يصنعها السلام وقد تضيعها الحرب

Wait 5 sec.

بقلم: م. خيري عبدالرحمن أحمدفي خضم الأخبار المتلاحقة والصادرة عن مخرجات منتدى الطاقة الأفريقي 2026 (16 -19 يونيو)، قد ينظر البعض إلى اتفاق التعاون بين AMDA وGOGLA أو إلى إعلانات التحالف البنكي الجديد حول Mission 300 باعتبارها مجرد ترتيبات مؤسسية وتمويلية جديدة. لكن القراءة المتعمقة تكشف أن ما يحدث في الواقع هو تحول فكري واستراتيجي كبير في مفهوم كهربة أفريقيا، كان ذلك بقصد تحقيق أحد أهم أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDG-7) أو بقصد إغتنام فرص التوسع الاستثماري الرأسمالي.فلسنوات طويلة ظل النموذج السائد للتنمية الكهربائية في أفريقيا قائماً على فكرة واحدة: بناء محطات مركزية كبيرة ومد شبكات نقل طويلة حتى تصل الكهرباء إلى مراكز الإنتاج المستهدف والى المواطنين اللذين يحققون ذلك الإنتاج، أو المستهلكون اللذين يحققون الربح المطلوب من مشاريع الكهرباء: أي المقتدرون. وكان ذلك يعني أن يتركز تقديم الكهرباء في المدن الرئيسية والتمدد الى مواقع المشاريع الإنتاجية والتي ما غالبا تقوم في الوسط. وبالرغم من النجاح الجزئي ومن أهمية هذا النموذج، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق العدالة التنموية المنشودة، وظلت ملايين المجتمعات الريفية والأطراف البعيدة خارج دائرة الخدمة.اليوم يبدو أن أفريقيا تتجه نحو فلسفة مختلفة تماماً.فمبادرة Mission 300 التي أطلقها الاتفاق بين البنكين (الدولي والأفريقي) وتستهدف زيادة مستوى الحصول على الكهرباء إلى 300 مليون أفريقي بحلول عام 2030، لا تتحدث فقط عن بناء محطات جديدة، بل تتحدث عن الوصول إلى الناس أينما كانوا وأينما كانت نشاطاتهم. كما أن التحالف الجديد بين AMDA (الجمعية الأفريقية لتطوير الشبكات الصغيرة)Africa Minigrid Developers AssociationوGOGLA Global Off-Grid Solar Association – (الجمعية العالمية للطاقة الشمسية خارج الشبكة) يضع الشبكات المصغرة والطاقة الشمسية اللامركزية في قلب الحلول المستقبلية للقارة.ووفقاً لتحليلات المبادرة، فإن حلول الطاقة اللامركزية والشبكات المصغرة يمكن أن توفر الكهرباء لأكثر من 127 مليون شخص، باستثمارات تتجاوز 39 مليار دولار. كما أعلنت مجموعة البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية أن أكثر من 50 مليون شخص في 40 دولة أفريقية حصلوا بالفعل على الكهرباء ضمن برامج Mission 300، بما يؤكد أن المبادرة دخلت مرحلة التنفيذ العملي وليس مجرد التخطيط.في جوهر الأمر، تعترف هذه المبادرات بحقيقة بسيطة ولكنها شديدة الأهمية: لا يمكن تحقيق التنمية الشاملة إذا بقيت الكهرباء محصورة في المراكز الحضرية الكبرى بينما تظل الأطراف والمناطق الريفية خارج منظومة التنمية.وهنا تبرز أهمية مفهوم “الطاقة المتوازنة” الذي طرحناه من قبل باعتباره رؤية وطنية لإعادة بناء قطاع الطاقة في السودان.فالطاقة المتوازنة لا تدعو إلى استبدال الشبكة القومية بالطاقة اللامركزية، كما لا تدعو إلى إلغاء المحطات الكبرى أو التقليل من أهميتها. بل تقوم على فكرة أكثر واقعية وعدالة، وهي أن التنمية المستدامة تحتاج إلى توازن بين المركز والأطراف، وبين التوليد الكبير والحلول المحلية، وبين الشبكة القومية والشبكات المصغرة.ونجد أن هذا هو بالضبط الاتجاه الذي بدأت المؤسسات الدولية تتبناه اليوم، وبدأت بالفعل في الشروع في تنفيذه، وهذا ما وضح جليا بانطلاق التحالف الجديد.إن الرسالة التي يبعث بها تحالف AMDA وGOGLA ومبادرة Mission 300 هي أن نجاح أفريقيا لن يقاس بعدد الميقاواطات المنتجة فقط، وإنما بعدد القرى والمزارع والمجتمعات التي تصلها الكهرباء وتتحول إلى مراكز إنتاج ونمو اقتصادي. وقد أعلن الاتفاق بين مجموعة البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي الجمع ما بين التمويل، وإصلاحات السياسات، والخبرة الفنية لتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة، والى دعم النمو الاقتصادي، والى خلق المزيد من فرص العمل عالية الجودة في جميع أنحاء القارة.وبالنسبة للسودان، فإن هذه التطورات تفتح نافذة تاريخية قد لا تتكرر.فالواجب المطروح بعد توقف الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار، لن يكون فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، بمعنى العودة الى ما كان عليه الأمر، بل سيكون السودان أمام فرصة لإعادة تصميم قطاع الطاقة على أسس جديدة أكثر عدالة وكفاءة.ومن هنا تنبع أهمية التوافق العاجل على “ميثاق الطاقة الوطني” القائم على مفهوم الطاقة المتوازنة.فالميثاق المقترح يمكن أن يشكل الإطار الوطني الذي يربط بين:⦁ إعادة تأهيل الشبكة القومية.⦁ تطوير التوليد الكهرومائي والحراري.⦁ التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.⦁ إنشاء شبكات مصغرة في الولايات والأقاليم.⦁ دعم الإنتاج الزراعي بالطاقة المتجددة.⦁ ضمان عدالة توزيع الاستثمارات والخدمات بين مختلف مناطق السودان.توزيع مراكز إنتاج الطاقة على الأطراف بالقرب من مصادر مواردهالقد أثبتت الحرب أن تركيز البنية التحتية والخدمات في عدد محدود من المراكز يخلق هشاشة اقتصادية واجتماعية كبيرة. وفي المقابل فإن توزيع مصادر الطاقة ومراكز الإنتاج والخدمات على مختلف الأقاليم يعزز الاستقرار الوطني ويخلق فرصاً أوسع للتنمية.إن السودان يمتلك كل المقومات التي تجعله أحد أكبر المستفيدين من التوجهات الجديدة التي تقودها مبادرة Mission 300. فلدينا في الأقاليم المتعددة موارد مائية ضخمة، وإشعاع شمسي من الأعلى عالمياً، ومساحات زراعية هائلة، ومواقع واعدة لطاقة الرياح، إضافة إلى حاجة ملحة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.غير أن الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية يبقى رهينة بتحقيق السلام ووقف الحرب. وبالحديث عن فرص التمويل الدولي، فالمؤسسات الدولية والمستثمرون لا “يضخون” مليارات الدولارات في بيئات عالية المخاطر أو في ظل غياب مؤسسات الدولة القادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة.ولعل ما يجعل هذه الحقيقة أكثر وضوحاً هو أن السودان كان قبل سنوات قليلة فقط على أعتاب أكبر عملية لإعادة اندماج اقتصادي وتنموي في تاريخه الحديث. ففي عام 2021 نجح السودان في تسوية نسبة مقدرة من متأخراته لدى المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، واستعاد حقه الكامل في الحصول على التمويل التنموي الدولي بعد عقود من العزلة. وأصبح مؤهلاً للحصول على ما تم تجهزه بما يقارب 2 مليار دولار من تمويلات المؤسسة الدولية للتنمية، إضافة إلى فتح الباب أمام استثمارات مؤسسة التمويل الدولية والى ضمانات الوكالة الدولية لضمان الاستثمار.كما شهدت تلك الفترة إطلاق برامج ومنح دولية بمئات الملايين من الدولارات لدعم التحول الاقتصادي والحماية الاجتماعية والتنمية الريفية، وكان من المتوقع أن تتبعها استثمارات أكبر في قطاعات الكهرباء والبنية التحتية والزراعة والمياه.لكن تعثر الانتقال السياسي ثم اندلاع الحرب أوقفا هذا المسار، وأديا إلى تجميد العديد من البرامج التي كان يعول عليها في إعادة بناء الاقتصاد السوداني.لم يعد ضرورة التحقيق العاجل السلام مجرد مطلب سياسي فقطواليوم، بينما تتحرك أفريقيا نحو تعبئة عشرات المليارات من الدولارات لتنفيذ Mission 300 والى توسيع شبكات الكهرباء والطاقة اللامركزية بال Minigrid، يواجه السودان خطر البقاء خارج هذه الموجة إذا استمرت الحرب واستمرت حالة عدم اليقين السياسي والمؤسسي.ومن هنا فإن السلام لم يعد مجرد مطلب إنساني أو سياسي فحسب، بل أصبح شرطاً اقتصادياً وتنموياً أساسياً. فكل يوم تقترب فيه أفريقيا من تحقيق أهداف Mission 300 دون مشاركة السودان، تتسع الفجوة بين ما يمكن أن يكون عليه السودان وما هو عليه الآن.أما إذا توقفت الحرب وعاد الاستقرار، فإن السودان يمتلك فرصة حقيقية للانضمام إلى هذا التحول القاري الكبير، ليس فقط كمستفيد من التمويل الدولي، بل كنموذج أفريقي لتطبيق ميثاق الطاقة الوطني القائم على مفهوم الطاقة المتوازنة، وتحويل الكهرباء إلى أداة لإعادة الإعمار والتنمية والوحدة الوطنية.لقد بدأت أفريقيا بالفعل في كتابة فصل جديد من قصة الوصول إلى الكهرباء Energy Access. والسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس ما إذا كانت الفرصة متاحة، بل ما إذا كان سيتمكن من اغتنامها قبل أن فوات أوانها.إن Mission 300 ليست مجرد مبادرة لكهربة أفريقيا، بل بالنسبة لنا في السودان قد تكون الفرصة التي نحتاجها لتطبيق مفهوم الطاقة المتوازنة وتحويله من رؤية نظرية إلى مشروع وطني لإعادة البناء والتنمية والسلام.فلتتكاتف كل الجهود من أجل الوقف العاجل لهذه الحرب المدمرة.The post مبادرة Mission 300 ومفهوم “الطاقة المتوازنة” فرصة تاريخية للسودان قد يصنعها السلام وقد تضيعها الحرب appeared first on صحيفة مداميك.