فخ الإدانات المجزأة: هل تحمي البيانات مدينةً تحاصرها الحرب؟

Wait 5 sec.

عاطف عبداللهدار بيني وبين أحد الكُتّاب حوار حول حصار مدينة الأبيض، وهو حوار لا تقتصر أهميته على موضوع الأبيض وحدها، بل يعكس طريقة تفكير باتت تتكرر كثيراً في النقاش العام حول الحرب السودانية.بدأ النقاش بسؤال يبدو في ظاهره بسيطاً ومشروعاً: إذا كان حصار الأبيض وهجوم قوات الدعم السريع عليها يمثلان انتهاكاً لحقوق المدنيين وتهديداً مباشراً لحياتهم وأمنهم، فلماذا لا تصدر جبهة صمود بياناً رسمياً يدين هذا السلوك ويطالب برفع الحصار فوراً؟في تقديري، المشكلة في هذا السؤال ليست في الدعوة إلى إدانة الحصار، فالحصار مدان بلا تردد، وأي اعتداء على المدنيين يستحق الإدانة. لكن الإشكال يكمن في اختزال الموقف المطلوب في بيان إدانة منفصل عن السياق العام للحرب.فالمطلوب ليس إدانة حصار الأبيض فحسب، بل المطالبة بوقف الحرب فوراً، وإنهاء كل أشكال الحصار والاعتداء على المدنيين في الأبيض والفاشر والخرطوم والجزيرة وسائر مدن السودان. والمطلوب كذلك فتح الممرات الإنسانية والدفع نحو حل سياسي مدني يوقف نزيف الدم ويعيد البلاد إلى طريق السلام والديمقراطية.عند هذه النقطة يبرز اعتراض متكرر: أليس هناك خطر وشيك يهدد المدنيين الآن؟ أليست الأولوية لإنقاذهم بدلاً من انتظار تسويات سياسية قد تطول؟وهنا لا بد من التمييز بين أمرين. فمن واجب الجميع المطالبة بحماية المدنيين المعرضين للخطر الفوري، لكن من الخطأ الاعتقاد أن معالجة الأزمة تتم عبر الاكتفاء بإدانة كل حادثة على حدة. فالمدخل الحقيقي لوقف هذه الجرائم ليس إصدار البيانات فقط، وإنما إنهاء الحرب التي تنتجها بصورة يومية.ثم إن سؤالاً آخر يفرض نفسه: من الجهة التي تقع عليها المسؤولية المباشرة لحماية المواطنين المهددين بالخطر؟ أليست هذه مهمة الجيش والدولة قبل أي جهة أخرى؟ وهل سيتحمل الجيش مسؤوليته في حماية المدنيين، أم سيعاد إنتاج مشاهد الانسحاب وترك المواطنين لمواجهة مصيرهم وحدهم، كما حدث في مناطق عديدة خلال هذه الحرب؟ويذهب الحوار أعمق من ذلك عبر استدعاء منطق “الأولى فالأولى”، والاستشهاد بالمثل الشعبي القائل: “الجفلن خلهن أقرع الواقفات”، أي أن الأولوية ينبغي أن تنصرف إلى إنقاذ المهددين بالخطر المباشر الآن، دون ربط ذلك بأي مطالب أو استحقاقات أخرى.وعلى الرغم من أن هذا المنطق يبدو إنسانياً في ظاهره، فإنه ينطوي، من حيث لا يشعر أصحابه أحياناً، على نوع من التسليم والتطبيع  مع المآسي السابقة والتعامل معها كأمر واقع، مع التركيز فقط على الضحايا المحتملين في اللحظة الراهنة.غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقتين أساسيتين: أولاهما أن العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات تمثلان جزءاً من أي تسوية مستدامة، ولا يمكن تجاوزهما إذا كان الهدف هو بناء سلام حقيقي. وثانيتهما أن الحرب، ما دامت مستمرة، ستواصل إنتاج الضحايا والانتهاكات بصورة متجددة؛ فالمهددون بالموت اليوم سيخلفهم مهددون آخرون غداً، والأبيض لن تكون أول مدينة تواجه هذا المصير ولن تكون الأخيرة.لذلك فإن المطالبة بوقف الحرب ليست ترفاً سياسياً ولا سعياً إلى مكاسب تفاوضية، بل هي الشرط الضروري لمنع تكرار المأساة نفسها في كل مدينة سودانية. فالسلام ليس بديلاً عن حماية المدنيين، بل هو الضمان الوحيد لاستدامة هذه الحماية.وهنا يثور سؤال آخر: لماذا يتركز الضغط دائماً على القوى المدنية وجبهة صمود تحديداً لإصدار بيانات إدانة متلاحقة، بينما يقل الحديث عن الأطراف المسلحة التي تمتلك القرار العسكري وتتحمل المسؤولية المباشرة عن استمرار القتال؟الإجابة، في تقديري، أن هناك قوى سياسية لا تزال تراهن على استمرار الحرب، وتسعى إلى حصر النقاش العام في دائرة الإدانات الجزئية بدلاً من الانتقال إلى السؤال الجوهري: كيف نوقف هذه الحرب؟ومن بين أكثر المستفيدين من هذا الخطاب جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها من فلول النظام السابق، لأن اختزال النقاش في بيانات الإدانة الجزئية يصرف الأنظار عن السؤال الأكثر إلحاحاً: من المستفيد من استمرار الحرب، ومن يعمل على إطالة أمدها، ومن يعرقل الوصول إلى سلام شامل؟ولا يعني ذلك أن كل من يطرح هذه الأسئلة ينتمي بالضرورة إلى هذا التيار، لكن من المهم الانتباه إلى أن هذه الأسئلة، موضوعياً، تصب في خدمة السردية التي يروج لها دعاة استمرار الحرب.إن الموقف الأخلاقي السليم لا يقوم على انتقاء الضحايا ولا على انتقاء الجناة. فحصار الأبيض مدان، كما أن حصار الفاشر مدان، واستهداف المدنيين في أي مكان مدان، والانتهاكات أياً كان مرتكبوها مدانة كذلك.لكن الواجب لا يقف عند حدود الإدانة. فالسودانيون لا يحتاجون فقط إلى بيانات جديدة، بل إلى نهاية حقيقية لهذه الحرب التي حصدت الأرواح ودمرت المدن ومزقت البلاد.لهذا يبقى السؤال الأهم: هل نكتفي بإدانة نتائج الحرب، أم نعمل على إزالة السبب الذي ينتجها كل يوم؟في تقديري، لا يمكن حماية الأبيض ولا الفاشر ولا أي مدينة سودانية أخرى إلا عبر الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال: أوقفوا الحرب أولاً. The post فخ الإدانات المجزأة: هل تحمي البيانات مدينةً تحاصرها الحرب؟ appeared first on صحيفة مداميك.