العزل السياسي للمؤتمر الوطني: استحقاق ديمقراطي لا انتقام سياسي

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةتقوم الديمقراطية في جوهرها على مبدأ التعددية وحق الجميع في المشاركة السياسية، ولذلك فهي لا تعزل أحداً بسبب أفكاره أو انتمائه السياسي أو الاجتماعي. غير أن الديمقراطية، في المقابل، تمتلك حق الدفاع عن نفسها ضد من يعمل على هدمها وتقويض مؤسساتها والانقلاب على قواعدها. ولهذا السبب فإن العزل السياسي لا يُعد عقوبة على الرأي، وإنما جزاءً سياسياً وقانونياً لمن ارتكب جرائم بحق النظام الديمقراطي والمجتمع والدولة.ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بعزل قيادات المؤتمر الوطني ليست دعوة للانتقام أو تصفية الحسابات، بل هي استحقاق سياسي وأخلاقي فرضته طبيعة الجرائم التي ارتُكبت خلال العقود الماضية بحق السودان وشعبه.وبحكم أنني كنت عضواً في الجمعية التأسيسية المنتخبة التي أطاح بها انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، فإنني أؤكد أن الدعوة إلى العزل السياسي لا تنطلق من مشاعر الثأر أو الرغبة في الانتقام. فالديمقراطية التي دافعنا عنها وقُوِّضت بالقوة لا تقوم على الانتقام من الخصوم، وإنما على سيادة القانون والمساءلة وحماية المستقبل من تكرار أخطاء الماضي. إن القضية الأساسية ليست معاقبة الأفراد بسبب انتمائهم السياسي، وإنما وضع الضمانات الدستورية والقانونية التي تمنع تكرار تجربة الانقلاب على الديمقراطية واختطاف الدولة لصالح حزب أو جماعة أو أيديولوجيا بعينها.لقد وصل المؤتمر الوطني إلى السلطة عبر انقلاب عسكري أطاح بالنظام الديمقراطي التعددي، وحل الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وصادر الحريات العامة، وأقام نظاماً شمولياً احتكر السلطة والثروة لأكثر من ثلاثة عقود. وخلال تلك الفترة تعرضت الخدمة المدنية السودانية لأكبر عملية تدمير ممنهجة في تاريخها فيما عُرف بسياسة “الصالح العام”، التي أُقصي بموجبها عشرات الآلاف من الكفاءات الوطنية واستُبدلت بعناصر الولاء الحزبي.كما ارتبطت فترة حكمه بإشعال خطاب التعبئة الدينية في الحرب الأهلية، وهي سياسات ساهمت بصورة مباشرة في تعميق الانقسام الوطني الذي انتهى بانفصال جنوب السودان وخسارة البلاد جزءاً عزيزاً من أرضها وشعبها ومواردها.وعلى المستوى الاقتصادي، شهد السودان خلال عهد المؤتمر الوطني تدميراً واسعاً لمؤسسات الدولة الإنتاجية والخدمية. فقد انهار مشروع الجزيرة، وتدهورت الخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية السودانية، وتم بيع أو تصفية العديد من مؤسسات القطاع العام بأثمان بخسة لصالح شبكات التمكين والمصالح المرتبطة بالحزب الحاكم، مما أضعف الاقتصاد الوطني وكرّس الفساد والمحسوبية.أما في دارفور، فقد ارتبطت سياسات النظام بحرب مدمرة أودت بحياة مئات الآلاف من المواطنين وأدت إلى نزوح وتشريد الملايين، لتصبح واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة.ولم يتوقف أثر هذه السياسات عند الماضي، إذ يرى كثيرون أن عناصر النظام السابق وشبكاته السياسية والعسكرية والأمنية لعبت دوراً مباشراً أو غير مباشر في تعقيد المشهد الذي قاد إلى حرب الخامس عشر من أبريل 2023، وهي الحرب التي لا يزال السودان يدفع ثمنها من دماء أبنائه ووحدة أراضيه ومستقبل أجياله.ورغم كل هذه الحصيلة الثقيلة، لم يصدر عن قيادة المؤتمر الوطني حتى اليوم اعتراف واضح بالأخطاء التي ارتُكبت، ولم تُقدَّم مراجعات حقيقية أو اعتذار وطني صريح للشعب السوداني. بل إن الخطاب السائد وسط كثير من قياداته ما زال يعتبر تجربة الإنقاذ تجربة ناجحة تستحق الاستعادة، وكأن ما حدث للسودان خلال العقود الماضية لم يكن كافياً لاستخلاص الدروس والعبر.إن العزل السياسي في هذه الحالة لا يستهدف أعضاء الحزب أو أنصاره باعتبارهم مواطنين يتمتعون بكامل حقوقهم الدستورية، وإنما يستهدف القيادات التي خططت ونفذت ودافعت عن المشروع الذي قاد إلى تقويض الديمقراطية وتخريب مؤسسات الدولة. ولذلك فإن من الضروري النص على إجراءات انتقالية واضحة، من بينها:* عزل القيادات الرئيسية للمؤتمر الوطني عن العمل العام لمدة لا تقل عن عشر سنوات.* عدم مشاركة الحزب في مؤسسات السلطة خلال الفترة الانتقالية.* عدم السماح له بخوض أول انتخابات عامة تعقب الفترة الانتقالية.* السماح له بالمشاركة في الانتخابات اللاحقة بعد إجراء إصلاحات داخلية جوهرية وإبعاد القيادات التي شاركت في الانقلاب أو في ممارسات التمكين والفساد والانتهاكات.* إخضاع الحزب لقواعد صارمة تمنع أي ارتباط بالمؤسسات العسكرية أو الأمنية أو التشكيلات المسلحة.ومع ذلك، فإن العزل السياسي لا يعني استبعاد المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية من حوارات السلام أو ترتيبات إنهاء الحرب. فالتجارب الدولية أثبتت أن السلام المستدام لا يتحقق بإقصاء الأطراف المؤثرة من التفاوض، وإنما بإلزامها بتحمل مسؤولياتها والتوقيع على التزامات قانونية وسياسية واضحة.غير أن هذه المشاركة يجب ألا تكون بلا شروط أو استحقاقات أخلاقية وسياسية. فمن الطبيعي أن تسبقها مراجعة صريحة للتجربة السابقة، واعتذار واضح للشعب السوداني عن الانقلاب على النظام الديمقراطي، وعن انتهاكات حقوق الإنسان، وسياسات التمكين والإقصاء، وإفساد الخدمة المدنية، والحروب التي مزقت النسيج الوطني وأضعفت الدولة. كما ينبغي أن يكون هذا الاعتذار شرطاً أساسياً يسبق السماح بالمشاركة في حوارات السلام، وأن يقترن بالتزام مكتوب وملزم بكل ما يصدر عن تلك الحوارات من مخرجات واتفاقات.ويجب كذلك أن يتضمن هذا الالتزام القبول الصريح بمبادئ التداول السلمي للسلطة، والدولة المدنية الديمقراطية، واحترام التعددية السياسية، ورفض استخدام المؤسسات العسكرية والأمنية لتحقيق أهداف حزبية أو أيديولوجية.لقد شهد العالم تجارب متعددة للعزل السياسي عقب الحروب والنزاعات الكبرى. ففي عدد من اتفاقيات السلام والانتقال الديمقراطي جرى تقييد مشاركة القوى التي تورطت في الانقلابات أو الحروب أو الجرائم الجسيمة لفترات محددة، بهدف حماية الديمقراطية الناشئة ومنح المجتمعات فرصة لاستعادة عافيتها السياسية. ولم يكن ذلك انتقاماً من تلك القوى، بل إجراءً وقائياً لحماية المستقبل.إن الديمقراطية لا تعزل أحداً بسبب رأيه، لكنها تملك الحق الكامل في حماية نفسها ممن انقلبوا عليها وأفسدوا مؤسساتها وأشعلوا الحروب باسمها. ولذلك فإن العزل السياسي للمؤتمر الوطني ليس خروجاً على المبادئ الديمقراطية، بل هو أحد تطبيقاتها المشروعة حين تواجه خطراً أثبتت التجربة أنه لا يؤمن أصلاً بقواعد اللعبة الديمقراطية.فالسلام يقتضي إشراك الجميع في إنهاء الحرب، أما الحكم فحق يقرره الشعب وفق قواعد عادلة، بعد أن يطمئن إلى أن من يطلب ثقته قد تعلم من أخطاء الماضي، واعترف بها، وتعهد بعدم تكرارها. وحتى يحدث ذلك، يبقى العزل السياسي المؤقت للمؤتمر الوطني ضرورة وطنية لحماية الانتقال الديمقراطي ومنع إعادة إنتاج الأزمة التي دفع السودان أثمانها الباهظة لعقود طويلة.The post العزل السياسي للمؤتمر الوطني: استحقاق ديمقراطي لا انتقام سياسي appeared first on صحيفة مداميك.