بكري الجاك مدنيتوطئة أوليما خلفته الحرب في بلاد السودان، بخلاف الموت و الخراب و الدمار و الاستقطاب السياسي والانقسام الاجتماعي والوجداني، اقتصاد حرب متكامل الأركان في خليط ما بين الكارتيلات و عصابات المافيا، إذ ظل حال الناجين من الموت هو التردي في كل النواحي و غياب الخدمات من صحة و كهرباء و تعليم. التجلي الأسوأ هو عدم وجود دورة اقتصادية كاملة تشمل زراعة و صناعة و تجارة جملة و قطاعي و غيرها و سوف لن يكون طالما الحرب مستمرة. حاليا في السودان هناك ثلاثة شرائح من الناس: الشريحة الأولي تشمل بعض العالقين الذين اما نزحوا وعادوا أو لم ينزحوا اصلا و يعتمدون في حياتهم على تحويلات الأقارب من الخارج وبعض النشاط الاقتصادي المحدود، الشريحة الثانية تشمل من يعملون في ما تبقى من جهاز الدولة من موظفين و هؤلاء الذين يضربون الآن و يطالبون بتحسين أوضاعهم المعيشية ظنا منهم أن هناك دولة يمكن أن تتخذ قرارات لتعطي أو تحسن من أوضاع الناس، أما الشريحة الثالثة فتتمثل في المليشيات المسلحة و التي يتضاعف عددها كل يوم بمنطق يفوق منطق البصيرة أم حمد. الشريحتين الثانية و الثالثة يعتاشون على الشريحة الأولى سواء بالقوة أو بوضع ارتكازات أو بالجبايات تحت مسمى سلطة الأمر الواقع.توطئة ثانيةحينما اندلعت حرب 15 أبريل كان السودان قد خبر التقسيم في 2011 بسبب فشل السودانيين في الوصول إلى مشروع وطني أساسه المواطنة المتساوية و تخليق صيرورة لدولة وطنية يرى فيها جميع السودانيون أنفسهم، و لكن مع تمدد الحرب و توسع رقعتها و تغير طبيعتها بدأ البعض يتخوفون أننا قد ننتهي إلى وضعية أشبه بالتقسيم الإداري كما في ليبيا و اليمن و أرض الصومال و كشمير و ما دروا حينها أن ذلك قد يكون حلما بعيد المنال.توطئة ثالثةفي علم النفس الاجتماعي و علم النفس السياسي يتم تصور الحياة كلها باعتبار أنها Continuum أي سلسلة متصلة أو طيف متدرج، و هذا يعني أن نسبية الأشياء تجعل من الصعوبة القبول بأن الأمور يمكن أن تكون على شاكلة أبيض وأسود وهذا بالضرورة لا يعني أن ليس هناك مبدئية في المواقف و من القضايا. و يحكي أن هناك رجلا سجنته قوة غاشمة كما في مملكة الحيوان عند جورج أورويل، و حينما تساءل فقط عن سبب سجنه، ولم يحتج أصلا، قاموا بإدخال بقرة لتشاركه الغرفة، و حين تساءل عن كيف له أن يقطن في نفس المحبس مع البقرة لم يجيبوه و لكنهم أتوا ببعض الدواجن، و حينما تساءل عن الدواجن أتوا بخنزير و في نهاية المطاف نسي الرجل أن جوهر قضيته ليس مع أي من الكائنات يٌسجن ولكن لما هو أصلا في السجن.جوهر تجليات أزمة الحرب الماثلةلم يعد هناك أدنى شك في أن الدولة السودانية قد وصلت مرحلة التحلل بالكامل، و حتى لا يختلط الأمر علي الناس فإن التعريف الكلاسيكي للدولة يقول انها “الإقليم المحدد و السكان و السيادة” و إذا طبقنا هذا التعريف فعلينا ان نسأل أين هو الإقليم المحدد الآن في ظل القتال والاحتراب و اين هم السكان ما بين لجوء ونزوح و أين هي السيادة سوى أنها في الخطابات الهتافية لبعض الانتهازيين في سلطة الأمر الواقع و شرذمة من المطبلاتية من الذين يقتاتون من بقايا فتات المؤتمر الوطني وحركته الإرهابية الذين لا يملكون من المعرفة شيء للتمييز بين السلطة و السيادة و لكن الله حباهم بجرأة و بجاحة يحسدون عليها في تسويق الجهل في كامل اليقين. أما التعريف الوظيفي للدولة فيقول أن أهم وظائف الدولة تتمثل في 1) احتكار العنف و منع استخدامه إلا وفق صيغة دستورية قانونية، 2) تنظيم المجتمع عبر السياسات العامة و هذا يشمل تقديم الخدمات من الأمن إلى التعليم، 3) إنفاذ التعاقد و هنا يأتي مبدأ استقلال القضاء وسيادة حكم القانون حتى لا يأخذ الناس حقهم عبر “الضراع” و المليشيات والعصابات التي أصبحت النموذج الفعّال هذه الأيام لإنفاذ التعاقد أو للسلب و النهب. الإضرابات التي تقوم بها بعض المكونات النقابية والاحتجاجات الشعبية في مجملها هي قمة ما يمكن أن يقوم به الناس لممارسة ال agency أي القدرة على الفعل و التأثير و لكن الفرضية التي تقوم عليها هذه الاحتجاجات هي أن هناك دولة، خذها بأي تعريف شئت، قادرة و لها قوة في منح الهبات و توقيع العقاب. و لكن في ظني أن قيمة هذا الحراك تكمن انه في نهاية المطاف سيتوجه إلى القضية الرئيسية وهي إيقاف الحرب لأن هذا هو جذر الافقار و من ثم التواضع على عقد اجتماعي جديد و ذلك حين يعلم الناس علم اليقين أن لا وجود لهذه الدولة الآن إلا في الخيال أو في مقاربات الفريق البرهان عن أن غياب الحياة المدنية أفضل من تساقط الدانات و كأنه يقول غياب الحرب يعني وجود السلام و هذا أمر آخر يعكس أزمة تفكير أعمق.أما تصورات بعض دول الإقليم التي تعتقد أن إعادة إنتاج الدولة المركزية في السودان ما زال أمرا ممكنا فهذا أيضا من أسباب استمرار الحرب و بالضرورة تسارع انهيار الدولة وسيطرة المليشيات القبلية على الحياة في شكل كانتونات عسكرية يحكمها اقتصاد حرب بشبكات معقدة و تتعقد كل يوم. محاولة شرعنة سلطة البرهان عبر حوار وطني متوهم أو انتخابات يعد لها خلال أشهر ليس أمرا فقط يثير الرثاء والشفقة على هذا العقل السياسي المختل و المخاتل، المأساة تكمن فى حقيقة أن هذا التفكير لا يقدم مسألة إيقاف الحرب و الكارثة الإنسانية كأولوية قصوى و شرط ضرورة لحياة الناس، بل الأدهى أنه مجرد تفكير قاصر سينتهي إلى محاولة شرعنة سلطة البرهان ليصبح هو معادل الدبيبة في طرابلس ليبيا ليعقب ذلك تحرك دبلوماسي لتثبيت شرعية الدولة المركزية و تصوير تأسيس علي أنها حفتر و أن نيالا هي بنغازي السودان. و الغريبة أن إحدى الدول التي اصمّت آذاننا بالدفاع عن مؤسسات الدولة في السودان، وهي بذلك لا تعني المستشفيات و الجامعات بل تعني القوات المسلحة، هي من يقف خلف دعم خليفة حفتر في ليبيا في حين أن بقية العالم ترى مؤسسات الدولة في حكومة الدبيبة في طرابلس ذات الميول الإسلامية. فكرة إحياء الدولة المركزية في سلطة على رأسها البرهان و من ثم تصبح تأسيس مجرد حركة مسلحة متمردة يمكن أن يتم التفاوض معها على اتفاق سلام لاحقا أو يتم قطع الطريق عليها عبر تسوية مباشرة مع دولة الإمارات، و كأنما أن الدولة السودانية لم تعاني من أزمة وطنية عميقة ولم تقم بتكوين مليشيات قديما والى يوم الناس هذا لإخماد الاحتجاجات التي قامت ضد الدولة منذ أغسطس 1955، أي حينما كانت منطقة الخليج تقع تحت مظلة الانتداب البريطاني بما فيها الإمارات، حسب سردية الدفاع عن الدولة من الغزو الأجنبي الذي هندسته الدولة ذاتها ضد نفسها، أي جنون و أي عبط هذا؟ هذا المسار الآن أصبح جليا و يقف كعقبة أمام إيقاف الحرب لأنه يستجيب لتصورات بعض من الخارج لا احتياجات السودانيين للاستقرار والأمان و الغذاء و الدواء و الكهرباء و الماء و استعادة الفضاء المدني.ما هي الحلول إذن؟يمكن لأطراف الحرب أن تصر على صحة سردياتها عن الحرب و أن تتخندق في اعتقاد أن موقفها صحيح اخلاقيا و هذا ما تقوم به السرديات أصلا، أي تبرير خيار الحرب وكأنه الخيار الأوحد، إلا أن الحقيقة التي لا مناص منها أنه لا يوجد حل عسكري عبر نصر عسكري حاسم أو حتى ما يكفي من تحسن في الواقع الميداني يمكّن أي طرف من فرض شروط تسوية عسكرية تقود إلى تسوية سياسية تمكن الجيش وحلفائه من استعادة السلطة و إعادة إنتاج الدولة المركزية أو تمكّن تأسيس من أن تقدم نموذج للحوكمة قادر علي أن يتجاوز إعادة إنتاج الانتهاكات بصورة أكثر مؤسسية، و لكم في اخبار السجون اسوة سيئة. طالما أن هذا هو الواقع على الأرض، فما الذي يمنع أطراف الحرب من الوصول إلى هذه الحقيقة الناصعة و التي خلص إليها العالم أجمع؟ الإجابة هي الكبرياء و خداع الذات و شراء الوقت بنفس فكرة انه ربما تحدث متغيرات جوهرية في مسألة الشرعية حسب تصورات معسكر القوات المسلحة أو نصر عسكري كبير حسب تصورات تأسيس، أو كما حكيت في مقال قديم عن الرجل الذي يتفرج على قناة تلفزيونية لا يفهم لغتها و حينما سئل لما قال “ما يمكن تجيب حاجة”. الحل الأقل كلفة يبدأ بالقبول أنه لا يوجد حل عسكري و ليس هناك معنى أو تعريف للنصر العسكري الحاسم في حالة حرب 15 ابريل، و حينها علي الأطراف القبول بالوقف الفوري لإطلاق النار وفق خارطة طريق الرباعية في 12 سبتمبر 2025 والانخراط في إجراءات تهيئة المناخ لقيام حوار سوداني لوضع ترتيبات لإنهاء الحرب و اجتراح عقد اجتماعي جديد يبدأ ببرنامج شامل للعدالة والمحاسبة و التعافي الاجتماعي، البديل لهذا الحل هو استمرار الحرب التي قد اقترب اليوم الذي سوف لن يكون باستطاعة قادتها من وقفها حتى وإن أرادوا، وهذا ينطبق حتى على مليشيات الحركة الإسلامية واذرعها في الدولة.خلاصة القولليس للناس سوى فعل ما يستطيعون في تغيير مالات حالهم وأحوالهم في سياق الحرب وما أفرزته من تبعات اجتماعية وسياسية و نفسية، إلا أن الملاحظ، لمن ليس في عينيه غشاوة، أن الناس الآن وصلوا إلى مرحلة من الإنهاك النفسي و المادي أصبحت فيها ليبيا حلم بعيد المنال و هذا بالضبط لسان حال الرجل الذي تخلى عن المطالبة بالسؤال عن سبب سجنه و أصبحت جٌل غايته مطالبة السجان بأبعاد الخنزير وأنه يمكن أن يتعايش مع البقرة و الدجاج في واقع شبيه بعالم فانتازيا جورج أورويل أو واقع فانتازيا حرب 15 أبريل.للأسف سيناريو ليبيا، وان كان بعيد المنال لعدة عوامل يمكن تفضيلها في مقام آخر، إلا أنه في نظر الكثيرين أفضل من سيناريو استمرار الحرب وتحول البلاد إلى كانتونات عسكرية تسيطر عليها مليشيات قبلية تعمل بطريقة الكارتيلات. ما الذي تحتاجه دول الإقليم و رافضي السلام في السودان ليخلصوا إلى حقيقة بائنة كالشمس مفادها أن استمرار الحرب يعني تخلق عوامل و شروط ستجعل الحرب تخرج عن سيطرة دعاة وقادة الحرب انفسهم؟أما نحن في القوى المناهضة للحرب يجب أن نتحلى بالصبر على الناس حتى يغيروا آراءهم وأن يأتوا إلى معسكر السلام و ان لا نقابلهم بادعاء تفوق أخلاقي زائف فقط لأننا رفضنا الحرب قبل أن تصبح خيار صفري، الناس تتحرك من مواقع اجتماعية متباينة و الأهم من محاصرة مواقفهم السابقة هو تشجيعهم للانضمام لمعسكر القوى المناهضة للحرب، كما لا يجب أن نستغرب أن بدّل البعض جلدهم بالكامل و اصبحوا دعاة إيقاف الحرب حتى و أن وصفونا بأننا كنا دعاة حرب، يجب أن لا ندع الكبرياء المجروح و المكابرة للوقوف فى طريق وصول الناس إلى حقيقة أن طريق السلام أقل كلفة على الناس و الإقليم و العالم.The post مقدمات نهاية الدولة الوطنية: إذا كان الوصول إلى وضعية ليبيا صار حلما بعيد المنال فهل ثمة ما تبقى أن يٌقال؟ appeared first on صحيفة مداميك.