تمثيل القوى المدنية في اجتماعات أديس أبابا ونيروبي: أسئلة مشروعة في زمن الحرب

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيأثارت الندوة التي استضافت البروفيسور صديق تاور، عضو مجلس السيادة السابق، تحت عنوان “ماذا جرى في اجتماعات القوى المدنية في أديس أبابا ونيروبي؟” العديد من التساؤلات المهمة حول واقع القوى المدنية السودانية وطبيعة تمثيلها في المحافل الإقليمية والدولية. وقد جاءت هذه التساؤلات في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أكبر أزماته السياسية والإنسانية، حيث تستمر الحرب في تمزيق البلاد وإلحاق المعاناة بملايين المواطنين الذين ينتظرون من القوى السياسية والمدنية أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية.ما طرحه البروفيسور صديق تاور خلال الندوة لم يكن مجرد سرد لأحداث أو لقاءات سياسية، بل كشف عن جوانب تتعلق بكيفية اختيار ممثلي القوى المدنية في بعض الاجتماعات المهمة التي انعقدت في أديس أبابا ونيروبي. وقد أشار إلى وجود حالات شاركت فيها شخصيات وقدمت نفسها باعتبارها ممثلة لكيانات أو تحالفات مدنية دون أن يكون واضحًا للرأي العام أو حتى لأعضاء تلك الكيانات طبيعة التفويض الذي استندت إليه. وهذه المسألة تفتح الباب أمام نقاش مشروع حول مفهوم التمثيل السياسي والمؤسسي في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ السودان.إن القضية لا تتعلق بأشخاص بعينهم بقدر ما تتعلق بالمبدأ نفسه. فحينما يتحدث أي فرد باسم تنظيم أو تحالف أو قوة مدنية، فإن ذلك يفترض وجود مؤسسات ولوائح وآليات واضحة تمنحه هذا الحق. أما إذا أصبحت مسألة التمثيل خاضعة للاجتهادات الشخصية أو العلاقات الخاصة أو التفاهمات غير المعلنة، فإن ذلك يضعف مصداقية القوى المدنية ويثير الشكوك حول القرارات والمواقف التي تصدر باسمها.ومن المؤسف أن كثيرًا من القوى السياسية والمدنية السودانية ما زالت تعاني من ضعف البناء المؤسسي، وهي أزمة صاحبت الحياة السياسية السودانية لعقود طويلة. فبدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات المنتخبة والهياكل التنظيمية الواضحة، كثيرًا ما يتم اتخاذ القرارات بواسطة دوائر ضيقة أو أفراد محددين، الأمر الذي يؤدي إلى تكرار الخلافات والانقسامات وفقدان الثقة بين القيادات والقواعد. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة في العديد من المبادرات والتحالفات التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة ثم ما لبثت أن دخلت في صراعات داخلية أضعفت دورها وتأثيرها.وتزداد خطورة هذه المسألة عندما تكون مرتبطة باجتماعات تناقش مستقبل السودان ومسارات إنهاء الحرب. فالمجتمع الدولي والإقليمي الذي يستضيف مثل هذه اللقاءات يفترض أنه يتعامل مع ممثلين حقيقيين لقوى سياسية ومدنية لها قواعدها ورؤيتها ومؤسساتها. وإذا لم تكن عملية التمثيل واضحة وشفافة، فإن ذلك ينعكس سلبًا على مصداقية المخرجات التي تنتج عن تلك الاجتماعات، كما يضعف ثقة السودانيين في القوى التي تدعي الحديث باسمهم.وفي ظل المأساة الإنسانية الراهنة، كان من المتوقع أن تكون القوى المدنية أكثر حرصًا على الالتزام بالمؤسسية والشفافية، لأنها تقدم نفسها بوصفها البديل الديمقراطي والقادر على بناء دولة القانون والمواطنة. غير أن أي مشروع لبناء دولة حديثة لا يمكن أن ينجح إذا لم تُطبق هذه المبادئ أولاً داخل التنظيمات والقوى التي تنادي بها. فالديمقراطية ليست مجرد شعارات تُرفع في المنابر، وإنما ممارسة يومية تبدأ من احترام اللوائح والمؤسسات وحق الأعضاء في المعرفة والمساءلة.إن ما أثير خلال الندوة يجب ألا يُفهم باعتباره محاولة لإثارة الخلافات أو تصفية الحسابات السياسية، بل ينبغي النظر إليه كفرصة لمراجعة جادة وصريحة لأداء القوى المدنية خلال الفترة الماضية. فالمطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما توضيح الحقائق للرأي العام والإجابة على الأسئلة المشروعة المتعلقة بكيفية اختيار الممثلين، وما هي المواقف التي تم طرحها باسم القوى المدنية، وما إذا كانت تلك المواقف قد خضعت لنقاش مؤسسي داخل الكيانات التي نُسبت إليها.لقد دفعت الحرب السودانيين إلى البحث عن أي أمل يمكن أن يقود إلى السلام والاستقرار، ولذلك فإن المسؤولية الملقاة على عاتق القوى المدنية أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فهذه القوى مطالبة بأن تكون نموذجًا في الشفافية والنزاهة واحترام المؤسسية، وأن تضع مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة. كما أنها مطالبة بإعادة بناء الثقة مع قواعدها ومع الرأي العام من خلال الإفصاح الواضح عن قراراتها وآليات عملها وممثليها.ويبقى السؤال الذي طرحته الندوة قائمًا ويستحق الإجابة: من يمثل القوى المدنية السودانية في هذه الاجتماعات؟ وكيف تم اختياره؟ وما هي الرؤية التي قدمها باسمها؟ إن الإجابة الصريحة والواضحة عن هذه الأسئلة ليست مطلبًا تنظيميًا فحسب، بل هي جزء من معركة بناء الثقة واستعادة الدور الوطني للقوى المدنية في مرحلة هي من أخطر المراحل التي مرت على السودان منذ استقلاله.إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل يحتاج أيضًا إلى إصلاح عميق في الثقافة السياسية وأسلوب إدارة العمل العام. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال ترسيخ قيم الشفافية والمساءلة والمؤسسية داخل جميع القوى السياسية والمدنية، حتى تكون قادرة بالفعل على قيادة مشروع وطني يخرج البلاد من أزمتها ويضعها على طريق السلام والاستقرار والديمقراطيةThe post تمثيل القوى المدنية في اجتماعات أديس أبابا ونيروبي: أسئلة مشروعة في زمن الحرب appeared first on صحيفة مداميك.