عدا المؤتمر الوطني

Wait 5 sec.

مجدي إسحقإن شعبنا عندما رفع شعار “تسقط بس” و”كل كوز ندوس دوس”، وفي نفس الخط (ماعدا المؤتمر الوطني)، فإنه لم يكن يبحث عن الإقصاء أو التناحر ولم يعلق لهم المشانق ولم يقودهم لبيوت الأشباح بل قال في عدم وجود دور لهم في الفترة الانتقالية. حيث لا يمكن أن يشارك في البناء من هو سبب الهدم وأن يفتح الباب للمشاركة في بناء دولة المؤسسات من عمل على هدمها واستلابها. إن كل من يستوعب أبجديات العمل السياسي والتغيير الاجتماعي يعلم أن هدفنا كان وما زال هو المصداقية والمساءلة، حيث إن الإقصاء يعني الاستبعاد بسبب الهوية والانتماء الفكري، بينما المصداقية والمساءلة في العمل السياسي تعني الخضوع لقواعد مشتركة تحترم الديمقراطية والدولة المدنية وترفض العنف.إذن فإننا لا يمكن أن نقبل بالجلوس مع من ما زال يرفع شعار العنف وعودة العسكر للحياة السياسية دون الاعتراف بمسؤوليته فيما حدث من دمار، وتوبته من هذه الممارسة، والتزامه بعدم العودة إليها. حيث إن عزله ليس رفضًا سياسيًا قائمًا على الهوية، بل هو موقف مرتبط بطبيعة المشروع السياسي الذي مثله المؤتمر الوطني، فهو حزب ارتبط بنظام عسكري ساهم في تعطيل المؤسسات الديمقراطية، ويتحمل مسؤولية أساسية في بناء تركيبة سياسية أمنية ساهمت في إنتاج التوحش والعنف والحروب المتعاقبة.إن جوهر الاعتراض ليس على حق أعضائه في العمل السياسي، ولكن جوهر الاعتراض هو العودة إلى السلطة عبر القوة العسكرية أو عبر نتائج فرضها واقع السلاح. إن أي عملية سياسية جادة تستند إلى مبدأ الشرعية التي لا تكتسب إلا من الإرادة الشعبية والمؤسسات الديمقراطية، فإنها عملية تقود إلى الأمام. فالقضية ليست منع الفاعل السياسي من المشاركة بسبب هويته، بل هي حماية للمستقبل وللواقع السياسي من أن تصبح القوة العسكرية هي المصدر الشرعي للسياسة ولمستقبل الوطن.إن المؤتمر الوطني إذا أراد أن يكون جزءًا من أي حوار، فإن ذلك يتطلب إعلانًا واضحًا برفض العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة، والاعتراف بمسؤوليته السياسية عما سبق، وتحمل مسؤوليته عن الفساد والانتهاكات، والقبول بمبدأ المحاسبة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء، وحوارًا يستند إلى احترام قيم الدولة المدنية والمؤسسات الديمقراطية، لا إلى محاولة الالتفاف على الإرادة الشعبية وإعادة إنتاج السلطة القديمة بأدوات جديدة.إن المشكلة ليست قضية أخلاقية في مشاركة من أجرم فقط، بل سياسية وتركيبية، فالقضية لا تتعلق بأن يقول الحزب إنه أخطأ، وإنما بتوفير ضمانات تمنع إعادة إنتاج هذا الخطأ، وتمنع إنتاج نفس المنظومة التي قادت إلى الاستبداد والحرب. ليست هي مجرد إعلان توبة مسيحية في واقع العمل السياسي أو مجرد التبرؤ من الماضي، فذلك لن يوفر صيغة وطنية.إن جوهر القضية هو الاعتراف بالمسؤولية التاريخية أمام الجماهير، والخضوع إلى مبادئ المساءلة والمحاسبة والعدالة، والالتزام العملي والفعلي بتفكيك بنية القهر التي ساهم في صناعتها والتي أنتجت الاستبداد والحرب.إن السؤال الحقيقي ليس: هل يشارك في العملية السياسية أم لا؟ بل: هل يقبل بالخضوع لقواعد العدالة الانتقالية من محاسبة وسيادة القانون؟ وهل يلتزم بتفكيك الامتيازات السياسية والاقتصادية والأمنية التي راكمها في هذه المدة؟ وهل يعترف بحق الجميع في معرفة الحقيقة وجبر الضرر وعدم الإفلات من العقاب؟فالتفاوض ليس مجرد اتفاق بين تنظيمات سياسية تتقاسم السلطة أو تعيد ترتيب موازين القوة، بل يجب أن يكون جزءًا من عملية تاريخية تؤسس لدولة جديدة تؤمن بسيادة القانون والمواطنة المتساوية، ولا يمكن أن يتم ذلك بتجاوز قضايا العدالة والمحاسبة وتفكيك بنية القهر، فإن حدث ذلك فإن الذي سيكون هو مجرد وسيلة لاستيلاد بنية قهر جديدة بأدوات مختلفة، حتى ولو رفعت شعارات التحرر والتغيير.إن منظومة علم النفس السياسي تؤكد أن التفاوض الذي يتجاهل المساءلة ولا يستند إلى المصداقية التي تقود إلى تفكيك بنية القهر، إنما يقود إلى توزيع مواقع القوى السياسية بما يساهم في إنتاج بنية قهر جديدة، بدلًا من أن يغير قواعد العلاقات التي تجعل الاستبداد ممكنًا داخل منظومة جديدة.إن أي تسوية لا تهتم بهذه القضايا قد تنجح في إيقاف أي صراع مؤقت، ولكنها لن تنجح في بناء دولة أو سلام مستدام، لأنها ستترك الأسباب الحقيقية التي أنتجت القهر قائمة.إن العدالة والمحاسبة والمصداقية ليست عقبة أمام السلام، بل هي شروط حقيقية لبناء السلام، حيث إنها الضمانات التي تمنع إعادة إنتاج التجربة، ولا يتم عبرها صناعة مؤسسة تعيد واقع التوحش والحرب مرة أخرى.حيث يجب أن تكون هنالك خطوط حمراء تستند عليها قوى التغيير في أي جلسات حوار:أولًا: رفض العنف والانقلابات العسكرية كوسيلة للسلطة، ومنع وجود أي تنظيمات عسكرية تمتلك أسلحة أو ساهمت في دمار وسرقة جهاز الدولة.ثانيًا: أهمية المساءلة وعدم الإفلات من العقاب في كل الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب السوداني، مادية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، مع عدم منح حصانات، وضمان استقلال القضاء، وآليات فاعلة لتنفيذ ذلك.ثالثًا: ضرورة تفكيك بنية القهر والامتيازات التاريخية التي تحصلت عليها جماعات المؤتمر الوطني، مع الالتزام بالشفافية والمساهمة في هذا التفكيك، وتقديم كل عون حتى يتحقق العدل وعودة الحقوق لأصحابها، وعودة كل ما استلب من جهاز الدولة، وسحب كل امتياز تم الحصول عليه بثقافة التمكين وفقه السلب والاستبداد.حتى تكون الخطوات نحو دولة العدالة قائمة على مفاهيم المساواة والشفافية، وليس على مقولة “عفا الله عما سلف”، فيدخلها من اغتنموا ونهبوا شعبنا وهم ما زالوا يحملون الامتيازات ويسيطرون على الموارد.إن الدعوى التي تطالب بالجلوس مع المؤتمر الوطني باعتبار أنه فاعل في واقع الحرب تقع فيها حالة من المغالطات و الخلط الأخلاقي والفلسفي والسياسي الواضح، حيث هناك خلط بين وقف الحرب ومنح الشرعية السياسية، وكأن هذا الموقف يقول ضمنًا: بما أن هناك مجموعة قادرة على استمرار الحرب، فيجب منحها الشرعية السياسية. وهذا استنتاج مغلوط ومشوه.نعم، قد يكون من الضروري التفاوض لوقف الحرب وحماية المدنيين مع كل الفئات المشاركة والمساهمة في عملية الدمار، ولكن ذلك لا يعني الاعتراف بحق هذا الطرف في تقرير مستقبل الدولة أو منحه شرعية سياسية دون شرط، حيث إن هناك فرقًا بين التفاوض لإنهاء القتال والتفاوض على شكل النظام السياسي القادم.ثانيًا، إن هذه المغالطة ستقود إلى أزمة أخلاقية، حيث إنها ستجعل القوة العسكرية مصدرًا للتشريع والشرعية، فيصبح جوهر هذا المفهوم أن من يملك السلاح يملك حق الجلوس بشروطه، ويصبح بذلك الانقلاب والدمار وسيلة ناجحة للعودة إلى العملية السياسية، وكأن الحرب تصبح أداة تفاوضية فعالة، والسلاح يصبح طريقًا مختصرًا للوصول إلى السلطة. وهذا الأمر يجب أن يكون محل إجماع لا نقاش فيه، حيث إن العنف لا يعطي الحق في العودة أو تشكيل مستقبل الوطن.ثالثًا، في هذه المغالطات هناك خلط بين النفوذ والحق. قد يكون صحيحًا أن المؤتمر الوطني له نفوذ داخل المؤسسة العسكرية ودور واضح في واقع الحرب، ولكن السؤال: هل امتلاك النفوذ يمنحه الحق السياسي فوق بقية القوى؟ إن كثيرًا من الأنظمة الاستبدادية امتلكت نفوذًا واسعًا داخل الدولة، ولكن الانتقال الديمقراطي لا يقوم استنادًا إلى الاعتراف بهذا النفوذ كمصدر للشرعية، بل يستند إلى عكس ذلك، أي إلى ضرورة إخضاع هذه المؤسسات لقواعد جديدة.رابعًا، يجب الانتباه إلى مغالطة أساسية، وهي أن السلام المؤقت الذي تقوم به بنية القهر وفق قوانينها إنما هو سلام يعيد إنتاج القهر، وليس سلامًا مستدامًا، حيث إن هناك فرقًا بين إيقاف العنف المؤقت وإزالة أسباب العنف. فالتفاوض إذا قام دون النظر إلى مفاهيم احتكار القوة، والإفلات من العقاب، وتفكيك بنية القهر، فإنه لن يقود إلا إلى إيقاف مؤقت للعنف، وستعود بعده الحرب بصورة أعنف ودمار لا يعرف أحد منتهاه. فإن الحرب قد تتوقف لفترة، ولكن ستبقى الآليات التي تنشئها قائمة.إذن فإن القضية ليست في الجلوس، بل في شروط الجلوس، حيث يجب ألا يكون الحوار محصورًا بين الجلوس معه دون شروط أو رفض الجلوس نهائيًا، فذلك طرح غير واقعي. بل إن ما هو مطروح هو أن الجلوس مفتوح للقوى السياسية، ولكنه مشروط بالالتزام المسبق بقواعد العملية السياسية.حيث إن أي تنازل أو قبول بوجود المؤتمر الوطني في العملية السياسية والتفاوض اليوم دون هذه الشروط هو نوع من السقوط الأخلاقي والسياسي، لأنه يستند إلى ابتزاز سياسي يقول ضمنًا: إما أن تقبلوا شروطنا أو تستمر الحرب. وهذه ليست دعوة للتسوية بقدر ما هي شكل من أشكال الابتزاز السياسي، لأنها تجعل استمرار العنف وسيلة للحصول على تنازلات سياسية.ومن ناحية موضوعية ومنطقية، فإذا نجحت هذه المعادلة مرة واحدة فإنها ستشجع على تكرارها مستقبلًا، وسيصبح من الصعوبة بمكان السيطرة على العنف ومنع استعماله في إدارة شؤون الدولة.نجد بعض الأصوات التوفيقية تدعو للقبول بهم كأفراد وليس تنظيمات وهي خطوة تحمل كل المخاطر والتراجع.إن التركيز على “الصفة الشخصية” وحدها قد يتحول إلى نوع من التحايل السياسي إذا استُخدم للالتفاف على شروط المساءلة وتفكيك بنية القهر.أن هذا المنطق قد يقود إلى تطبيع تدريجي يتم فيهإعادة إنتاج النفوذ القديم داخل الترتيبات الجديدة هنا تصبح المشكلة ليست في وجود أفراد بعينهم، بل في أن العملية السياسية تتحول من أداة لتفكيك بنية القهر إلى وسيلة لإعادة دمجها بصورة تدريجية.القضية ليست عضوية الأشخاص في المؤتمر الوطني من عدمها، بل موقفهم من المشروع الذي أنتج الاستبداد والحرب. فالمشاركة السياسية لا تُقاس بالصفة الشخصية، وإنما بالالتزام الواضح بالديمقراطية، ورفض الانقلابات العسكرية، والقبول بالمساءلة، وتفكيك بنية القهر. أما استخدام الصفة الشخصية للالتفاف على هذه القضايا فليس سوى محاولة لتطبيع المشروع القديم وإعادة إدخاله إلى المجال السياسي دون استيفاء شروط التحول الديمقراطي .في نفس الوقت يجب أن تستوعب كل قوى التغيير التمييز بين الواقع والمبدأ، وعدم الوقوع في المثالية، فالواقع قد يفرض التواصل مع أفراد أو أطراف متورطة في الحرب لوقف القتال، ولكن هناك فرق كبير بين الاعتراف بوجودهم كجزء من الواقع لمواجهته، والاعتراف بمشروعهم السياسي كمصدر مشروع للسلطة والسماح لهم بتنفيذه.حيث يجب أن يكون هناك وضوح سياسي يسمح بالتفاوض مع قوة موجودة على الأرض دون التنازل عن المبادئ المؤسسة للنظام السياسي القادم، حيث إن من يمتلك المقدرة على إشعال الحرب لا يمنحه ذلك حق تحديد شروط السلام أو شكل الدولة، لأننا إذا قبلنا بذلك فإننا ضمنًا نكون قد أسسنا لواقع ومستقبل يجعل من السلاح والحرب الطريقة الأكثر فاعلية للوصول إلى السلطة.لذلك فالقضية ليست رفض الحوار في ذاته، بل رفض تحويل القوة العسكرية إلى مصدر للشرعية السياسية، حيث إن التفاوض الذي لا يربط المشاركة السياسية بالمساءلة، ورفض الانقلابات، ودعم الدولة المدنية، وتفكيك بنية القهر، وسحب الامتيازات، وإنهاء العسكرة، قد يوقف حربًا اليوم، ولكنه يزرع الأساس الذي ينتج حروبا أخرى ويفتح الباب لدوامة من التنازع و التوحش والدمار The post عدا المؤتمر الوطني appeared first on صحيفة مداميك.