عزمي عبد الرازق يكتب: يذهب الذهب من حيث أتى.. مَن يحمي ثروات السودان؟

Wait 5 sec.

​لو كنتُ مسؤولاً في هذه الدولة، لأعلنتُ حالة الطوارئ الوطنية، وأوقفتُ التعدين عن الذهب في كل الأراضي السودانية، دون تردد، ولجهزتُ قواتٍ ضاربة لحماية مناطق التعدين والحفاظ على ثروات البلاد؛ لأن هذا المعدن النفيس يتعرض منذ سنوات لعمليات نهب منظمة وتجريف مستمر، ويُهرّب بكميات مهولة دون أن تستفيد منه الدولة الفائدة المرجوة، أو يظهر أثره في مشروعات التنمية، من طرق، وجسور، ومستشفيات، ومحطات كهرباء، كما لا يظهر أثره كذلك في الموازنة العامة. يذهب الذهب لأحلاف (كارتيلات)، ودول معادية، وجماعات مسلحة، تعمل على تنمية ثرواتها الشخصية، دون أن تنال الأقاليم التي يُستخرج منها — على الأقل — القدر اليسير من نصيبها، وفك ضائقتها.​يتراوح إنتاج السودان من الذهب تقريباً بين 64 إلى 70 طناً سنوياً، ويُعد التعدين الأهلي هو المحرك الأساسي بنسبة تتجاوز 80% من إجمالي الكميات المستخرجة وفقاً لتقارير رسمية. بينما يُقدّر الخبراء حجم الإنتاج الفعلي بأرقام أعلى بكثير قد تصل إلى نحو 100 طن، نظراً لوجود كميات هائلة تخرج بطرق غير رسمية، وكان قائد التمرد دقلو أكبر مهرب للذهب، عبر شركة الجنيد، وواجهات أخرى غير معروفة، تتحرك عبر خطوط طيران سودانية معروفة.​هذا التناقض يعني أن قيمة الذهب المهرب نقداً تقارب 4 مليارات دولار سنوياً، كما أن قيمة إجمالي الإنتاج الفعلي (100 طن) تبلغ حوالي 13.92 مليار دولار، وبالتالي فإن هناك ما لا يقل عن 4.1 مليار دولار ضائعة بشكل مباشر ومطلق عبر التهريب. والمثير للدهشة في هذا الأمر، أنك لا تدري هل تبكي على القيمة المُهربة، أم تسأل عن الـ 13 مليار دولار الكفيلة بأن تحوّل السودان إلى جنة؟!​والأدهى من ذلك، أن الـ 70 طناً المسجلة “رسمياً” لا تدخل قيمتها كاملة (والتي تُقدّر بـ 9.7 مليار دولار) إلى خزينة البنك المركزي السوداني، بل يذهب معظمها كأرباح لشركات الامتياز والتجار، ولا تجني منها الدولة سوى عوائد ضئيلة ورسوم هزيلة لا تتعدى كسوراً من هذا المبلغ، والحال هكذا منذ سنوات، فيا للهول والمصيبة!​دعونا من الأرقام الفلكية الكبيرة، نريد من هذه الثروة 7 مليارات دولار فقط، لتعديل كفة الميزان التجاري، وحماية العملة الوطنية المنهارة، وتوفير الوقود والدواء، ومنع المضاربات وتجار الأزمات — عليهم من الله ما يستحقون.​لقد تحول ذهب السودان إلى وقود يغذي جيوش الفساد وأحلاف الجشع التي تكنز الثروات فوق جماجم البؤساء، بينما ترزح الأقاليم المنتجة تحت وطأة الفقر والتهميش، وكأنها لا تنال من ثروة أرضها إلا غبار المناجم وأمراض الزئبق والسيانيد، كما أن هؤلاء المرتزقة والوكلاء الإقليميين لا يرون في السودان وطناً، وإنما مجرد “جمهورية موز” أو منجم مفتوح للاستباحة؛ فلا حدود تُحترم، ولا سيادة تُصان، وطالما ظل الذهب يتدفق في جيوبهم، فستظل بلادنا تحترق وتُخترق، وسوف تستمر الدول المعادية في دعم التمرد لإطالة أمد الفوضى، حتى تحصل على هذه الثروة، وينضب المعين، وبالتالي يتحول، أو بالأحرى تحول ذهبنا من نعمة إلى نقمة.​لذلك.. فإن المطلوب اليوم، وبأعجل ما تيسر: إعلان حالة الطوارئ الوطنية، وإيقاف عمليات التعدين مؤقتاً، حتى يتسنى للدولة تكوين شركات وطنية تحتكر هذا المعدن السيادي، وتمنع التهريب، وتوظف هذه الثروة بالكامل في معركة التنمية، والكرامة، والبناء.