الكنينة… بنت بلة

Wait 5 sec.

يوسف الغوث ..ليس هنالك اعظم من لحظة التقاء الخفاء بالظهور وانحسار اغشية الستر عن وجه المعاني،،،فتلك هي لحظة (كن) في حلتها البهية والتي لا تخلق الأشياء فحسب بل تخلق معها دهشة الوجود كله،،ان الكلمات تنبت في رحاب اللغة العربية كما النخيل في الواحات، او كما الورود في حديقة موصده،،لا تراها العيون بل يفوح عطرها في الافاق..تبرز مفردة (الكنينة) كجوهرة لغوية تحمل في طياتها معاني الستر والعفة والجمال المصون . فهذه اللفظة التي تبدو وكأنها مقطوفة من حدائق الفصحى، تروي قصة انتقال ساحر بين المعاجم العربية الفصيحة واللهجات الشعبية، لتستقر أخيراً في وجدان الأغنية التراثية السودانية أيقونةً غزلية خالدة…..يرتد الجذر اللغوي لكلمة (الكنينة) إلى الفعل الثلاثي( كَنَّ) الذي يدل في عمقه على الستر والحفظ والتغطية، ومن هذا المعنى الأصيل تتفرع مفاهيم متصلة كالكِنّ الذي يعني المسكن والملجأ، والأكنّة التي وردت في القرآن الكريم للإشارة إلى الأغطية الساترة للقلوب، والكنان الذي يحمي السهام من التلف. وفي هذا الإطار اللغوي الخصب، تُطلق (الكنينة) في المعاجم الفصحى على المرأة المصونة المستورة التي تلازم خدرها عفةً وكرامة، لتكون الكلمة مرآة تعكس قيماً اجتماعية وإنسانية نبيلة ارتبطت بالمجتمعات العربية منذ القدم…غير أن هذه المفردة لم تظل محصورة في بطون المعاجم، بل عبرت حدود الفصحى إلى ساحات اللهجات العامية، فتغيرت دلالاتها قليلاً لتلائم السياقات الاجتماعية المختلفة. ففي بلاد المغرب العربي، وتحديداً في تونس والجزائر والمغرب، تحورت الكلمة لتصبح (لْكَنَّة) أو الْكِنِينَة، ثم أصبحت تطلق على زوجة الابن، في إشارة ذكية إلى المرأة الجديدة التي دخلت ستر العائلة وأصبحت جزءاً من مكنون الدار وحماها، محتفظة بجوهرها اللغوي المرتبط بالحفظ والرعاية مع انتقالها إلى سياق اجتماعي مغاير….لكن الرحلة الأكثر إدهاشاً لهذه الكلمة تبدأ حين تغادر دلالاتها المعجمية المباشرة لتستقر في نصوص الغناء التراثي السوداني، حيث يلتقطها الشاعر الخالد مصطفى ود النزيهة فيحولها إلى مطلع لوحة غزلية رفيعة المستوى ،، (أغنية الكنينة يا رطب الجنينة)،،،،فالكنينة كانت مستورة في اللغة،،محفوظة في بيوت المعاجم،،،لا يمر بها الا من كان من أهل الذكر،،في هذا النص الشعري الرائع، تتجرد الكنينة من كونها مجرد اسم لامرأة، لتصبح رمزاً متكاملاً للجمال النادر والعفة والأنوثة الطاغية، ويصوغ الشاعر تشبيهاً يفيض عذوبة بربط محبوبته برطب الجنينة فالرطب هو أطيب ثمار النخيل وأنضجها،واحلاها،وهو ثمر لا يقطف الا في اوانه،،ولا ينال الا بجهد ومشقة ،، والجنينة هي البستان المروي الغنّاء وهي جنة مصغرة، وكأني بالشاعر برفع مقام محبوبته إلى مصاف الأشياء النقية الثمينة التي لا تنال إلا بأيدٍ حانية وقلوب صافية…يتنقل ود النزيهة في نسيج أغنيته بين أوصاف بديعة تجمع بين رقة اللفظ وعمق الإحساس، فيصف دلال المحبوبة وحركتها الرشيقة عبر تشبيهات مستقاة من البيئة الطبيعية كالشتلة الدقاقة والغصن المايل، ثم يضفي عليها أريجاً عاطراً من خلال وصفها بالمحلب الشايل، متوقفاً عند أثر هذا الجمال الأخاذ في القلوب وفتنته التي أسرت العامة والخاصة على السواء.،وفي غمرة هذا الغزل العفيف، لا ينسى الشاعر أن يضفي على نصه لمسة شجن فلسفية سودانية أصيلة، حيث يتذكر حتمية الفراق وتقلبات الأيام مستحضراً محطة شندي كرمز للرحيل واللوعة، مما يمنح الأغنية عمقاً درامياً ووجدانياً يرفعها فوق مجرد قصيدة غزل إلى عمل فني يحمل رؤية للحياة بكل تناقضاتها.ان هذا الثراء الموضوعي والجمالي في كلمات الأغنية وجد صدىً واسعاً في الأداء الغنائي، حيث تبارى في تقديمها عمالقة الفن السوداني يتقدمهم الفنان الراحل علي إبراهيم اللحو الذي أكسبها شهرة واسعة بأدائه الأخاذ، ثم الفناناحمد محمد عوض الذي أضاف إليها نكهته الخاصة، وصولاً إلى الأصوات المعاصرة كجمال فرفور وشبارقة الذين حافظوا على هذا الإرث نابضاً في حفلاتهم ومجالسهم، مكرسين بذلك مكانة الكنينة كأيقونة غنائية تتجدد مع كل جيل….إن هذه الرحلة المدهشة لكلمة الكنينة من بطون المعاجم اللغوية إلى حناجر الفنانين وقلوب المستمعين، تكشف عن عبقرية اللغة العربية وقدرتها على التجدد والتكيف، وتبرز دور التراث الشعبي في إعادة إنتاج الفصحى في قوالب إبداعية تنبض بالحياة وتلامس الوجدان….إن مفردات وكلمات الكنينبة قصة تثبت أن الفنون الأصيلة هي التي تنبت من تربة البيئة وتتغذى بماء العفة والجمال، لتبقى ناضجة وعذبة كرطب الجنينة التي لا تذبل على مر الزمان ولا تفقد بريقها أمام متغيرات العصر، بل تظل شاهدة على قدرة الإنسان السوداني في تحويل مفردات حياته اليومية إلى كنوز خالدة في سماء التراث والجمال…….The post الكنينة… بنت بلة appeared first on صحيفة مداميك.