مهدي داود الخليفةأثارت الأنباء المتداولة بشأن استهداف مناطق التعدين الأهلي في شمال السودان، وما نتج عنها من سقوط ضحايا وجرحى بين المدنيين السودانيين، حالة من الحزن والغضب المشروع لدى قطاعات واسعة من السودانيين. وتزداد خطورة هذه الحادثة مع ما يُثار من معلومات واتهامات تتعلق بضلوع جهات عسكرية مصرية في تلك العمليات، وهي اتهامات تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشفافاً يكشف الحقائق كاملة ويضع حداً لحالة الغموض التي تحيط بالحادث.إن القضية المطروحة اليوم ليست قضية سياسية عابرة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد حادث حدودي يمكن تجاوزه بالصمت أو التجاهل. فحين تُراق دماء مواطنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة، ومن واجب الدولة أن تدافع عن مواطنيها وأن تطالب بالتحقيق والمساءلة، أياً كانت الجهة المتورطة في الحادث.لقد ظلت العلاقات السودانية المصرية تمثل نموذجاً للعلاقات التاريخية المتجذرة بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصالح المشتركة. وخلال سنوات الحرب السودانية الأخيرة فتحت مصر أبوابها لمئات الآلاف من السودانيين الذين أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح واللجوء، ووجد كثير منهم معاملة كريمة واستقبالاً يعكس عمق الروابط بين الشعبين. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاوزها.غير أن قوة العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بما تقدمه من دعم وتعاون في أوقات الأزمات، وإنما تُقاس أيضاً بقدرتها على مواجهة المشكلات بشفافية واحترام متبادل. فالصداقة الحقيقية بين الدول والشعوب لا تعني التغاضي عن الأخطاء أو الصمت على الانتهاكات، بل تعني معالجة الأزمات بصورة مسؤولة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.ومن المعروف أن هناك قضايا حدودية عالقة بين السودان ومصر لم تُحسم بصورة نهائية منذ عقود، كما شهدت المناطق الحدودية في فترات مختلفة احتكاكات وحوادث متفرقة استدعت التدخل السياسي والدبلوماسي لمعالجتها. غير أن وجود خلافات حدودية أو تحديات أمنية لا يمكن أن يشكل مبرراً لاستهداف المدنيين أو تعريض حياتهم للخطر، لأن حماية المدنيين تظل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يسقط تحت أي ظرف.وإذا كانت بعض التصريحات الرسمية لمسؤولين سودانيين قد أشارت إلى أن الحادثة تأتي في سياق سلسلة من الإشكالات الحدودية السابقة، فإن ذلك يفرض على حكومتي السودان ومصر التعامل معها بأعلى درجات الجدية والمسؤولية. فكل تأخير في كشف الحقائق أو تقديم رواية رسمية واضحة يفتح الباب أمام الشائعات والتفسيرات المتضاربة، ويزيد من حالة الاحتقان والغضب الشعبي.كما أن ما يُثار في بعض الأوساط السودانية حول وجود مصالح اقتصادية مرتبطة بمناطق التعدين التي تعرضت للاستهداف يطرح تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات واضحة. فقد تداولت وسائل إعلام ومنصات حقوقية معلومات تتعلق بامتيازات تعدين مُنحت لشركات استثمارية تعمل في قطاع الذهب، وما إذا كانت هناك صلة بين تلك الامتيازات والأحداث الأخيرة. ومهما تكن صحة هذه المزاعم، فإن الطريق الوحيد لحسمها هو تحقيق مستقل وشفاف يستند إلى الأدلة والوقائع، لا إلى الاتهامات أو الاستنتاجات المسبقة.إن السودانيين لا يطالبون بالتصعيد ولا يسعون إلى خلق أزمة مع مصر، كما أنهم يميزون بين العلاقات التاريخية الراسخة مع الشعب المصري وبين أي سياسات أو إجراءات قد تكون محل خلاف أو انتقاد. لكنهم في الوقت نفسه يرفضون أن تتحول دماء مواطنيهم إلى مجرد أرقام تُنسى مع مرور الوقت، أو أن تضيع بين الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية.لقد قدم السودان عبر تاريخه تضحيات كبيرة من أجل المصالح المشتركة بين البلدين. ويكفي أن نتذكر ما تحمله أهالي وادي حلفا من تهجير وفقدان لأرضهم وتراثهم في إطار مشروع السد العالي، في خطوة جسدت روح التعاون والتضامن بين الشعبين. ولم تكن تلك التضحيات تعبيراً عن ضعف أو تنازل عن الحقوق الوطنية، وإنما كانت تجسيداً لإيمان السودانيين بأهمية العلاقات الأخوية مع مصر.ولهذا فإن الحفاظ على هذه العلاقات التاريخية يتطلب اليوم موقفاً شجاعاً ومسؤولاً يقوم على كشف الحقيقة واحترام حق الضحايا في العدالة. فالتستر على الوقائع أو تجاهلها لن يخدم أياً من البلدين، بل قد يؤدي إلى تراكم مشاعر الغضب وفقدان الثقة على المستوى الشعبي، وهو ما لا يصب في مصلحة السودان أو مصر.إن المطلوب اليوم هو إجراء تحقيق مستقل وشفاف حول ملابسات الحادثة، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، وإطلاع الرأي العام على النتائج، وتعويض الضحايا وأسرهم، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً. كما أن من واجب السلطات السودانية أن تتعامل مع القضية بما تستحقه من اهتمام وجدية، وأن تضع حماية المواطنين وصون السيادة الوطنية في مقدمة أولوياتها.فالسيادة الوطنية ليست شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، وإنما مسؤولية مستمرة تقتضي حماية الأرض والمواطن معاً. كما أن العلاقات الأخوية بين الدول لا يمكن أن تقوم على تجاهل معاناة الضحايا أو تجاوز حقوقهم المشروعة.إن القضية المطروحة اليوم ليست قضية خلاف بين السودان ومصر بقدر ما هي قضية عدالة وكرامة إنسانية. والسودانيون لا يطلبون سوى الحقيقة، ولا يطالبون بأكثر من إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات قد تكون وقعت.فالدم السوداني لا ينبغي أن يضيع هباءً تحت أي ظرف، والعدالة للضحايا ليست تهديداً للعلاقات السودانية المصرية، بل هي الضمان الحقيقي لاستمرارها على أسس من الاحترام المتبادل والثقة والتعاون بين شعبين تربطهما علاقات أعمق وأبقى من أي أزمة عابرة.The post العلاقات السودانية المصرية: العدالة أولا قبل ان تتسع الجراح appeared first on صحيفة مداميك.