ما بعد الحرب: هل تعود السودانوية كحل أخير لأزمة الهوية في السودان؟ (الجزء الثاني)

Wait 5 sec.

عاطف عبد اللهبعد عقود من محاولات فرض الهويات الأحادية التي أثبتت الحرب الأخيرة عدم قدرتها على حماية تماسك الدولة، يبرز مشروع “السودانوية المتجددة 2026” كضرورة سياسية تتجاوز الاستدعاء الرومانسي لأطروحات الماضي. إنها محاولة للانتقال من منطق “الغلبة” إلى منطق “الشراكة”.أولاً: المعادلة الرياضية للهوية السودانية حسب الرؤية القرنقيةلم تكن السودانوية في جوهرها مجرد شعار سياسي، بل هي نتاج “معادلة رياضية” دقيقة حاول العقيد جون قرنق من خلالها تفسير كينونة هذا الوطن. تنص المعادلة على أن الهوية السودانية (س) هي محصلة تفاعل ثلاثة عناصر أساسية:• عنصر (أ): التنوع التاريخي الذي يمتد بجذوره إلى الحضارات السودانية القديمة والسكان الأصليين منذ ما قبل التاريخ.• عنصر (ب): التنوع المعاصر المتمثل في التركيبة الثقافية والاجتماعية الحالية بكل تعقيداتها.• عنصر (ج): المؤثرات الخارجية والتفاعل الثقافي العالمي الذي لا ينفصل عنه السودان.بهذا المعنى، تصبح “السودانوية” هي القيمة المضافة التي تفوق مجموع أجزائها المنفردة، مما يجعلها عصية على الاختزال في بُعد واحد.ثانياً: الانصهار الطبيعي لا الإقصاء الأيديولوجيعزز المفكر د. منصور خالد هذا الطرح بتأكيده أن القاع الاجتماعي للسودان ليس ساحة للصراع بين “العروبة” و”الزنجية”، بل هو مساحة للانصهار التاريخي. لقد وصف السودانوية بأنها نتاج “عروبة تنوبت وتزنجت، ونوبة تعربت”.ويرى خالد أن العلاج الناجز لمأزق الهوية يكمن في اعتماد المواطنة القائمة على “حق الأرض” و”حق الدم” معاً، ليتوحد السودانيون كشعب واحد بالمفهوم السياسي، بدلاً من التشرذم داخل الهويات الصغرى التي لم تنتج سوى الكوارث والإقصاء المتبادل.ثالثاً: تحديات الواقع وما وراء الانفصالواجهت فكرة السودانوية تحديات وجودية، كان أبرزها انفصال جنوب السودان عام 2011. ورغم أن البعض اعتبر الانفصال شهادة وفاة للمشروع، إلا أن قراءة واقع ما بعد الحرب تؤكد أن الأزمة لم تكن في الفكرة ذاتها، بل في البنية السياسية القديمة التي قاومتها.إن الحرب الحالية تثبت أن الشمال السوداني ليس كتلة متجانسة كما صورته الخطابات الأحادية؛ فالتعددية الإثنية والجغرافية في دارفور وكردفان والشرق والشمال والوسط لا تزال قائمة وتطلب اعترافاً بها. لذا، فإن “السودانوية المتجددة 2026” تطرح اليوم كحل لإنقاذ ما تبقى من السودان من خطر الانهيار التام والتشظي.خلاصة الجزء الثانيإن السودانوية المطلوبة اليوم ليست نسخة حرفية من الماضي، بل هي تطوير جديد يعترف بالتنوع كواقع، ويؤسس لمواطنة متساوية تعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة. إنها الفكرة الكبرى الوحيدة القادرة على تحويل السودان من مجرد جغرافيا متصارعة إلى وطن “موحد الوجدان ومتصالح مع نفسه”.وإلى جميل الملتقى في الجزء الثالثفي الجزء القادم: “ديمقراطية الثقافة” – كيف ننتقل من “تنوع الوحدة” إلى “وحدة التنوع”؟The post ما بعد الحرب: هل تعود السودانوية كحل أخير لأزمة الهوية في السودان؟ (الجزء الثاني) appeared first on صحيفة مداميك.