المنصات الرقمية السودانية… فضاء للحوار أم ساحة لتصفية الحسابات

Wait 5 sec.

رندا عبد اللهاتساقا مع واقع الحرب المستمرة، يلاحظ مراقبون أن لغة النقاش في الفضاء العام أخذت منحى أكثر توترًا وحدة، وهو واقع لم يعد جديدا على السودانيين غير أن الظاهرة، التي كانت في السابق تقتصر غالبا على سجالات العامة، تمددت خلال الفترة الأخيرة لتتصدرها شخصيات عامة وأخرى مؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، في مشهد يرى متابعون أنه يعكس تراجعا ملحوظا في طبيعة الخطاب وحدود الاختلافوبمقاربة سريعة لانحدار لغة الخطاب العام، يلحظ المتابع تراجعا ملحوظا ، في وقت تتباين فيه تحليلات المختصين الا ان الاتفاق العام يشير بوضوح لتنامي الظاهرة ووصولها لمستويات غير معتادة۔نظريا ۔۔ يمكن الاسقاط علي عدة حالات يمكن ايرادها كأمثلة، لعل اخرها ما صدر عن الفنانة ندى القلعة حيث اطلقت بثاً مباشراً بدت فيه أقل حدة وأكثر ارتباكاً من المعتاد، وذلك بعد ساعات فقط من حملة عنيفة شنها عليها ناشطين محسوبين على أحد الأطراف المنخرطة في الحرب.وتعرضت القلعة لهجوم عنيف لم يقتصر علي الخلاف السياسي، بل انحدر إلى عبارات بذيئة طالت حياتها الخاصة وأسرتها بصورة جارحة۔مبعث الهجوم جاء كرد فعل عقب مقطع فيديو انتقدت فيه الأطراف المسلحة التي يخوض مؤيدوها معارك موازية لا تقل ضراوة علي معارك السلاح، ولكن هنا ميدان المعركة هو “منصات التواصل الاجتماعي”اللافت في الامر ان القلعة سارعت عقب سيل الهجوم الاسفيري الجارف ناحيتها، سارعت للظهور معتذرة، واصفة ما جري بحقها بانه “مساعٍ للفتنة” بين القوات المسلحة والقوات المساندة لها، في تحول رأى كثيرون أنه جاء تحت وطأة ذلك الخطاب العنيف.هذه الحادثة، وعلي سياق ما اسفرت عنه يمكن اعتبارها لقطة خاطفة من مشهد اكثر اتساعا يصنفه متابعون بانه انعكاس فعلي لتدهور لغة النقاش العام، وتجبنا للغة المباشرة والاستعاضة عنها بما يعرف في العامية السودانية بـ”المغارز”، وهي لغة تستند على الطعن غير المباشر، والتقليل من الخصم والإيحاءات الشخصية، تلميحا لا تصريحا، بدلا عن مناقشة الفكرة نفسها.ثمة كوابح قانونية للحد من مثل هذه الظواهر، حيث سنت الحكومة قبل سنوات قانون يختص بجرائم المعلوماتية، في خطوة للحد من تجاوزات الاسافير وتعديها علي الخصوصيات الشخصية للأفراد بلغة غير لائقة، ومع تلك المحاذير القانونية الا ان الفضاء العام ما يزال مسموما بخطاب ينافي الذوق العام۔محاذير قانونية.ثمة محاذير قانونية يلفت النظر اليها المحامي المعز حضرة، حيث أوضح أن أي اساءات أو تحريض أو نشر لخطاب الكراهية يعد مخالفا للقانون، سواء كان بموجب جرائم المعلوماتية أو القانون الجنائي.يقول حضرة لمداميك ، أن الأصل في مثل هذه القضايا أن تضطلع مؤسسات الدولة “من النيابة العامة الى مجلس الصحافة والمطبوعات” والجهات المنظمة للنشر، بوضع ضوابط واضحة وإطار مهني يحد من الانفلات، كما يحدث في “الدول التي تحترم مؤسساتها”، بحسب تعبيره.ويضيف أن المشكلة ــ من وجهة نظره ــ لا تكمن فقط في غياب الضبط القانوني، بل في “الانتقائية” في تطبيقه، قائلا أن القوانين تفعل غالباً ضد المعارضين السياسيين أو الأصوات الرافضة للحرب، بينما يغض الطرف عن خطابات وتصرفات تصدر من شخصيات عامة وفنانين وناشطين يتبنون خطابا ينسجم مع توجهات المعسكر المؤيد للقتال.ويرى حضرة أن بعض مؤسسات الدولة نفسها باتت جزءاً من حالة الاستقطاب، مستشهداً بتصريحات صدرت من مسؤولين وولاة حول ما عُرف بـ“قانون الوجوه الغريبة”، إلى جانب ممارسات وخطابات تصدر من مجموعات مرتبطة بالإسلاميين تستهدف أشخاصاً على أساس الانتماء الجغرافي أو الاثني.ويعتبر أن استمرار الصمت الرسمي تجاه هذه الخطابات يعكس انحدارا في مؤسسات الدولة وانهيارا لدورها الرقابي، مضيفا أن الحرب الحالية تمثل الوقود الأكبر لهذا التدهور، وأن وقف الحرب وعودة مؤسسات الدولة للعمل بصورة مهنية ومحايدة يمثلان ــ بحسب رأيه ــ شرطاً أساسياً لوقف حالة الانفلات وخطاب الكراهية المتصاعد على منصات التواصل.اغتيال شخصيةبنظرة فاحصة للفضاء الاسفيري، يلحظ المتابع عشرات الأمثلة لحالات من الاغتيال المعنوي لشخصيات بعينها، وهي مهام يقوم بها افراد مجندون خصيصا للنيل من خصومهم السياسيين وتشويه صورتهم.المحامية والناشطة السياسية حنان حسن تُعد من أكثر الشخصيات التي تعرضت للتنمر في وسائط للتواصل الاجتماعي، بالسخرية من الملامح والشكل خلال فترة الحرب، وكذلك الكاتب الصحفي حسين خوجلي في وقت انصرفت فيه بعض النقاشات على المنصات من مناقشة الأفكار والمواقف إلى السخرية الشخصية والتقليل من الخصوم عبر ما يُعرف شعبياً بـ”المغارز”.كما برزت حالات مشابهة طالت نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف، الذي ظل يُلقب بـ”خالد سنة” في كثير من السجالات، دون التركيز على مناقشة آرائه أو مواقفه السياسية بصورة موضوعية. كذلك تعرض الصحفي مزمل أبو القاسم في إحدى الحلقات التلفزيونية لسخرية علنية، حين قيل على سبيل التهكم إنه نال شهادة الدكتوراه “من السوق العربي”، بدلاً من مناقشة طرحه بشكل مهني.ومن جهتها، قالت حنان حسن في تصريحات صحفية قبل فترة إن الهجوم الذي تتعرض له يرتبط بطبيعة النظرة الاجتماعية للمرأة في المجال العام، موضحة أن “العقل الجمعي يختزل المرأة في أدوار جسدية وأسرية يحددها الرجل”، لذلك – بحسب قولها – فإن كثيراً من الإساءات التي تطالها تركز على شكلها الشخصي أو حالتها الاجتماعية، عبر عبارات تركز على وضعها الاجتماعي أو أنها “بحاجة إلى وصاية عاطفيةوأضافت أن الهجوم يتصاعد بصورة أكبر عندما تتناول المرأة قضايا الدين أو السياسة، معتبرة أن بعض التيارات “تتعامل مع الدين وكأنه حكر على الرجال”، وأن المرأة حين تدخل المجال العام وتنافس في النقاش السياسي تُواجه بحملات إسكات وتشويه أكثر من مواجهة أفكارها نفسها.ورأت أن هذا النوع من الخطاب لا يستهدف الأفراد فقط، بل يستخدم أحياناً للضغط السياسي والإقصاء داخل التحالفات والقوى السياسية، عبر تصوير الشخص المستهدف باعتباره “خصماً على الثورة أو على الكيان الذي ينتمي إليه”. وأكدت أنها تركز في خطابها على الدعوة لوقف الحرب ورفض العنصرية والكراهية، مضيفة أن ما وصفته بـ”اللجان الإلكترونية” تسهم في تسميم النقاش العام ونشر خطاب الشتائم، بينما تحاول – بحسب تعبيرها – الحفاظ على خطاب ثابت لا يقوم على الإساءة الشخصية أو الرد على الشتائم.رواج للإسفافولم تعد هذه اللغة مقتصرة على ناشطي المنصات، بل امتدت إلى سياسيين وإعلاميين ومسؤولين رسميين.قبل فترة درج وزير مثير للجدل في الحكومة درج على نشر تدوينات مبطنة تستهدف خصوماً داخل السلطة نفسها، بينها منشورات فُهم أنها موجهة إلى رئيس الوزراء كامل إدريس.ويوضح ناشطون سياسيون أن هذا الأسلوب سبق الحرب نفسها، وظهر بوضوح منذ ما قبل انقلاب أكتوبر، حين تحولت المناسبات العامة — من بيوت العزاء إلى الاحتفالات الاجتماعية — إلى منصات لتبادل الرسائل السياسية.لغة سيئةلكن آلاء محمد إبراهيم عضو حزب المؤتمر السوداني تقول إن اللغة بين المختلفين سياسياً أصبحت أسوأ بكثير بعد اندلاع الحرب، معتبرة أن ذلك ليس مستغرباً في ظل واقع “تغلب عليه الانتهاكات والإفلاس السياسي”.يقول ناشطون أن هذا الخطاب بات منتشراً بصورة كبيرة وسط من دخلوا المجال السياسي عبر “التيك توك” والبثوث المباشرة، حيث يتحول أي خلاف إلى هجوم على الأسرة والحياة الشخصية بدلاً من مناقشة الرأي نفسه.من جانبها توضح آلاء أن بعض الناشطات والناشطين انتهجوا هذا الأسلوب خلال الفترة الأخيرة، خاصة داخل المعسكرات المؤيدة للحرب، قبل أن ينتقل — كرد فعل — إلى بعض القوى المدنية.وتقول إن استخدام “المغارز” لا يأتي دائماً بغرض التصفية السياسية، إذ قد يُستخدم أحياناً في النقد أو الفكاهة، مستشهدة برسومات الكاريكاتير والإسكتشات الساخرة التي تحمل رسائل سياسية مضحكة، لكنها تؤكد في المقابل أن قطاعات واسعة من المجتمع — خصوصاً المحافظ — تنفر من هذا النوع من الخطاب، لأنه يتجاوز حدود الذوق العام ويقترب من الإساءة المباشرة۔The post المنصات الرقمية السودانية… فضاء للحوار أم ساحة لتصفية الحسابات appeared first on صحيفة مداميك.