عبدالمجيد قرشيالحرب لا تُقاس فقط بعدد المعارك أو حجم الدمار الذي تُحدثه الأسلحة، وإنما تُقاس أيضاً بحجم الألم الإنساني الذي تتركه في حياة الناس. ومن أكثر الملفات التي تجسد هذا الألم في السودان اليوم قضية الأسرى والمفقودين، وهي قضية تجاوزت حدود السياسة والعسكر، وأصبحت جرحاً إنسانياً مفتوحاً يمس آلاف الأسر التي تعيش منذ سنوات بين الانتظار والخوف وفقدان الأمل. فمع استمرار الحرب وتعقّد المشهد، ظل ملف الأسرى معلقاً دون حلول حقيقية، بينما تتفاقم المعاناة يوماً بعد يوم في صمت موجع.لقد مرّت ثلاث سنوات على هذه الحرب، وخلال هذه الفترة تزايدت أعداد الأسرى والمحتجزين من مختلف الأطراف، في ظل غياب المعلومات الدقيقة عن أماكن احتجاز كثير منهم أو أوضاعهم الصحية والإنسانية. بعض الأسر لا تعرف حتى اليوم ما إذا كان أبناؤها على قيد الحياة أم لا، وأصبحت تعيش في دائرة لا تنتهي من القلق والترقب. هذه المعاناة اليومية لا تقل قسوة عن الحرب نفسها، لأن الإنسان عندما يفقد القدرة على معرفة مصير أحبائه يعيش نوعاً دائماً من العذاب النفسي الذي يستنزف الروح والعقل معاً.ومع طول فترة الاحتجاز، تحولت أوضاع كثير من الأسرى إلى مأساة إنسانية حقيقية. فهناك تقارير وشهادات تتحدث عن احتجاز بعض الأسرى في مناطق خطرة أو حساسة، الأمر الذي يجعلهم عرضة للموت في أي لحظة، بل ويثير مخاوف من استخدامهم كدروع بشرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الأسير إنساناً فاقداً لأبسط حقوقه في الأمان والحماية والرعاية، بينما تستمر أسرته في الخارج تحت ضغط نفسي هائل، عاجزة عن فعل أي شيء سوى الانتظار والدعاء.ولا تقف آثار الأسر عند الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية عميقة قد تبقى لسنوات طويلة حتى بعد انتهاء الحرب. فالعزلة، والخوف، والتعذيب النفسي، والحرمان من التواصل مع الأهل، والشعور الدائم بعدم اليقين، كلها عوامل تؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة مثل الاكتئاب والقلق والصدمات النفسية وفقدان الإحساس بالأمان. كثير من الأسرى يخرجون من المعتقلات وهم يحملون جروحاً لا تُرى بالعين، لكنها تظل محفورة داخلهم لسنوات وربما مدى الحياة. كما أن أسرهم نفسها تعيش حالة من الانهيار النفسي والاجتماعي نتيجة الانتظار الطويل والضغوط الاقتصادية والخوف المستمر.وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية، يصبح الحديث عن الرعاية الصحية والزيارات الطبية أمراً بالغ الأهمية. فهناك أسرى يعانون من أمراض مزمنة أو إصابات أو حالات نفسية تتطلب علاجاً عاجلاً، بينما يفتقد كثير منهم إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية. لذلك فإن السماح بالزيارات الطبية المنتظمة، وتوفير العلاج والرعاية النفسية، والسماح بالتواصل مع الأسر، كلها حقوق إنسانية أساسية لا ينبغي أن تخضع للحسابات السياسية أو العسكرية. كما أن تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز بصورة منتظمة يُعد خطوة ضرورية لحماية الأسرى وضمان الحد الأدنى من كرامتهم الإنسانية.إن قضية الأسرى لا يمكن أن تُحل بمنطق الانتقام أو الكراهية، لأن استمرار هذا الملف مفتوحاً يعمّق جراح المجتمع ويزيد من حالة الانقسام والعداء. لذلك فإن أي حديث جاد عن الحوار أو السلام أو بناء الثقة يجب أن يبدأ أولاً بحسن النوايا تجاه هذا الملف الإنساني المؤلم. فالإفراج عن الأسرى، أو على الأقل تحسين أوضاعهم الإنسانية وكشف مصير المفقودين والسماح بالزيارات والتواصل، يمكن أن يشكل بداية حقيقية لتخفيف الاحتقان وفتح أبواب للحلول.لقد أثبتت تجارب الحروب في العالم أن المجتمعات لا تتعافى بسهولة من آثار الاعتقال والانتهاكات الإنسانية، لأن الألم الذي يتركه هذا الملف يمتد إلى الأجيال القادمة. ولذلك فإن التعامل الإنساني مع الأسرى اليوم ليس فقط واجباً أخلاقياً وقانونياً، بل هو أيضاً استثمار في مستقبل السودان نفسه. فالأوطان لا تُبنى فوق آلام الناس، ولا يمكن أن يتحقق سلام حقيقي بينما آلاف الأسر تعيش في القهر والانتظار والخوف على مصير أبنائها.وفي النهاية، تبقى قضية الأسرى اختباراً حقيقياً لإنسانية الجميع. فمهما كانت الخلافات السياسية أو العسكرية، يظل الإنسان إنساناً له حق الحياة والكرامة والعلاج والتواصل مع أهله. ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس فقط بيانات أو شعارات، بل خطوات عملية عاجلة تُخفف من معاناة الأسرى وأسرهم، وتعيد لهذا الملف البعد الإنساني الذي غاب وسط ضجيج الحرب الطويلة. The post قضية الاسري والمفقودين هذا الملف الإنساني المؤلم .. appeared first on صحيفة مداميك.