ثلاثون يونيو… بين انقلاب الأمس وحرب اليوم

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةيأتي الثلاثون من يونيو هذا العام والسودان يمر بأصعب مراحله منذ استقلاله. فهو ليس مجرد تاريخ في الذاكرة الوطنية، بل محطة تستدعي التأمل والمراجعة واستخلاص الدروس. ففي مثل هذا اليوم من عام 1989 دخل السودان مرحلة جديدة بانقلاب عسكري أطاح بالنظام الديمقراطي، لترتسم بعدها ثلاثة عقود من الحكم الشمولي، والحروب، والانقسام السياسي، وتآكل مؤسسات الدولة.لكن إرادة السودانيين لم تستسلم لذلك الواقع. ففي الثلاثين من يونيو عام 2019 خرج الملايين في مختلف مدن السودان ليستعيدوا روح الثورة و ليؤكدوا أن الشعوب قادرة على استعادة زمام المبادرة، وأن الثورة لم تكن حدثاً عابراً، وإنما تعبيراً عن تطلع عميق لبناء دولة الحرية والسلام والعدالة.واليوم، وبعد سنوات قليلة من تلك اللحظات الملهمة، يجد السودانيون أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة. فقد تحولت البلاد إلى ساحة حرب مدمرة، وانهارت مؤسسات الدولة، وتشرد الملايين، وتراجعت الخدمات الأساسية، بينما أصبح المواطن هو الخاسر الأكبر في معركة لا رابح فيها.إن ذكرى الثلاثين من يونيو هذا العام لا ينبغي أن تكون مناسبة لتبادل الاتهامات أو استدعاء مرارات الماضي، بل فرصة وطنية لمراجعة المسار الذي أوصل السودان إلى هذا الوضع المأساوي. فالأزمات الكبرى لا تنشأ من قرار واحد، وإنما تتراكم نتيجة أخطاء سياسية متواصلة، وإقصاء متبادل، وغياب المشروع الوطني الجامع.لقد أثبتت التجربة السودانية أن الانقلابات العسكرية، مهما رفعت من شعارات، لا تستطيع بناء دولة مستقرة، كما أثبتت أيضاً أن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن ينجح في ظل الانقسام السياسي، وضعف المؤسسات المدنية، وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية.والحرب الدائرة اليوم تمثل النتيجة الأخطر لهذا الفشل المتراكم. فهي لم تدمر المدن والبنية التحتية فحسب، بل أصابت النسيج الاجتماعي في مقتل، ووسعت دائرة الكراهية، وأعادت إنتاج الاستقطاب بين أبناء الوطن الواحد. والأسوأ من ذلك أنها تهدد بتكريس واقع الانقسام السياسي والمؤسسي، بما قد يجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة حتى بعد توقف القتال.إن السودان اليوم لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار الوطن على الحرب. فلا الجيش يستطيع أن يبني دولة مستقرة في ظل استمرار النزاع، ولا قوات الدعم السريع قادرة على فرض واقع سياسي دائم بالقوة العسكرية، كما أن القوى المدنية مطالبة بمراجعة تجربتها والبحث عن أرضية مشتركة تعيد الثقة بين مكونات المجتمع السوداني.لقد علمتنا السنوات الماضية أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأكبر من الجيوش، وأكبر من الطموحات الشخصية. وأن الدولة لا تبنى بالسلاح ولا بالشعارات ، وإنما بالمؤسسات، وسيادة القانون، واحترام التنوع، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية.وفي هذه الذكرى، ينبغي أن نتذكر آلاف الشهداء الذين فقدوا أرواحهم وهم يحلمون بوطن يسع الجميع، كما نتذكر ملايين النازحين واللاجئين الذين ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى ديارهم آمنين. هؤلاء هم أصحاب القضية الحقيقيون، وهم المعيار الذي يجب أن تُقاس به جميع المواقف السياسية.إن إحياء ذكرى الثلاثين من يونيو لا يكون بتكرار الشعارات، وإنما بالعمل على منع تكرار الأخطاء التي قادت السودان إلى هذا المصير. فليس المطلوب أن ينتصر فريق ويهزم آخر، بل أن ينتصر السودان نفسه، وأن تستعيد الدولة وحدتها ومؤسساتها، وأن يتوقف نزيف الدم الذي طال أمده.ويبقى الأمل قائماً، رغم كل هذا الألم، لأن الشعوب التي استطاعت أن تصنع ثورات سلمية قادرة أيضاً على صناعة السلام إذا توفرت الإرادة الصادقة والقيادة الحكيمة. والسودان، بما يملكه من تاريخ عريق وتنوع إنساني وثقافي، لا يستحق أن يبقى رهينة للحروب والانقسامات.وفي الثلاثين من يونيو، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر في الماضي؟ بل: كيف ننتصر للمستقبل؟ وكيف نعيد للسودانيين وطنهم الذي يستحقونه؟إن أعظم وفاء لهذه الذكرى هو أن نجعلها نقطة انطلاق نحو مشروع وطني جديد، يقوم على وقف الحرب، واستعادة الدولة، وتحقيق العدالة، وبناء نظام ديمقراطي يضمن تداول السلطة ويصون كرامة الإنسان السوداني.فالأوطان لا تُبنى بالثأر،وإنما بالمصالحة،ولا تستقر بالقوة،وإنما بالعدالة،ولا تبقى موحدةإلا عندما يشعر جميع أبنائها أنهم شركاء متساوون في حاضرها ومستقبلها. ذلك هو الدرس الذي ينبغي أن نحمله معنا في كل ثلاثين من يونيو، حتى لا يظل التاريخ يعيد مآسيه جيلاً بعد جيل.The post ثلاثون يونيو… بين انقلاب الأمس وحرب اليوم appeared first on صحيفة مداميك.