دور اللغة في إعادة تشكيل الواقع (تحليل نقدي للمنحوتات اللغوية لحرب 15 أبريل 2023)

Wait 5 sec.

قاسم الطاهرفي لحظات التحول التاريخي Historical) Transformations ) لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتواصل ، بل تتحول إلى ساحة للصراع Arena) of conflict)ومنصة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي ، فالكلمات تختار أو تنحت بعناية لتعيد رسم الخرائط الذهنية ،وتعيد تعريف المفاهيم وتعيد ترتيب الأولويات أيضا ، في سياق حرب 15 أبريل لم تكن اللغة محايدة بل كانت فاعلاً رئيسياً في صناعة الواقع وتوجيه الإدراك وتبرير الفعل ، إذ أنني أحاول من خلال هذا البحث تفكيك بعض المنحوتات اللغوية التي رافقت هذه الحرب وتتمثل هذه المنحوتات في ( بل بس ، جغم بس ، فتك ، متك) لا بوصفهم تعبيرات عفوية بل كخطابات مشحونة بالسلطة والمجاز والتأويل، وهذا الانتقاء للمفردات (المذكورة) الذي فعلته لا يرفض كما لا ينفي وجود قاموس حربي كامل غنية بالكلمات وكل كلمة فيها جديرة بالتشريح والتحليل ، فالمفردة ليست مجرد علامة (Sing) بل حدث دلالي (semantic event) يتغير بتغيير من يستخدمها ولماذا، وكيف ، ولك أن تلاحظ كيف استخدمت مفردة (بل) في فضاء ثوري سلمي مثل ديسمبر الذي ورد فيه وتكرر فيه مقولات مثل (الحل في البل) للإشارة إلى المواجهة والصمود والالتزام في النضال لا القتل والتنكيل أي الحل في المواجهة لتفكيك الوضعية المأزومة ، اما استخداماتها الأن في حرب أبريل،تدل علي تزحزح دلالي مبين للمفردة إذ أن بل بس الأن تشير إلى الفوضى ،الإبادة ،أو الإزالة، لكنها تقال بطريقة تشيئ الأخر وكأنه شيء يكنس ويمحى، ويستخدمها الصالح والطالح والمفردة هنا لا تعبر فقط عن الفعل بل تعيد تشكيل صورة الأخر في المخيال الجمعي من إنسان إلى هدف (Dehumanized into target)، والذي لا لبس فيه هو أن المفاهيم كائنات معرفية حية ، تتنفس داخل الخطاب والخطاب بنت السياق تتنفس داخلها، لذلك تتحول دلالات المفردات بتغيرات السياقات كالسياق الزمني والسياق المكاني والسياق الاجتماعي والسياسي وحتى السياق التداولي من يتحدث ؟ لمن يتحدث ؟ ولماذا يتحدث ؟ لذلك اختلفت دلالة بل بس في الماضي (الثورة ) والأن (الحرب) ولكن دعونا نتعمق أكثر لفهم المنحوتات الجديدة للحرب والمعني بالنحت هو عملية process تستخدم لتكوين كلمات جديدة من خلال دمج أو اختزال كلمات أو أجزاء موجودة مسبقاً بطريقة تنتنج لفظاً جديداً يحمل دلالة مركبة أو مبتكرة وتترأس هذه المنحوتات مفردات مثل جغم وفتك ومتك ولو أن هذين الأخيرين (فتك ، متك) معلومان نسبياً في أدب القسوة والعنف ألا إن الأولى جغم تم نحتها من رحم العامية السودانية للإشارة إلى الطحن والمضخ وأيضا تشير مفردة الجغم إلى فعل الشيء دفعة واحدة فعندما يقول أحدهم جغمت الماء أي شربته دفعة واحدة ،ما يهمنا هنا كيف استخدمت هذه المفردة في حرب أبريل وطبيعة شحنتها الدلالي، استخدمت هذه المفردة أيضا للإشارة إلى القتل الجماعي والإبادة الجماعية ولكنها تستخدم لتخدير الضمير الإنساني ، فاللغة كما ذكرت سابقا ليست محايداً بل هي ساحة صراع بين ضمير حي(Awake conscience) وضمير مخدر (Sedated conscience) ، إذ تستخدم هذه المفردات (بل جغم متك فتك ) لتساعد القتلة (المجرمين ) للقتل بضمير مرتاح فالموت في ذاته أمر صعب ومكلف للضمير الإنساني لذا نجد القتلة يتحايلون على اللغة لتبسيط جرائمهم وتخفيفها على أنفسهم (ضمائرهم) قبل كل شيء ، فالإنسان السوي لا يستطيع قتل مئة شخص ومواصلة يومه بعادية لذلك يستبدل الكلمات الثقيلة على الضمير مثل القتل والسرقة إلى كلمات خفيفة على اللسان والضمير مثل (شفشفة ، جغم ) هذه المنحوتات اللغوية ليست مجرد مفردات عامة بل هي أدوات نحت دلالي حربي تعيد تشكيل الضمير الجمعي وتحول العنف إلى ممارسة لغوية مألوفة ، إنها تجسد تراجيديا كيف يمكن للغة أن تصبح سلاحاً لا في يد الجندي فحسب بل في عقل المجتمع ، وهذا التحايل على اللغة والتسابق في صناعة المفردات البغيضة تهدف أساساً لتحقيق هدف أكبر وهي التطبيع مع العنف والقتل (The normalization of murder and brutality)واللغة على حد تعبير إيمانويل لفيناس هي اللقاء الأول مع الأخر وحين يتكلم الإنسان لا يعبر فقط عن ذاته بل يلقى بنفسه في فضاء الأخر ويؤسس بما يسمى بعلاقة الكلمة قد تحيي أو تميت تعزز الكرامة الإنسانية أو تهينها توقظ الضمير أو تخدرهوها نحن اليوم في زمن الحرب نستخدم هذه الكلمات(بل جغم ، فتك ، متك ) للحد من الكرامة الإنسانية ولتخدير الضمير بل نتعداه لخلق حالة من الانفصال الأخلاق (moral disengagement) من خلال استراتيجية التكرار الممنهج بأدوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ميادين القتال والمقاهي والأندية وكل المجال العام وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية لأنها بمثابة تحدي للنفس البشري ، فعندما تستخدم الكلمات العنيفة (جغم وفتك) بشكل متكرر في الحياة اليومية ، في الأغاني ، الفيديوهات ، أو حتى في المزاح فإنها تفقد شحنة الرعب الأخلاقي ،فالتكرار يميت الحساسية ويحول الفعل الوحشي إلى ممارسة مألوفة مما يؤدي إلى تبلد الضميروهذا التحور ظل وما زال يحدث بفعل السلطة أو الجماعات المسلحة إذ تعيد تعريف المفردات لتخدم سرديتها، فتصبح جغم لا تعني الموت فقط بل تعني الانتصار وبل لا تعني الإبادة بل التنظيف و التطهير وهكذا تعاد صياغة الواقع بلغة تخدر الضمير وتعزز من نزع إنسانية الإنسانوالتطبيع مع هذه المقولات لا يحدث لأن الناس شريرون، بل لأن اللغة تعاد تشكيلها داخل منظومة قهرية تميت الحس وتعيد تعريف الفعل وتخدر الضمير ، إنه ليس مجرد إنحراف لغوي بل إنحراف وجودي حيث تتحول الكلمات إلى أدوات قتل رمزي، وتتحول الضمائر إلى مرايا مكسورة لا ترى الألم ،وللتحرر من هذه الظاهرة المخيفة( عادية القتل والعنصرية العادية والكراهية العادية ) التي وصلت ذروتها ،لا يكفي أن نرفض الكلمة باسم محاربة خطاب الكراهية بل يجب أن نفهم كيف تستخدم ولماذا تستخدم ومن يستخدمها فكل كلمة مثل جغم بس، بل بس ،تحمل حمولة أيديولوجية يجب تفكيكها داخل بنيتها الخطابيةوالفهم هو السراج المنير لبناء لغة بديلة تعيد للضمير إنسانيته وتحصن الوعي الجمعي من الانزلاق في هاوية التطبيع مع الفظائعوهذا لن يحدث إلا من خلال  كشف المفارقة الأخلاقية للقاموس الحرب من خلال تظهير التناقض بين المعنى الظاهري للكلمة والمعنى الأخلاقي الذي تخفيه ثم إعادة تسمية الفعل بما يعيد لها حقيقتها الأخلاقيةفبدلا من فتك نقول إذلال وبدلا من جغم نقول قتل وبهذا نعيد للضمير قدرته على التمييزفخطاب الوحدة الوطنية او خطاب المحبة أو خطاب العيش المشترك ينبغي أن يكون جزء أصيل من لغة المقاومة الأخلاقية لتعيد تعريف المقاومة ليس كفعل سياسي فقط بل كفعل لغوي يقاوم التشويه ويعيد بناء المعنىفاللغة ليست مجرد وسيلة بل هي ساحة معركة ومن ينتصر فيها يعيد تشكيل العالم . The post دور اللغة في إعادة تشكيل الواقع (تحليل نقدي للمنحوتات اللغوية لحرب 15 أبريل 2023) appeared first on صحيفة مداميك.