هل تنجح دبلوماسية حقوق الإنسان في حماية المدنيين في الأبيض؟ اختبار الوقاية قبل وقوع الكارث

Wait 5 sec.

ا. نون كشكوشتتجه أنظار العالم إلى مدينة الأبيض وسط قلق واضح لتكرار سيناريوهات حصار المدن و دمارها في نمط اصبح متكرر من اطراف الحرب في السودان ، أن التحرك داخل مجلس حقوق الإنسان يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من سياسة التوثيق بعد وقوع الكارثة إلى سياسة الوقاية قبل وقوعها.لقنت الفاشر المجتمع الدولي درسًا قاسيًا ، حيث سبقت التحذيرات الدولية الكارثة الإنسانية، لكن الاستجابة جاءت متأخرة، لتتحول المدينة إلى رمز لمعاناة المدنيين تحت الحصار والاستهداف في مشهد يشابه الكارثة الرواندية حينما فشلت بعثة حفظ السلام في حماية التوتسي بسبب محدودية صلاحياتها واليوم تتكرر المؤشرات نفسها في الأبيض: تصاعد العمليات العسكرية، واستهداف البنية التحتية المدنية، وتراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع المخاوف من وقوع انتهاكات واسعة بحق مئات الآلاف من المدنيين.من هذه الزاوية، يمكن فهم التحرك البريطاني، نيابة عن المجموعة الأساسية في مجلس حقوق الإنسان، باعتباره محاولة لقطع الطريق أمام تكرار السيناريو ذاته. فالرسالة السياسية و الالتزام الأخلاقي ، يسعى إلى استخدام آليات مجلس حقوق الإنسان كأداة للإنذار المبكر والضغط الدبلوماسي قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة جديدة.ويعكس مشروع القرار هذا التوجه بوضوح لمطالبته للجهات الخارجية بعدم دعم أطراف الصراع، كما أشار مسعد بوليس مستشار الرئيس الأميركي في آخر تصريحاته لمجلس الأمن في جلسته الخاصة لحماية المدنيين بثلاثة عشر دولة .و يدين أيضًا الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، واستخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، والاعتداءات على العاملين في المجال الإنساني، ويطالب بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. كما يعيد التأكيد على أن الحل العسكري لن ينهي الأزمة السودانية، ويدعو إلى وقف إطلاق النار واستئناف مسار سياسي يقوده السودانيون انفسهم .ذهب مشروع القرار بفقراته مرحلة ما بعد الإدانة، و نص بشكل واضح علي ضرورة المساءلة الدولية. فالقرار يطلب من بعثة تقصي الحقائق الدولية إجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المزعومة في مدينة الأبيض، مع تقديم تقارير إضافية إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة، بما يعني عمليًا توجيه اهتمام البعثة ليشمل التطورات الأخيرة في شمال كردفان.وهنا تبرز المعضلة السياسية.فالحكومة السودانية ظلت تعارض ولاية بعثة تقصي الحقائق منذ إنشائها، و آخر اعتراضاتها ضمن مشروع حماية المدنيين في الفاشر معتبرة أنها تمثل تدخلًا في الشؤون الداخلية وتمس بالسيادة الوطنية. وفي المقابل، ترى غالبية الدول الغربية وعدد من الدول الأخرى داخل مجلس حقوق الإنسان أن استمرار البعثة أصبح ضرورة في ظل استمرار النزاع وصعوبة إجراء تحقيقات وطنية مستقلة وفعالة.لكن مشروع القرار الحالي يضع الحكومة أمام معادلة مختلفة. فمن ناحية، يتضمن القرار إدانة صريحة لتصاعد هجمات قوات الدعم السريع في مدينة الأبيض، ويبرز المخاطر التي يتعرض لها المدنيون بسبب تلك الهجمات، وهو ما يتوافق مع الخطاب الرسمي لحكومة بورتسودان بشأن مسؤولية الدعم السريع عن كثير من الانتهاكات. ومن ناحية أخرى، يتمسك المشروع بالإبقاء على آليات المساءلة الدولية وتعزيز دور بعثة تقصي الحقائق، وهو ما ظل يمثل نقطة الخلاف الرئيسية بين بورتسودان والدول الراعية للقرار.ولذلك، فإن السؤال الذي سيواجه الدبلوماسية السودانية خلال المفاوضات ليس ما إذا كانت تؤيد حماية المدنيين أو إدانة الانتهاكات، وإنما ما إذا كانت مستعدة للفصل بين مضمون القرار السياسي وبين تحفظاتها المستمرة على آليات التحقيق الدولية.في نهاية المطاف، يجب الا يتعلق مستقبل هذا القرار بموازين التصويت داخل مجلس حقوق الإنسان، و لكن بقدرة الأطراف المختلفة على إدراك أن حماية المدنيين يجب أن تظل أولوية تتقدم على الحسابات السياسية. فالأبيض لا تزال تمتلك فرصة لتجنب مصير الفاشر، لكن هذه الفرصة تضيق مع كل يوم يستمر فيه القتال.ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستواصل حكومة بورتسودان رفضها للفقرات المتعلقة ببعثة تقصي الحقائق، أم أنها ستتبنى مقاربة أكثر براغماتية، تسمح بتمرير بقية مشروع القرار، خاصة أنه يتضمن إدانة واضحة لفظائع قوات الدعم السريع ويعزز الحماية الدولية للمدنيين؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مصير القرار، و تعيد تشكيل العلاقة المقبلة بين السودان وآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان و قد تعود بالسودان من ردته في أوضاع حقوق الإنسان.الخبيرة القانونيةThe post هل تنجح دبلوماسية حقوق الإنسان في حماية المدنيين في الأبيض؟ اختبار الوقاية قبل وقوع الكارث appeared first on صحيفة مداميك.