سوسيولوجية الخوف عائقاً للسلام: مدينة الأبيض حالة مغايرة

Wait 5 sec.

د. عبدالناصر علي الفكيمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، المركز الحيوي الذي تميز في التاريخ الاجتماعي بتداخله الاثني والعرقي الفريد، وتصافيه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بوصفه أحد أهم معاقل التنوير والثقافة والرياضة في السودان، تشهد منذ أشهر طويلة حالات عدم استقرار وتأرجح توتر متصاعدة، استُخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة العسكرية إلى جانب أساليب غير الأخلاقية في الصراع، لتتحول المدينة إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة وطن. أصبح استهداف المدن والقرى وكافة مرافق الخدمات الاجتماعية من مدارس ومستشفيات ومساكن وأسواق ومرافق حكومية، ممارسة ممنهجة فجة غير مقبول في عرف قانون تنظيم العداء لأدوات الشر والخير إنسانيا، تقترن بحالات حصار خانق وهجمات متواصلة بدّلت الأمن بالخوف والسلام بالرعب والقتل والنزوح، وتكررت سيناريوهات بشعة من إعدامات ميدانية وعنف جماعي واستهداف للمدنيين وحرمان من الخدمات والتحرك على أساس انتماءاتهم القبلية والإثنية. لمدينة الأبيض التي كانت نموذجا رمزاً للتسامح والتعايش وقبول الاخر، تواجه اليوم خطراً وشيكاً بتحولها إلى نموذج آخر يُضاف إلى قائمة الأماكن المحروقة والمستلبّة لحرب العبث، إذ يكمن التهديد الأكبر في احتمالية اندلاع معركة برية شاملة لن تكتفي بالمواقع العسكرية والأمنية، بل ستتجاوزها إلى تدمير مقومات الحياة اليومية للمواطنين من محطات كهرباء ووقود ومصادر مياه وإنتاج غذاء ومستشفيات، فتصبح الحياة اليومية تعيش معركة مستمرة من أجل البقاء وإشباع الحاجات الأساسية كما في (هرم ماسلو) الذي تجاوزته الإنسانية في سبيل حق كرامة ورفاهية الإنسان .إن الحرب في السودان ليست وليدة 15 من أبريل 2023، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال 1956.من منظور الرؤية السوسيولوجية، يتبين أن الخوف الممنهج ظل يشكل باستمرار العائق الأكبر أمام السلام المستدام، ذلك السلام الذي لا يتحقق بوقف إطلاق النار فحسب وحده ، بل بمعالجة جذور الخوف من الآخر، وتفكيك آليات عدم القبول وفقدان الثقة لدى جماعات البناء الاجتماعي الوطني المتعددة، والآليات التي تحاول بإمعان بناء جدران خرسانية لرفض المواطنة وسلطة للدولة المدنية، مستخدمة أدوات مراكز لدي الدولة والمجتمع خلال تعبئة حشدوية نفسية واجتماعية سياسية داخل العقل المحبط المستلم المستلب. أشار إليها غوستاف لوبين (سيكولوجية الجماهير) .والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل الحرب قدر محتوم أم أن هناك مخرجاً؟ إن الحل العسكري وحده لن يجدي، بل لا بد من معالجة الأسباب الهيكلية للصراع المتنقل والمتحور.ولإنقاذ مدينة الأبيض و السودان بأسره، يتطلب الأمر مساراً متكاملاً، يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار تحت رعاية دولية بإرادة سودانية، مع ضمان حماية الممرات الإنسانية لإدخال المساعدات الغذائية والدوائية والمياه، خاصة في ظل مؤشرات تدمير البنية التحتية وشح الوقود، ثم إخلاء المدينة من المظاهر العسكرية بوصفها منطقة منزوعة السلاح، لأن استمرار كونها مركز قيادة وإمداد يجعلها هدفاً دائماً للهجمات، ويليه فتح حوار وطني شامل لا يستثنى إلا من أجرم ويلاحق قانونياً، يتطرق إلى جذور الأزمة ويعالج آثار الحرب. كما لا بد من تحييد المؤسسات الخدمية كمحطات المياه والمستشفيات ومخابز الغذاء وعدم استغلالها كأدوات للصراع، وجعل استهدافها جريمة حرب تستوجب عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة مرتكبيها. وأخيراً، لا غنى عن إشراك المجتمع المدني والقيادات الأهلية في إدارة الأزمات الإنسانية، والاستفادة من تجارب المنظمات الوطنية في توزيع المساعدات، مع ضرورة إعادة الاعتبار للقيادات والزعامات الأهلية التقليدية ضمن عمليات التماسك الاجتماعي والمصالحة المجتمعية في المجتمعات المحلية.تشير الرؤية السوسيولوجية للخوف إلى أن مواجهة آلياته تتطلب شجاعة نقدية لتفكيك البنية المعرفية السياسية والاجتماعية التي تنتج العداء المرضي تجاه الآخر، والاعتراف بأهمية تدمير هذه الأدوات الممنهجة التي استُخدمت دوماً بخبث معيق للصراع على السلطة والثروة والنفوذ. وتزداد ضرورة بناء تحالفات سياسية فاعلة بين الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وحركات الكفاح المسلح، لتكون إطاراً جامعاً يتجاوز الانقسامات، مع إيجاد حل سوداني-سوداني يحد من شطط التدخلات الخارجية التي تعقّد المشهد. فعلى المستوى الاستراتيجي، تعمل هذه الرؤية على إبطال المحركات النشطة والخامدة للحرب والنزاع، بينما يتجه المستوى الآني بالضرورة نحو وقف إطلاق النار وترتيب هدن إنسانية للحماية وتوفير الخدمات للمدنيين وإطلاق سراح الأسرى، مما يؤدي إلى تعزيز التماسك الاجتماعي محلياً من خلال دعم المبادرات القاعدية في المجتمعات المحلية، كمشاريع التبادل والتنوع الإنتاجي الاقتصادي المشترك، واستبدال رمزيات تراث العنف ببناء الثقة والسلام المجتمعي، ومواجهة العدو المشترك المتمثل في الطبيعة والصعوبات القاسية للحياة الريفية والبدوية. إن عملية الانتقال نحو السلام تتطلب تفكيكاً تدريجياً لآليات التحالفات الاقتصادية والاجتماعية المستفيدة من استدامة الحرب، وبناء أساس متين للمصالحة الوطنية، وتزداد فعالية الأدوار حين تتوحد الإرادة الجماعية المؤمنة بالسلام، وتتقاطع مع الإرادة الإقليمية والدولية المساندة في مواجهة الداعمين للحرب بالوكالة.مدينة الأبيض مأساة تضاف إلى خريطة الحرب وتعكس وضع وطن بأكمله، وإنقاذها يتطلب أكثر من مجرد وقف القصف؛ بل يستوجب نضالاً عاجلاً لمواجهة جذور الصراع، وشجاعة في بناء سلام يقوم على الاعتراف بالآخر وتفكيك جدران الخوف، قبل أن يتحول كل شبر من تراب الوطن إلى تراكم حزن جديد. إن الأزمة في السودان تتجاوز وقف إطلاق النار العسكري، وتمتد إلى معالجة الجذور العميقة للصراع بتجاوز سدود الخوف وآليات صناعة الكراهية، فالسلام الحقيقي يبدأ عندما يواجه الإنسان الخوف المرضي والممنهج، ويعترف بالآخر مواطنة عادلة بموجب دستور سلطة مدنية ديمقراطية .=================أستاذ جامعي – مدير مركز تنمية التعايش الاجتماعيThe post سوسيولوجية الخوف عائقاً للسلام: مدينة الأبيض حالة مغايرة appeared first on صحيفة مداميك.