(1 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989

Wait 5 sec.

د. عصام محجوب الماحيمقدمة:اعتباراً من اليوم، 1 يوليو 2026، أبدأ في صفحتي هذه نشر حلقة، مرّتين كل اسبوع، من حلقات كتبتها في صحيفة (الخرطوم) في يوليو 2013, بعنوان “… الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989″، تضم أسرار حوارات أجريتها ومقالات تحليلية كتبتها، خلال الفترة التي سبقت انقلاب 30 يونيو 1989 وبعده مباشرة.؛؛؛…؛؛؛فإلى الحلقة الأولى، لأبدأ بها مع الثانية، تمهيدا للثالثة، بما لم ينشر من قبل، وهو ما جرى في اجتماع التنوير الذي عقده وزير الدفاع وهيئة القيادة للقوات المسلحة مع السيد محمد عثمان الميرغني. ولعله من المفيد أنْ أضع خلفية للقارئ حتى يلِمّ بأطراف القراءة التحليلية ويسبر غور التكهُنات التي لمْ تنطلِق من فراغ، وتأسّس عليها المقال التحليلي الذي تصدّر غلاف مجلة (الأشقاء) العدد 27 يونيو 89 بعنوان: انقلاب للبيع…!؛؛؛…؛؛؛الشاهِد انّه، في صباح مُبكِّر من يوم الأحد 25 يونيو 1989، فوجئت بزيارة قصيرة في المنزل من الفريق (م) يوسف أحمد يوسف والذي كان فوق أعباء أخرى يقوم بها، يشرِف على إدارة الفريق الذي يعمل مع السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، وكنت أحد أعضائه مُتابِعاً للشئون الصحفية.نقل لي الفريق يوسف بأنّه مُكلَّف لإخطاري بضرورة الحضور إلى مكتب السيد محمد عثمان الميرغني في (الجنينة) مُباشرة بعد صلاة الظهر في نفس اليوم، مُشدِّداً على أنْ لا اطلع أحد بذلك، وهمس في أذني: ولا حتّى (…)، وهو أحد المقربين جِداً من السيد! ويبدو أنّ سعادة الفريق، رحمه الله، أراد أنْ يحيط الأمر بالاهتمام المطلوب وأنْ ينقُل إليّ في نفس الوقت، ما ظلّ يطربني به: مشاعِر الحظوة التي أتمتّع بها لدى مولانا الميرغني.وبالفِعل أحسست بغبطة مختلِطة بعوامِل الدهشة والتوجُّس معاً، ومع ذلك سألته: ما هي أخبار الانقلاب المايوي؟وضع سبابته رأسيّاً في مُنتصف شفتيه، وتوجّه نحو سيارته وقال لي مودِّعاً: كل شيء في حينه.. صبراً يَبِلَّ (الآبريه). وانطلق دون أنْ يطرُق باب جارنا، الحيطة بالحيطة، ليسلِّم على صديقه وزميله في الجُنديّة عز الدين عبد المجيد، فاستعجبت من ذلك واعتبرت تصرّفه، مزيداً من الإثارة التي أراد أنْ يترُكها خلفه.لمْ أتأخر عن تلبية الاستدعاء، بعد أنْ قضيت وقتاً قصيراً بحِسابِ الزمن، خِلْته دهراً نتيجة لحالة الخوف من المجهول التي أمْسكت بي، خلال الفترة التي فصلت بين زيارة الفريق يوسف و”أخذ التمام” في الجنينة في الموعِد المُحدّد، ولمْ تنته تلك الحالة في نفس اليوم، بل استمرّت لأيام بعد ذلك.؛؛؛…؛؛؛وصلت الجنينة، ولأوّل مرّة لمْ يُسْمَح لي بإدخال سيارتي، إذ كان الباب الكبير مُغلقاً تماماً، الأمر الذي يعني أنّ مولانا الميرغني ليس بالداخل، ويُفْهم منه أيضاً أنّه لنْ يأتي خلال ما تبقّى من ساعات الظهيرة، ورُبّما لا يأتي حتّى في المساء، فارتفعت درجة التوجُّس التي لمْ تفارِقني مُنذ أنْ همس الفريق يوسف في أذني أنْ لا أخبر أحد ولا حتّى (…).أطلّ مَن كان يعرفني جيّداً وطلب منّي ركن السيارة في مكانٍ بعيدٍ، وقال لي حتّى لا أعقِّب عليه: تعليمات.لمْ يكُنْ هنالك حاجة لمجادلته، فانصِعت للأمر، وترجّلت ودخلت أجُرّ خطوةـ وأكاد أأخِّر أخرى.توجّهت مباشرة لمكتبي في الصالة الواسِعة بالطابِق الثاني، فالتقاني مَن أشار إليَّ بالبقاء في المكتب لحين استدعائي.مرَّ الوقت مُتثاقِلاً على نفسي، ونبضات القلب تتسارع، وكل الاحتمالات التي مرَّت بخاطري تشكِّل لوحة غامِضة الألوان تكاد لا تميّز منها شيء، ولا تبعث في النفس أيّة مشاعِر، سوى التوجُّس والخوف مِمّا هو آتٍ.. فيا خوف فؤادي من غدِ. طفقت أهَدي نفسي في سرّي بأطراف أغنية لمْ أدرْ كيف أكْمِلها، فزادت عوامل القلق.أليس كل الوضْعِ في البلاد مُلبّداً بالغيومِ؟ لِمَ لا يكون الأمر الذي أنت بصددِ مواجهته جزءً من الحالة نفسها؟قلت ذلك بيني وبين نفسي لأبعث فيها طمأنينة زائفة، وأردفت: يا خبر الأن بفلوس وبعد لحظات، وليس بُكرة، سيكون ببلاش.. سيبك يا بطل، ايه يعني حا يكون حصل، وماذا سيحدُث؟ قد يكون الأمر مُتعلِّقاً بزيارة خاطِفة سيقوم بها الميرغني، فإلى أين ستكون الوجهة؟تفتّق تفكيري عن تفسير مناسب: مُنذ أنْ بدأ حوار السلام مع الحركة الشعبية، دَرَجَ مولانا خلال الأشهر الأخيرة استدعاء المجموعة التي تشكّلت بعناية فائقة، وليس بالعشوائية المُعتادة، فَلِمَاذا لا يكون الأمر برُمَّته جزءً من مشاوراته التي يُجريها بشأن مبادرة السلام السودانية التي وقّعها مع جون قرنق.أهااااا.. مبادرة السلام.. إذن هنالك جديد حولها، فَعَلّام التوجُّس؟تتابعت تلك الأسئلة وعلامات الاستفهام في خيالي، تمْسِك بخِناقِ بعضها البعض، دون أنْ أجِد تفسيراً أو إجابة أقبلها، لأحضِّر نفسي، كما اعتدت، بما قد يكون مطلوباً للقاء.هدأت قليلا، وقلت بيني وبين نفسي: ألمْ تَكْتب ليلة مُغادرة الميرغني إلى أديس أبابا لوضع اللّمسات الأخيرة لحوار السلام، ليتحوّل لمُبادرة ويتِمّ توقيعها، ألمْ تكتب تحليلا في مجلة (الأشِقّاء) عنوانه: حوار السلام كيف ومتى بدأ.. أين يقف الأنْ.. وماذا تُخبئ له الأيام؟ها هي الأيام انقضت سريعاً لتزيح غُطاها، وحقّاً “المُتغطي بالأيام عريان”.. ياااه، لِمَ كل هذا التشاؤم؟ أليس من الأفضل أنْ تشغِل نفسك ووقتك بتنظيم أوراقك المُبعثرة في أدراج المكتب أو أنْ تكتب مقالك التحليلي لمجلّة الأشِقّاء حتّى لا يطاردك صباح الغد مدير التحرير الأستاذ محمد محمود راجي وقسم السيد الطيب والجمّيعين والمُصحّحين وبالأخص المُصمِّم عبد الحميد والفنان القدير الكاريكاتيرست هاشم كاروري الذي تجلِس إليه للتفاكُر حول رسم موضوع الغلاف، خاصة وأنّك (تنبهِل) في الكِتابة؟تذكّرت انّني لمْ التق العميد محمود قلندر رئيس تحرير صحيفة (القوات المسلحة) الذي كان يكتُب مقالاً تحليلياً للمجلة بدون اسم، وقد وعدته بزيارته في مكتبه لنتبادُل الآراء حول موضوع الغلاف. بدأت أفكِّر فيما قد يكون كتبه من موضوع وتحليل، فهو منضبط في تسليم مادته في الوقت المُحدّد، فقرّرت أنْ أذهب إليه في مكتبه مباشرة من الجنينة.تَناولت أعداداً من مجلة (الأشِقّاء) ولا أدري لماذا وقع اختياري على العدد الذي نشرت فيه التقرير الصحفي عن دارفور تحت عنوان: دارفور.. وطن لا يؤكل من أطرافه فحسب بل يُنهش من أحشائه!نَظرت إلى تاريخ العدد فوجدته 29 نوفمبر 1988 بينما الزيارة التي قُمت بها للإقليم مُرافِقاً لوفد السيد محمد عثمان الميرغني كانت في يوليو من نفس العام. أربعة أشهر لتكتب عن زيارة، لماذا كل هذا التأخير؟ سألت نفسي، وأجبت: إنّه السيد محمد عثمان الميرغني الذي شدّد عليّ أنْ لا أكتب عمّا استمعت إليه من معلومات في اجتماعات التنوير الخاص التي عُقِدت له مع القيادات العسكرية في القوات المسلحة والشرطة والسجون ومع أعيان البلد، وكان الميرغني يختار بنفسه من يحضرونها من الوفد الكبير الذي صاحبه.بدأت أقرأ فقرة طويلة من التقرير:((شاءت الظروف أنْ أرافِق السيد محمد عثمان الميرغني ووفده الذي زار دارفور، في أوّل زيارة للإقليم، في يوليو الماضي. توفّرت لقيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي إمكانية الالتِصاق بالأحداث في الإقليم ودراستها عن قُرب ومعرفة إفرازات التدهور الأمني بالإقليم وسوء الأحوال المعيشية. زار الميرغني ووفده الفاشر، نيالا، الضعين، كاس، نيرتتي، زالنجي، وادي صالح، كبكابية والجنينة. كانت الزيارة فُرصة عظيمة لتلمُّس مشاكِل المواطنين في الإقليم. التقى السيد محمد عثمان وبعض أعضاء الوفد بالقيادات العسكرية في القوات المسلحة والشرطة والمسؤولين الإداريين وكبار أعيان الإقليم، واستمعوا إلى تنوير عام وخاص حول ما يدور في الإقليم. الشيء الذي أعلمه أنّ الميرغني كان أكثر حِرصاً من غيره على معرفة الأحداث بدِقّة، وأنّه لمْ يأخُذ المعلومات إلّا من الجِهات المُباشرة في الأحداث. لمْ يكْتَف بالمعلومات من الأهالي وأعيان البلد في كل منطقة زارها، برغم أنّهم المُكتوون مباشرة بالنهب المُسلّح وبالتصاعُد الخرافي للأسعار وبانعِدام السِلع التموينية، ووثّق المعلومات التي جمعها عند القياديين الرسميين في الإقليم وبذلك، حسب علمي، تكوّنت لديه صورة كاملة لأحوال الإقليم. ومِمّا نعلم أنْ الميرغني، وفور عودته، اجتمع برئيس الوزراء وأطلعه على كل ما أتى به من معلومات مؤكّدة. واجتمع بوزيري الدفاع والداخلية. وأذكُر أنّ أحد أعضاء الوفد قال للسيد محمد عثمان الميرغني: الوضع في الإقليم خطير جِدّاً وما عليك إلّا أنْ تعقِد مؤتمراً صحفياً وتطلِع الصحافة والإعلام والمواطنين بحقائق الأوضاع. ذهب ذلك العضو أكثر من هذا في الحديث، إلّا أنّ الميرغني وبتروٍّ وهدوءٍ كان ردّه: سنعمِل ما بوسعنا لمساعدة الحكومة لمعالجة الموقِف. وتذكّرت لحظتها ما يفعله (الساسة) الذين بعد أنْ يزورون منطقة ما ويتملّكون المعلومات من نِصفها، سُرعان ما يعقِدون المؤتمرات الصحفية بنِصف المعلومات ويزيدون عليها (ويرتِّشوها ويخمِّروها) حتّى تواكِب تطلعاتهم، إمّا لكسب التأييد للموقِف للاستمرار في حجب الحقائق الواضِحة وإمّا لتأليب المواطنين على الحكومة.. كل حسب وضعه، حاكِماً كان أمْ معارِضاً)).تأملت في الأسطر المظللة (بالكاريوكا) الصفراء: “وأذكُر أنّ أحد أعضاء الوفد قال (…) إلّا أن الميرغني وبتروٍّ وهدوءٍ كان ردّه: سنعمِل ما بوسعنا لمساعدة الحكومة لمعالجة الموقِف”. تذكّرت أنّ الفريق يوسف كان هو الذي أعاد إليَّ نسخة المجلة بعد أنْ أطْلَع مولانا على التقرير، وقال بهدوئه المُعتاد: راجِع الفقرة المُحدّدة بالأصفر، مولانا هو الذي قام بتمييزها، والتقرير الذي كتبته لمْ يزعِج السيد، عدا روايتك لقصة د. عمر نور الدائم التي رواها العقيد الطيب عبد الرحمن، وحسناً أنّك لم تَشِر لاسمه، هذه المرّة (جات) سليمة لأنّك لمْ تتجاوز الحدود كثيراً، أوصيك أنْ تنضبِط وتلعب (سيرك) لتوازِن بين حالة كونَك صحفيّاً، ووضعك بالقرب من مولانا الذي أصبح يوفِّر لك الكثير من المعلومات، ولكن ليس كل ما يُعرف يُقال أو يُكتب.رجلٌ بمِثل هذ الأدب والسماحة لا يُمْكِن أنْ تتأفّف منه، حتّى وإنْ أضعت فُرصة العُمْر.عُدت إلى التقرير، وأطلت النظر إلى فقرة قصيرة ورأسي يميل يميناً ويساراً وكأنّني لا أصدِّق مُحتواها. كانت تصل أذناي بعض تعليقات الزملاء حول تقريري و(تفكُهِهم) مِمّا كتبت ووثّقت، وأخذ صدى الكلمات يأتي ويذهب.. “المصارين، بيت الكلاوي”، فقُلت في سرّي: لُطفك يا الله، سامِحهم، إنّهم لا يعلمون، وبدأت أقرأ:((الأراضي خضراء لا تجد من يزرعها. أين ذهب أصحاب الأرض؟ لقد رُوِّعوا فغادروها! قال لي مُحدِّثي مرّة أخرى: ليس هنالك نهباً مُسلَّحاً، هنالك خطّة إزاحة وترويع للمواطنين لدعوتهم للنزوحِ)).تنهّدت وأخرجت هواءً ساخِناً من صدري، وذهبت لآخِر فقرة في نفس التقرير وقرأت:((المؤلم والمُحْزِن في الأمر أنّ دارفور تضيع، وكل يوم يمرّ، ونحن على هذه الحالة السيئة من الانشغال بقضايا التشريع والاختلاف حول المصادِر، والتمحور والتكتُّل من أجل الكسب الضيق لصالح فِكرة هي أصلاً من المُمْكِن أنْ تبقى حيّة وقادِرة على صياغة حياتنا بعد معالجة مشاكِلنا ذات الأولويّة القُصوى.. كل يوم “نشطبه” من أجندة الحائط سيكون علينا أنْ ندفع ثمنه أرواحاً طاهرة ونِضالاً مُقدَّساً لنستعيد دارفور التي تذهب من أمام أعيننا حتّى ولا تودعنا.. لأنّنا مشغولين عن وداعها بتوسيع لجنة التشريع في الجمعية. ولا أودّ أنْ أقول، أخيراً، عندما تنتهي لجنة التشريع من تشريعاتها.. لنْ تجِد الشعب الذي تشرِّع له، أو لنْ تجِد الأرض التي تطبِّق فيها وعليها التشريع الذي تشرعه!)).تمتمت في سري: رد القضاء لم يعُد مطلباً.. ولو ذهبَت دارفور، فلتذهب بلُطفك يا رب.ومِثل كل الأشياء في بلدي، تقهقرت راجِعاً لمُقدِّمة التقرير، وقرأت:((أحياناً يكون قدر الصحفي أنْ يمتلِك معلومات لا يستطيع نشرها، وأحياناً تصبح هذه المعلومات التي جمعها لا قيمة لها وقد تخطّاها الحدث. ورُبّما يفقِد الصحفي صبره ويقذِف بأوراقه في سلّةِ المُهملات، يائساً أو صامِتاً على مضض.. وقلّ ما أفعل هذا الشيء. لذلك عندما ساءت الأحوال الأمنية في دارفور مرّة أخرى وعندما قال حاكم الإقليم د. تجاني السيسي، ذلك الشاب الذي عرفته للحظات ورأيت فيه هدوءً وقُدرة على امتِصاص غضب المواطنين وأحزاب الحكومة عندما تختلِف فيما بينها وأحزاب المعارضة على السواء، عندما قال حاكم الإقليم د. تجاني في مؤتمر صحفي وأعلن أنّ قُرى بأكملها تُحْرق وتُباد بواسطة عصابات أجنبية وأنّ 139 مواطِناً قُتلوا في أسبوع واحد لا غير، سارعت إلى أوراقي أقلِّبها وأبحث عمّا كتبته ولمْ أستطِعْ نشره، حول الرحلة التي قُمت بها مُرافِقاً لوفد السيد محمد عثمان الميرغني لدارفور. وها أنا أنقُل للقارئ بعضاً مِمّا في أوراقي، ويبقى لديَّ المزيد من الأشياء التي لا تُنشر حالياً. وتبقى أمامنا فُرصة مُخاطبة المواطنين قبل الحكومة، لأنّ الحكومة تعلم كل ما نكتبه، وإنْ لمْ أو لا تعلم فهذه مصيبة كبرى. أمّا المواطِن وقد فوّض هذه الحكومة لتحكُم نيابة عنه، ولعله أنابها للحديث باسمه وهي تفعل ذلك وباستمرار، لكنّه أيضاً أنابها لتوفِّر له الأمن والأمان، وهو أقلّ ما يطلبه مواطِن، غنيّاً كان أمْ فقيراً، الشيء الذي فشلت فيه هذه الحكومة)).توقّفت عند العبارة “ويبقى لديَّ المزيد من الأشياء التي لا تُنْشر حالياً”، ولَمْ أشعر إلّا وبيدي اليمنى تسحب من أحد الأدراج ظرفاً أبيض مكتوباً عليه “أوراق من دارفور”، (مُدَبَّسٌ) بإحكام، وكأنّني كُنت أخشى أنْ تطير منه محتوياته أو بعضها.قُلت مُحدِّثاً نفسي: حسُناً.. ليكُنْ مقال العدد القادِم حول دارفور، خاصة وأنّ حاكِم الإقليم د. تجاني السيسي حضر بنفسه لدار (الأشِقّاء) وأجرى معه الأستاذ محمد محمود راجي حواراً يجِب أنْ يكون له ما بعده، فما عاد الصمت يجدي، ثُمّ إنّني…………وفجأة تذكّرت حديث الفريق يوسف، ومع ذلك، نَوَيت أنْ افتح الظرف، لولا دخول من قال لي: الجماعة ينتظرونك في صالون السيد.أعدته إلى مكانه سالِماً مُغْلقاً، وتوجّهت هابِطاً الدَرج.فمَن كان هنالك مع الميرغني؟…. تلك قصّة الحلقة القادمة….The post (1 من 15) … الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989 appeared first on صحيفة مداميك.