مهدي داود الخليفةلم تكن تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن مجرد عرض للموقف الأمريكي من الحرب في السودان، بل بدت أقرب إلى إعلان عن بداية مرحلة دبلوماسية جديدة قد تعيد رسم مسار الجهود الدولية لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الرابع، بعدما أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم.فقد كشف بولس أن الولايات المتحدة مستعدة للسفر فوراً إلى الخرطوم مع شركائها لإطلاق مبادرة سلام جديدة، كما أشار إلى أن هذه المبادرة جرى تطويرها بعد مشاورات مع وزير الخارجية السوداني وأعضاء في مجلس السيادة، وبالتنسيق مع مصر، وحظيت بترحيب من المملكة العربية السعودية.الأهم من ذلك أنه عبّر عن ارتياحه لما فهمه من كلمة ممثل السودان أمام مجلس الأمن، معتبراً أنها تعني أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يرفض المبادرة الأمريكية الأخيرة.ورغم أن وزارة الخارجية السودانية سارعت لاحقاً إلى توضيح موقفها، مؤكدة أنها لم ترفض المبادرة وإنما لديها ملاحظات عليها، فإن مجرد انتقال الخطاب الأمريكي من الحديث عن رفض المبادرة إلى الحديث عن إمكانية قبولها يمثل تطوراً سياسياً يستحق التوقف عنده.خلال العامين الماضيين، اعتمدت واشنطن سياسة تقوم على الضغط السياسي والعقوبات، مع دعم الجهود الإنسانية والإقليمية. إلا أن هذه السياسة لم تنجح في وقف الحرب، بل استمرت العمليات العسكرية واتسعت رقعة الدمار، وازدادت معاناة المدنيين، بينما تراجعت فرص الحل السياسي.ويبدو أن الإدارة الأمريكية خلصت إلى أن استمرار سياسة الضغط وحدها لن يؤدي إلى إنهاء النزاع، وأن المطلوب هو الجمع بين الضغط والدبلوماسية، مع انخراط مباشر في جهود الوساطة.ومن هنا يمكن فهم إعلان الاستعداد للسفر إلى الخرطوم، وهو تطور لم نشهده منذ اندلاع الحرب، ويعكس رغبة أمريكية في الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها.إشارة بولس إلى التنسيق مع مصر والترحيب السعودي ليست تفصيلاً بروتوكولياً، وإنما تعكس إدراك واشنطن أن أي اتفاق لن يكتب له النجاح إذا افتقد دعم القوى الإقليمية الأكثر تأثيراً.فمصر ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الدولة السودانية ومؤسساتها، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية خبرة مهمة في رعاية محادثات جدة، وتحظى بثقة مختلف الأطراف، فضلاً عن مكانتها الإقليمية والدولية.ويبدو أن واشنطن تحاول هذه المرة بناء مظلة سياسية إقليمية واسعة، بدلاً من الاعتماد على جهود منفردة أو مبادرات متنافسة.إذا كانت تصريحات بولس ركزت على ما اعتبره مؤشرات إيجابية من جانب الحكومة السودانية، فإن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً أيضاً بموقف قوات الدعم السريع.وخلال الأشهر الماضية، أعلنت قوات الدعم السريع في أكثر من مناسبة أنها لا تعارض مبدأ التفاوض، وأنها تؤيد أي عملية سياسية تؤدي إلى وقف الحرب، شريطة أن تكون شاملة، وأن تعالج جذور الأزمة، وألا تقتصر على ترتيبات أمنية أو وقف مؤقت لإطلاق النار.كما أكدت قيادتها أنها لا تعترض على الوساطات الدولية والإقليمية إذا اتسمت بالحياد، وهو ما يعني أن الباب، من الناحية المبدئية، لا يزال مفتوحاً أمام أي مبادرة جديدة.غير أن التجارب السابقة أثبتت أن إعلان الاستعداد للتفاوض لا يكفي وحده. فقد انهارت عدة اتفاقات لوقف إطلاق النار بسبب ضعف آليات الرقابة، وغياب الضمانات، واستمرار انعدام الثقة بين الطرفين.ومن هنا فإن نجاح المبادرة الأمريكية لن يتوقف على قبول الجيش وحده أو الدعم السريع وحده، بل على قدرة الوسطاء على توفير ضمانات متبادلة، وآليات مراقبة فعالة، وجدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات.رغم أهمية التحرك الأمريكي، فإن أي مبادرة لن تحقق سلاماً دائماً إذا بقيت محصورة بين الأطراف العسكرية.فالحرب في السودان ليست مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع ، وإنما هي أزمة دولة بكل مؤسساتها، وأزمة حكم، وأزمة علاقة بين المركز والأقاليم، وأزمة عدالة وتنمية وهوية.ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل عملية سياسية شاملة يشارك فيها المدنيون، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والنازحون واللاجئون، حتى يشعر السودانيون بأن السلام يعبر عنهم جميعاً.كما ينبغي أن تتضمن المبادرة ترتيبات إنسانية عاجلة تضمن وصول المساعدات دون عوائق، وإعادة فتح الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإطلاق سراح المحتجزين، تمهيداً لبناء الثقة بين الأطراف.لقد أثبتت الحرب أن الحل العسكري الكامل بعيد المنال، وأن استمرار القتال لن ينتج سوى مزيد من الضحايا والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي.واليوم، تبدو الولايات المتحدة وكأنها ترسل رسالة مختلفة: إن الوقت قد حان للانتقال من إدارة الحرب إلى صناعة السلام.غير أن نجاح هذه الرسالة يتطلب أن تتعامل جميع الأطراف السودانية مع المبادرة بروح المسؤولية الوطنية، بعيداً عن حسابات المكاسب العسكرية المؤقتة.كما يتطلب من المجتمع الدولي ألا يكرر أخطاء الماضي، حين انصبّ الاهتمام على وقف إطلاق النار وحده، بينما أُهملت القضايا السياسية التي كانت سبباً في اندلاع النزاع.إن السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع اتفاق، وإنما يبدأ عندما يقتنع الجميع بأن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من إنهائها.وإذا كانت تصريحات مسعد بولس تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة، فإن الفرصة قد تكون مواتية أمام السودانيين لاستعادة زمام المبادرة، وصياغة مشروع وطني جامع ينهي الحرب، ويحافظ على وحدة البلاد، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة القانون.فالسلام لا يصنعه الوسطاء وحدهم، وإنما يصنعه السودانيون عندما يقررون أن مستقبل وطنهم أهم من انتصار أي طرف في ساحة المعركة.The post هل تمهد تصريحات مسعد بولس لمرحلة جديدة في مسار السلام السوداني؟ appeared first on صحيفة مداميك.