نزوح قسري: غرق طموح السودانيين في البحار

Wait 5 sec.

تقرير _ رندا علي​يتدفق السودانيون عبر البحر المتوسط، متجاهلين الموت الذي ينتظرهم في قاع الماء. لم تعد أزمة اللجوء مجرد نزوح من منطقة قتال، بل تحولت إلى حالة تيه وجودي لا تتوقف عند حدود الجوار. الدكتور محمد صالح محمد ياسين، رئيس المركز النوبي للسلام والديمقراطية، تعكس تصريحاته أن الحديث عن “عودة طوعية” اليوم هو ترف فكري لا يمت للواقع بصلة؛ فالمخاطرة بالموت في البحر أضحت بالنسبة للكثيرين خياراً “عقلانياً” ومقبولاً أمام انغلاق الأفق في كل مكان.​ تعدد مسارات الهجرةيرسم د. ياسين خارطة جديدة للهجرة، واصفاً إياها بـ “رحلات التيه المتسلسل”؛ حيث لم يعد اللاجئ يرضى بمحطته الأولى. نرى اليوم موجات تنتقل من جنوب السودان إلى أوغندا، ثم تغامر بالعبور نحو رواندا أو كينيا، أو تنتظر بصيص أمل في إعادة توطين بالغرب. وفي مسارات موازية، يغرق الآلاف في صحراء ليبيا بحثاً عن قارب يقلهم للمتوسط، أو ييممون وجوههم شطر آسيا وأمريكا اللاتينية. إنها حركة دؤوبة لا تنتهي، يغذيها بحث محموم عن بلد لا يرى في اللاجئ رقماً على قائمة انتظار، بل إنساناً يستحق الحياة.​ تدهور الأوضاع الإنسانيةخلف هذه التنقلات قصص يأس لا ترحم. ففي معسكرات ليبيا، تلاشت المساعدات ولم يعد أمام اللاجئ سوى خيارين: الجوع بصمت أو ركوب الخطر. وبحسب ياسين، فإن نجاح بعض المهاجرين في الوصول لأوروبا وإرسالهم المال لذويهم بات يُشكل “دعاية” تجذب آخرين إن غياب الدعم الدولي حوّل البقاء في دول اللجوء الأولى ربما إلى انتحار بطيء، ودفع بهؤلاء اللاجئين إلى المخاطرة بعبور البحر.​ تحديات العودة الطوعيةبينما يشتد الخناق في الخارج، تدور عجلة “إعادة اللاجئين” في مصر. لكن لماذا يعودون؟ ليست القصة تحسناً أمنياً بقدر ما هي قهر الحاجة. موظفون يخشون ضياع لقمة عيشهم، وعائلات تئن تحت وطأة الغربة، يجدون أنفسهم أمام خيار العودة. يحذر ياسين من قراءة هذه التحركات كمؤشر تعافٍ؛ فالناس يعودون إلى الخرطوم أو الجزيرة وسنار لأنهم لم يجدوا بديلاً.​ دوافع العودة الاقتصاديةلم يعد الحنين وحده هو المحرك، بل “ضيق ذات اليد” هو القائد الفعلي لهذا القرار. غلاء المعيشة في دول اللجوء وانقطاع سبل الكسب جعلا من فكرة العودة -رغم كل ما فيها من مخاطر- تبدو كقارب نجاة. المبادرات الرسمية التي توفر وسائل نقل مجانية ساهمت في تحريك المياه الراكدة، لكنها -كما يصفها ياسين- عودة بلا أمان، عودة إلى أرض لا تزال رائحة البارود فيها تطغى على رائحة الطين، في مشهد إنساني قاتم يضع اللاجئ السوداني بين خيارين كلاهما علقم.​ ضغوط دول اللجوءدول الجوار لم تعد تحتمل، أو ربما لم تعد ترغب. في ليبيا، تنصب الفخاخ للاجئين وتتوالى حملات الترحيل في أجواء معادية، وموريتانيا تسير على ذات النهج، بينما يظل وضع اللاجئ في أوغندا مساحة استثناء هشة، في وقت تبدو فيه الصورة في تشاد غامضة تكتنفها الريبة. هذا التخبط الإقليمي يضع مفوضية اللاجئين أمام حقيقة مرة: الملايين عالقون في منطقة رمادية، بلا حماية دولية وبلا ترحيب محلي، مما يجعل مستقبلهم رهن أمزجة السياسة وتقلبات الحكومات.​ العوائق الميدانية الكبرىفي قلب كل هذا الضجيج، تظل الحرب هي الفاعل الوحيد. القتال في دارفور والنيل الأزرق وكردفان يبتلع كل محاولة لبناء استقرار. ياسين يوجه سهام نقده لآلات التضليل التي تستخدم “التزييف العميق” لتجميل القبيح وتصوير مناطق الصراع وكأنها واحات أمان. إنها “حرب معلومات” لا تهدف للحقيقة، بل لخلط الأوراق، مما يجعل اللاجئ غارقاً في دوامة من الأكاذيب، غير قادر على اتخاذ قرار العودة أو البقاء، محبوساً بين واقع محترق وأمل كاذب.​ تصاعد خطاب الكراهيةالأخطر من الحرب هو تحول الشعوب المضيفة ضد ضيوفها. يلمس ياسين صعوداً مخيفاً لخطاب الكراهية، وهو أمر يراه النذير الأخير قبل انهيار التضامن الاجتماعي. هو لا يخلط بين “ثرثرة” منصات التواصل وقرارات الدول، لكنه يخشى من اليوم الذي تتحول فيه الكراهية إلى قانون. إن إغلاق أبواب العمل والتعليم في وجه اللاجئ السوداني هو دفع متعمد له نحو قوارب الموت؛ فالمجتمعات التي كانت يوماً ملاذاً، باتت اليوم تضيق ذرعاً بمن لجأ إليها، مما يفاقم من عزلة اللاجئ.​ فجوة التمويل المأساويةفي النهاية، العودة ليست قراراً، بل هي استحقاق سلام لا يلوح في الأفق. وبينما ننتظر، تتحدث الأرقام بوضوح: 13% فقط من احتياجات اللاجئين مغطاة، و87% من الميزانية مجرد حبر على ورق. إن احتياجنا لـ 1.6 مليار دولار ليس مجرد أزمة مالية، بل هو وثيقة إدانة للمجتمع الدولي الذي يراقب تفتت أمة من بعيد. إذا لم تكن هذه الأرقام كافية لإيقاظ الضمير العالمي، فإننا أمام كارثة ليست مجرد “أزمة لجوء”، بل هي محوٌ لهوية شعبٍ كامل يُدفع دفعاً نحو المجهول.The post نزوح قسري: غرق طموح السودانيين في البحار appeared first on صحيفة مداميك.