الرواية في مواجهة الأرشيف الصامت: قراءة في رواية «التاسع من أغسطس 1924»

Wait 5 sec.

وجدي كامللا تبدو أزمة التاريخ السوداني في تعدد سردياته، وإنما في هيمنة السرديات المضللة التي نجحت، عبر الزمن، في احتكار الذاكرة الوطنية وإقصاء كثير من الحقائق المؤسسة لها. ومن أبرز هذه السرديات تلك التي احتفت بثورة اللواء الأبيض وبطلها علي عبد اللطيف احتفاءً احتفاليًا أكثر منه معرفيًا، فخلّدت أسماءً وأحداثًا، لكنها حجبت، في الوقت نفسه، جوانب واسعة من التجربة الإنسانية والسياسية، والتفاصيل والتقاطعات التي صنعت الثورة. فقد احتفت بالثورة بوصفها رمزًا وطنيًا، لكنها اختزلتها في سردية رسمية انتقائية، همّشت كثيرًا من الفاعلين والتجارب والأسئلة، فبقي جزء مهم من ذاكرتها خارج الأرشيف المتداول.من هنا تأتي أهمية رواية «التاسع من أغسطس 1924» لأحمد حسب الله الحاج. فهي لا تتخذ من ذلك اليوم مجرد إطار زمني لأحداثها، وإنما تحوله إلى فضاء روائي يعيد بناء تاريخ ثورة اللواء الأبيض من الداخل، عبر شخصياتها الرئيسة والفرعية، ويكشف تفاصيل حياتها اليومية، وأشكال مقاومتها، وأحلامها، وخيباتها، في مواجهة الاستعمار البريطاني (1898–1956).وقد قدّم أحمد حسب الله الحاج روايته باقتباس لإرنست هيمنغواي يقول فيه: «اليوم هو يوم واحد فقط من بين كل الأيام التي ستأتي، لكن ما سيحدث في كل الأيام الأخرى القادمة قد يعتمد على ما تفعله اليوم.»وتقوم الرواية على تقنية سردية لافتة، أساسها تعاقب اللوحات الشخصية وتداخلها، بحيث يغدو كل مناضل نافذةً تفضي إلى المناضل الآخر، وكل حكاية امتدادًا لحكاية أكبر هي حكاية الثورة نفسها. ومن خلال هذا البناء، يرسم الحاج صورًا نابضة لعلي عبد اللطيف، وعبد الفضيل الماظ، وعبيد حاج الأمين، وعبيد النور، ومحيي الدين جمال أبو سيف، وخليل فرح، وسيد فرح، وتوفيق صالح جبريل، والعازة محمد عبد الله الخندقاوي، وعرفات محمد عبد الله، وعمر دفع الله، وعلي البنا، وإبراهيم بدري، وغيرهم من صناع الثورة ورموزها، دون أن ينسى رسم شخصية صمويل عطية والإداريين البريطانيين، بوصفهم الوجه الآخر للصراع.ولعل من أهم إضافات الرواية أنها تقدم، للمرة الأولى روائيًا، شخصية «فوز» ومجلسها، الذي تحول إلى ملاذ ثقافي واجتماعي وإنساني لأعضاء اللواء الأبيض، فتستعيد بذلك جانبًا ظل غائبًا عن معظم الكتابات التاريخية، التي انشغلت بالحدث السياسي وأغفلت الحياة اليومية لصانعيه.ولا يقدم الكاتب شخصياته من الخارج، كما تفعل كثير من المؤلفات التاريخية، بل يدخل إلى أعماقها، ويجعل القارئ يعيش قلقها، وشجاعتها، وانكساراتها العاطفية، ويشاركها تفاصيل النضال، والخيانة، والخذلان، والأمل. فالخيانة تأتي ممن ادعوا الانتماء إلى المشروع الوطني، والخذلان يأتي من الشق الأعلى من وادي النيل، ممثلًا في قيادة الجيش المصري، بينما يتصاعد السرد ساعة بعد ساعة نحو ذروة التاسع من أغسطس، حتى يبدو الزمن نفسه أحد أبطال الرواية.ولا يتعامل أحمد حسب الله الحاج مع التاريخ بوصفه مادة للتوثيق فحسب، وإنما بوصفه أيضًا مادة للإبداع، ذات قابلية عالية للتخييل. فهو لا يقف في موقع المؤرخ، بل في موقع الشاهد الفني الذي يعيد إنطاق الشخصيات، والأمكنة، والأزمنة، ويمنحها حياة جديدة. ولهذا تبدو الرواية، في كثير من صفحاتها، وكأنها تسترد التاريخ من قبضة السردية الرسمية، وتعيده إلى أصحابه الحقيقيين.ويظل حب الوطن، والإيمان بالتحرر، هما القوة المحركة للسرد كله. ففي مقابل صلف الاستعمار وعنفه، ترتفع قيم البسالة، والإصرار، والتضحية، حتى يصبح الموت نفسه جزءًا من مشروع الحرية، لا نهايته.كما تنجح الرواية في إبراز البعد الحداثي لثورة اللواء الأبيض؛ فشخصياتها تحلم بسودان يتجاوز القبيلة، والعرق، والطائفة، ويؤسس لوطن يقوم على المواطنة والانتماء المشترك. ومن خلال هذا التصور، تكشف الرواية أن معركة الثورة لم تكن ضد الاستعمار وحده، بل كانت أيضًا ضد البنى الاجتماعية والثقافية التي غذّت الانقسام والتمايز.وأحسب أن أكثر ما يميز هذه الرواية هو صدقها الفني، وانحيازها الأخلاقي إلى روح الثورة، من غير أن تقع في المباشرة أو الخطابة. فاللغة شفافة، لكنها عميقة، والسرد متماسك، لكنه لا يفقد شاعريته، أما التاريخ فيتحول إلى تجربة إنسانية حية، لا إلى وقائع جامدة.لهذا كله، تبدو «التاسع من أغسطس 1924» أكثر من مجرد رواية تاريخية؛ فهي عمل أدبي يعيد مساءلة الذاكرة الوطنية، ويكشف ما حجبه الأرشيف المخاتل من أصوات وتجارب، ويسترد صفحات ظلت طويلًا حبيسة التعتيم والتشويه. ومن هذا المنظور، تغدو الرواية واحدة من أهم الأعمال السردية السودانية التي جعلت من الفن وسيلة لمراجعة التاريخ، ومن الخيال أداة لاستعادة الحقيقة الإنسانية التي غيبتها السرديات الرسمية.The post الرواية في مواجهة الأرشيف الصامت: قراءة في رواية «التاسع من أغسطس 1924» appeared first on صحيفة مداميك.