مسافات موسيقى الحب والطبيعة في مسرح القصيدة السودانية المعاصرة: قراءة مسافاتية نقدية في القصيدة الموسومة ( أزهرُ مثلَ كمنجة ) للشاعر السوداني عادل سعد يوسف

Wait 5 sec.

قراءة: د. مسلم عباس الطَعَانمسافة إستهلالية:تتسم قصيدة النثر السودانية المعاصرة بتداخل و تشابك و تعالق مسافات ثقافية و وجدانية و جمالية عميقة الجذور تفضي إلى عمليات خلق أبداعي لصور شعرية مبتكرة، تستمد سماتها البلاغية من داخل النص، و لا تتكئ على أسلوب التقليد المحاكاتي لنصوص كلاسيكية، بل تجترح بنية إيقاعية و ثيماتية تنبجس من معين التجربة الجمالية، و تتداخل فيها مسافة الذاكرة مع مسافات التفاصيل اليومية للحياة لتنتج نسيجاً سردياً و شعرياً بلغةٍ دراميةٍ مدهشة. إنّ التجربة الشعرية السودانية الحديثة لا تتسم بكسر جدارية النمط التقليدي للشعر، أي عبر التحرر من قيود الوزن والقافية فحسب، بل من خلال توظيف جماليات السرد و الدراما، حيث أدخل معظم الشعراء تقنيات السرد والدراما في النص الشعري، مما جعل القصيدة تبدو مثل لوحة بصرية يقف أمامها المتلقي متأملاً بعمق جمالي و ذائقة حسيّةٍ متيقظة. و يُعَدّ الشاعر عاطف خيري من أبرز الشعراء المحدثين الذين ركبوا مركب التجريب الشعري، حيث أثرى المشهد السوداني بكتابات تُعنى بالخلق التجريبي و الابتكار موظفاً تقنية الانفصال عن الأساليب القديمة من أجل خلق فضاءاتٍ شعريةٍ جديدة.و من الشعراء الذين غرّدوا خارج السرب التقليدي بعناد و إصرار جمالي، الشاعر السوداني عادل سعد يوسف، و هو شاعر عاشق للحب، ومجنون بالحب، لا تفوته شاردة وواردة الا تحدّث عن الحب و في الحب، فالشعر لديه حب، والله حب، والمرأة حب، والزهرة حب، والموسيقى حب، و قد وظّف ثيمة الحب في شعره الفصيح والشعبي. في نصه الشعري الموسوم ( أُزهِرُ مثلَ كمنجة) يؤسّس مسرحاً للحب داخل مسرح قصيدته، وكأنّه يتبع التقنية المسرحية المعروفة: مسرحية داخل مسرحية Play Within a Play، و لا غرابة في ذلك فالشاعر يمتلك خبرة درامية و رصيداً مهما في الكتابة المسرحية الرصينة.و حسب مفهومنا المسافاتيّ نرى بأنَّ الحبَّ في مسرح قصيدة الشاعر عادل سعد يوسف يشكّلُ عموداً مهماً من أعمدة شِعريَّتِه الباذخة، بل شخصيّة تكاد تكون مهيمنة Dominating Figure سرديّاً و شعريّاً، و محرّكة لدراميّة النص الذي يكتبه، ولكل الشخوص الثيماتية والإنسانيّة التي تؤدّي أدوارها فوق خشبة مسرح القصيدة بنَسَقٍ موسيقيّ نوطته المحورية تعمل جسراً جماليّاً بين الإنسان و الطبيعة.مسافة النص:(أزْهِرُ مِثَلَ كَمْنْجَةعادل سعد يوسفحِيْنَمَاتَشْتِلينَ صَبَاحَكِ الأنْثَوِيِّ عَلَى الأرْصِفَةِعَلَى الأصَائِصِ الَّتِي تَنْتَظِرُكِ عِنْدَ شَارَةِ المُرُورِاُثْمِرُ نَحْلًا يَطْوِي وَحْشَتَكِ الشِّتَائِيَّةَأزْهِرُ مِثَلَ كَمْنْجَةٍ تَشْهَقُ بِالشَّرَابِ السِّيمْفُونِيِّوَأحْضُنُكْ...دَعِينِيأتَذَكَّرُ النَّهَارَ المَدَارِيَّالْتِفَاتَةَ كَعْبَيْك عِنْدَ شَارِعِ الحُرِّيَّةِ/ عَينَ بَائِعِ الأحْذِيَةِ المُتَلَصِّصَةِالسَّاعَةَ الرَّابِعَةَ وهِيَ تَسْندُ أكْتَافِهَا عَلَى جِدَارِ الحَيَاةِوَتَبْكِي...دَعِينِيأتَذَكَّرُالبَسَاتِينَ الَّتِي تَدَّخِرُكِ للفَاكِهَةِ/ العِطْرَ الحَرِيرِيَّ عَلَى عُنْقِكِ/ قِلادَتَكِ المَلْآى بِاليَنَابِيعِالبَلاغِيَّةِ/ تَنَهُدَاتِكِ السَّائِلَةَ فِي الشَّاسِعِ مِنْ فِتْنَةِ الحَمَامْ...دَعِينِيأهَبُكِ غَابَةً كَثِيفَةً مِنْ الحُبِّنَظْرَةَ النُّجُومِ الكِرسْتَالِيَّةِ فِي بُحَيْرَةِ غُولْ بَاشِيالنَّايَاتِ المُثْقَلَةَ بِالشِّعْرِ فِي حِكْمَةِ الرُّومِيِّوأجْثُوعِنْدَ شَمْعَةِ العِنَاقْ.)مسافة العنوان:العنوان الرئيسيّ للنص( أُزهِرُ مثلَ كمنجة) يتكوّن من ثلاثة كلمات تبدأ بالفعل (أُزهِرُ) الذي لو فكّكناه مسافاتيّاً ندرك معنى الترابط العضوي ما بين الإنسان والطبيعة، و ربما هنا تثار بعض التساؤلات: كيف يتسنى لشخصيّة الشاعر- الراوي- الممثل-المخرج- المنتج للنص أن يزهِرَ مثل آلةٍ موسيقيّةٍ ( كمنجة)؟! والكلمة الثانية ( مثلَ) وهي من ناحية المسافة اللغوية تعمل كأداة تشبيه رابطة بين مسافتين مختلفتين بالمعنى والبنية اللغوية-النحوية، أما الكلمة الثالثة ( كمنجة) فتمثل الشخصيّة الموسيقية التي تؤدّي دورها في ترجمة موضوعة الحب بين الإنسان و بيئته الطبيعية. مالذي يدعو شخصيّة ذلك الإنسان العاشق أن تزهرَ موسيقيَّاً؟! بطبيعة الحال إنَّ الجواب الصريح تنطق به شخصيّة الحب كثيمة مركزية و كبنية مسافاتية ترتكز عليها أعمدة مسرح القصيدة.مسافة أولى: الصباح الأنثوي بوصفهِ شتلةً مزهرة على الأرصفةيشتغل الشاعر عادل سعد يوسف على المسافة الأنثوية في جلّ تجاربه الشعرية، حيث وجود الأنثى يُفجّر لديه طاقة عميقة ذات رؤية رومانسية مبتكرة، لأنه يمزج بين تفاصيل الحياة اليومية و الطبيعة. إنّ تصويره للصباح الأنثوي كشتلةٍ مزهرة على الأرصفة يتجاوز فيه لغة الوصف التقليدي، إذ يحوّله، حسب نظرية التحوّل المسافاتيّ، إلى لوحة شعرية تنبض بالحياة، ذات محمولات و دلالات تعبر حدود المسافة الحسّية، من أجل الوصول صوب مسافة الإنعتاق الجمالي و الإنسانيّ المنشود، حيث يقول:حِيْنَمَاتَشْتِلينَ صَبَاحَكِ الأنْثَوِيِّ عَلَى الأرْصِفَةِعَلَى الأصَائِصِ الَّتِي تَنْتَظِرُكِ عِنْدَ شَارَةِ المُرُورِاُثْمِرُ نَحْلًا يَطْوِي وَحْشَتَكِ الشِّتَائِيَّةَأزْهِرُ مِثَلَ كَمْنْجَةٍ تَشْهَقُ بِالشَّرَابِ السِّيمْفُونِيِّوَأحْضُنُكْ...في المسافة الأولى من مسرح قصيدته، يقدم لنا المبدع عادل سعد يوسف شخصيتين إنسانيتين هما: أنا الشاعر-الراوي، و شخصية المرأة- المعشوقة التي تشتل صباحها الأنثوي في تربة الأرصفة، أما الشخصيات الدرامية الأخرى فتكون قراءتها على النحو التالي:( الصباح الأنثوي، الأرصفة، الأصائص، شارة المرور، النخل المثمر، وحشة الشتاء، الكمنجة، الشراب السيمفوني)، و تلك الشخصيات لا يكتمل دورها الدرامي دون إقترانها بالأفعال التالية:(تشتلينَ، تنتظرُكِ، أثمرُ، يطوي، أزهرُ، تشهقُ،أحضنُكِ)، و هناك الشخصيات النقطية: ( نقطتان يضعهما الشاعر في نهاية كل مشهد مسافاتيّ)، إذْ يترك لجمهور مسرح القصيدة تصور فعلها و دورها الدرامي، وربما يترك له حرية ملئ الفجوة بما يجود به مخياله الجمالي. و عند تفكيك البنية الثيماتية Thematic Structure للمسافة أعلاه، نرى بأنّ الشاعر يوظف الأنوثة بوصفها طبيعة متجددة و معطاءة، فالشاعر يركز على مسافة الرمزية النباتية، حين يصور المرأة ذات الصباح الأنثوي في صورة نبتة مزهرة تضفي البهجة و الجمال على قسوة الأرصفة، و هنا يجعلنا نتيقن بأنّ الأنثى لها المقدرة الدرامية على بث نسغ النماء في مسرح الحياة، و لعب دور الدفء بنجاح في أقسى و أصلب الأمكنة الخالية من جماليات غرس المشاعر و العواطف والأحاسيس الحقيقية.مسافة ثانية: مسرح ذاكرة القصيدة بين السرد والدراما:ثمّةَ رؤية درامية في مسرح القصيدة، تقودنا للتفكير في مسرح ذاكرة القصيدة. هل الذاكرة مستودع جمالي يغرف منه الشاعر متى ما يشاء، من صور ماضوية و تفاصيل يومية، عندما يشعر بتصاعد منسوب التوتر الدرامي، أم إنّ الذاكرة نفسها هي عبارة عن خشبة مسرح ذهنية أو خيالية، تزوّد الشاعر بما يحتاج إليه من زاد درامي و مؤونة جمالية؟! نقرأ الحوارية المستمرة بين الذات الشاعرة وأنثاها حيث يدلي الشاعر بدلوهِ قائلاً:دَعِينِيأتَذَكَّرُ النَّهَارَ المَدَارِيَّالْتِفَاتَةَ كَعْبَيْك عِنْدَ شَارِعِ الحُرِّيَّةِ/ عَينَ بَائِعِ الأحْذِيَةِ المُتَلَصِّصَةِالسَّاعَةَ الرَّابِعَةَ وهِيَ تَسْندُ أكْتَافِهَا عَلَى جِدَارِ الحَيَاةِوَتَبْكِي...هنا تعتلي خشبة مسرح القصيدة الشخصيتان ذاتهما: أنا-الشاعر-الراوي والمرأة التي يطلب منها أن تمنحه فرصة إيقاظ الذاكرة:(دعيني/ أتذكر النهارَ المداريَّ)، هكذا يقوم الفعل ( أتذكرُ) بمهمة فتح باب الذاكرة على مصراعيه لتتحقق عملية التحوّل المسافاتيّ: مسافة أنا-الشاعر-الراوي تتحوّل إلى مسافة أنا-الشاعر-السارد، و ذلك التحوّل يحيلنا، نحن جمهور مسرح القصيدة، إلى مسافة زمنية تجسّدها عبارة( اتذكرُ النهارَ المداريَّ)، ليجعلنا نتساءل بلهفة: ماذا حصلَ في ذلك النهار المداري؟ والذاكرة هنا هي الشاهد والسارد الدرامي، فهي تعطي الشاعر الحرية ليتقمص دورها و يسرد لنا بقية التفاصيل المسافاتية حيث النهار (المداري) يكون مسافةً جغرافية، و ( إلتفاتة كعبيك) مسافةً جسدية، و ( عندَ شارعِ الحرية) مسافةً مكانية، و ( عين بائع الأحذية المتلصّصة) مسافةً جسدية-سردية مركّبة، و كأنّ الشاعر هنا يقدم لنا قصة قصيرة جداً في سطر واحد، و يعود بعد ذلك للمسافة الزمنية التي تتداخل درامياً مع المسافة الجسدية حين يقول: ( الساعة الرابعة و هي تسند ُ أكتافها على جدارِ الحياة/ و تبكي)، هنا تعرض مرآة المشهد الدرامي Mirror of Dramatic Scene صورة تحوّل مسافاتيّ أخرى، حين يكون للساعة الرابعة( مسافة زمنية) أكتافاً ( مسافة جسدية) تسندها على جدار الحياة( مسافة مكانية )، و تبكي( مسافة شعورية)، و هكذا يبدع الشاعر عادل سعد يوسف في خلق دراما جمالية يجسّد أدوارها البطولية كل من: ( أنا-الشاعر-الراوي-السارد، أنا-الأنثى-الغائبة-الحاضرة، الذاكرة عبر الفعل ( أتذكر)، إلتفاتة الكعبين، شارع الحرية، عين بائع الأحذية المتلصّصة، الساعة الرابعة، أكتاف الساعة الرابعة، جدار الحياة، و شخصية البكاء يجسّدها الفعل: تبكي). ثمّةَ شخصيّات نقاطية غائبة، ربما يريد الشاعر من جمهور مسرح قصيدته أن يكتشف الفعل الدرامي لهاتين النقطتين، يترك الشاعر لجمهور القرّاء أو المتلقين مهمة تخيلهما أو القيام برحلة كشف خيالية عنهما خلف الكواليس.مسافة ثالثة: العطر الحريري للذاكرة بين المسافة النباتية و المسافة الجسديةفي المشهد المسافاتيّ الثالث، ثمّةَ تقنية أو مسافة تكرارية Repetitive Distance تخبرنا عن تكرار طلب العاشق لمعشوقته أن تجود عليه بفرصة جديدة ليفتح لنا، نحن جمهور مسرح قصيدته، نافذةَ ذاكرةٍ نباتية تمثل الطبيعة التي تصدح في أرجاءها الشاسعة موسيقى الحب:دَعِينِيأتَذَكَّرُالبَسَاتِينَ الَّتِي تَدَّخِرُكِ للفَاكِهَةِ/ العِطْرَ الحَرِيرِيَّ عَلَى عُنْقِكِ/ قِلادَتَكِ المَلْآى بِاليَنَابِيعِالبَلاغِيَّةِ/ تَنَهُدَاتِكِ السَّائِلَةَ فِي الشَّاسِعِ مِنْ فِتْنَةِ الحَمَامْ...لم يزلْ الشاعر هنا يتكئ على فعل الذاكرة المسافاتيّة التي تشهدُ تحوّلاتٍ دراميةٍ من مسافةٍ إلى أخرى عبر تكرار اللازمة ( دعيني/ اتذكر)، فضلاً عن رسم مشاهد تصويرية درامية تلعب دور البطولة فيها الشخصيّات التالية: (البساتين، الفاكهة، العطر الحريري،عنق المعشوقة، قلادتها، الينابيع البلاغية، التنهدات السائلة، و فتنة الحمام). كالعادة ينهي ذلك المشهد الدرامي بنقطتين تعبران عن ثيمة و قيمة الفراغ أو البياض بوصفه عنصر جذب لجمهور مسرح القصيدة ليؤكد لنا بإنّ مسافة البياض لها دورها الدلالي و الجمالي الذي يلعبه المتلقي عندما يصيخ السمع لأصوات موسيقى المخيّلة لكي تدلي بدلوها الدلالي هي الأخرى.مسافة رابعَة: غابة الحب و موسيقى نايات الحكمةفي المشهد الدرامي الأخير، مشهد الذروة المسافاتية، ننتظر نحن جمهور مسرح القصيدة، سماع موسيقى الحب و ردة فعل الطبيعة تجاه تلك الموسيقى المسافاتية: بمعنى إنَّ تلك الموسيقى لم تكن منبجسة من معين واحد مثل الكمنجة، بل إنها تأخذ أشكالاً أخرى كالناياتِ مثلاً التي تترجم لغة موسيقية من نوع آخر، و هنا لم يعد الشاعر متكئاً على ما يجود به مخيال ذاكرته من عطايا رؤيويه و إبداعية، و إنما قرّرَ أن يهبَ ما تراكمَ في مستودعه الجماليّ من مقتنياتٍ هذه المرة، و بدلاً من الأخذ آثرَ فعلَ العطاء حيث يقول:دَعِينِيأهَبُكِ غَابَةً كَثِيفَةً مِنْ الحُبِّنَظْرَةَ النُّجُومِ الكِرسْتَالِيَّةِ فِي بُحَيْرَةِ غُولْ بَاشِيالنَّايَاتِ المُثْقَلَةَ بِالشِّعْرِ فِي حِكْمَةِ الرُّومِيِّوأجْثُوعِنْدَ شَمْعَةِ العِنَاقْ.حسب منظور ( التبادل المسافاتيّ) الذي يُعَدُّ عموداً رئيسيّاً من أعمدة نظريتنا النقدية الموسومة ب( المسافاتيّة )، يكون الشاعر قد هيّأ لأنثاه طبيعةً أخرى موازية أو معادلة للطبيعة الخارجية، بل أحياناً تكون مطابقةً لها. كرّر الشاعر فعل الأمر ( دعيني) ولكن لم يكرّر فعل الذاكرة ( أتذكر)، و هنا تحصل عملية التحوّل الدرامي حيث يهب الشاعر معشوقته ( غابةً كثيفةً من الحب) و ( نظرةً) خاصّة إستعارها من مشهد إنعكاس ضوء ( النجوم الكرستالية في بحيرة غول باشي) المعروفة بإسم بحيرة موغان الشهيرة التي تقع جنوب مدينة أنقره في تركيا و هي منطقة جذب سياحي يقصدها الزوّار من كل حدب وصوب من أجل الاستمتاع بجمال الطبيعة و صيد الأسماك و مراقبة الطيور المهاجرة، و تلك الهبات كانت أيضاً مصحوبةً بموسيقى (النايات المثقلة بالشعر في حكمة الرومي)، و هنا إشارة إستحضارية مهمة لشخصية جلال الدين الرومي الذي يرى بأنّ الحب هو مفتاح كل حكمة. يشهد المشهد الأخير ليس تصاعداً درامياً فحسب، بل هناك موسيقى متصاعدة لتداخلات أو تشابكات مسافاتيّة يمكن لنا قراءتها على النحو التالي : إزاء العطاء الرومانسي اللامحدود الذي جادت به تلك المعشوقة، حيث كانت تشتل صباحها الأنثوي على الأرصفه والأصائص، كان لابُدَّ للشاعر-العاشق من رد ذلك الجميل بالمثل و أكثر. إنّ ذلك الفعل النباتي والزهري الذي قامت به تلك المعشوقة ينتمي إلى مسافات طبيعة العشق والحب الذي تكنّه تلك الأنثى لحبيبها- الشاعر. إنّ فعلها الجماليّ جعله يثمرُ نخلاً( مسافة نباتية) يطوي وحشتها الشتائية( مسافة زمنية)، و يزهرُ ( مسافة نباتية ) مثل كمنجةِ ( مسافة موسيقية) يفوح منها أريج موسيقى الحب، الذي يتحوّل لديه إلى ( غابةٍ كثيفة من الحب: مسافة نباتية-شعورية). و هنا لا تقتصر هبات الشاعر الجمالية على ما ذكرناه آنفاً، بل يستعير نظرةً ( مسافة جسدية) من النجوم الكرستالية ( مسافة ضوئية) في بحيرة غول باشي ( مسافة جغرافية-سياحية)، و كذلك يهب ذلك الشاعر- العاشق معشوقته النايات المثقلة بالشعر (مسافة موسيقية-شعرية) في حكمة الروميّ ( مسافة شخصية-تراثية-شعرية-صوفية). إنَّ تداخل جميع تلك المسافات و حضورها في بؤرة درامية واحدة فوق خشبةِ مسرحِ القصيدة تجعل الشاعر-الراوي- المنتج- المخرج و الممثل لدور العاشق ( يجثو)، وبعدما تطفئ الإضاءة الإفتراضية، يبصر و يدرك جمهور مسرح القصيدة، و هو يطلقُ صفارات الإعجاب و الدهشة، المشهد الأخير، أي المشهد- الذروة الذي تُشعلُ فيه (شمعة العناق) ما بين العاشق و معشوقته.مسافة الخاتمة:في مسرح قصيدة الشاعر السوداني المبدع عادل سعد يوسف ثمّةَ تلاقح مسافاتي ما بين الموسيقى والحب، و هذا الأمر يتجلّى في التداخل الايقاعي الثري الذي يمزج بين المعاناة الإنسانية و المشاعر الرومانسية، حيث لا حب بلا موسيقى ولا موسيقى بدون حب. إنّ الحب الذي يتشكّل من موسيقى المشاعر و العواطف والأحاسيس بوصفها بذوراً تنمو في تربة الطبيعة الداخلية، يجعل منه ذلك الشاعر-العاشق غابةً كثيفة تحاور الطبيعة الخارجية بغناءٍ حواريّ لا ينضب نهره الجاري فوق خشبة مسرح القصيدة.————————-(أستاذ مادة الشعر الإنجليزي في كلية مزايا الجامعة /ذي قار /العراق)The post مسافات موسيقى الحب والطبيعة في مسرح القصيدة السودانية المعاصرة: قراءة مسافاتية نقدية في القصيدة الموسومة ( أزهرُ مثلَ كمنجة ) للشاعر السوداني عادل سعد يوسف appeared first on صحيفة مداميك.