يوسف الغوثحيث الشمسُ سياط من نار، والحرُ وباء يسري في العروق، يبحثُ الظلُ عن موضعٍ يرقدُ فيه فلا يجده، وتأتي الريح لهب يذيبُ الحجرَ قبل الجسدِ.،،فيعيشُ السودانيُّ مأساةً ثلاثيةً ،، حر يذيبُ الجسدَ، ثم حرب تكوي الضميرَ، و ظلامٌ يخنقُ القلبَ..إنَ الأمهاتِ يروحن أطفالا لا يخافونَ الحربَ فحسب، بل يشكون حراً يقتل ببطءٍ، فالثلاجات مقابرُ للغذاءِ، والمراوح أصنام جامدةٌ، والصغارُ يسألونَ بألسنةٍ عاجزةٍ،،متى يعودُ النورُ؟ فلا مجيبَ.في المستشفياتِ، تتوقفُ أجهزة الإنعاشِ، ثم تخفت أنفاس الخدجِ في حضاناتِهم، والمرضى يُتركون بينَ الحياةِ والموتِ. فالدواءُ رهينة سلكٍ كهربائيٍّ عابثٍ، والموت يسبق المكيفاتِ الوثيرة..أما الممرضات فأراهنَ يمسحن جبين المريضِ بقطنةٍ مبللةٍ، وكأنهنَ يطلين وجهَه بآخرِ قطراتِ الحياةِ،غيرَ أنَ لمكيفاتِ قد ماتتْ قبله، فلم يعد في الغرفةِ من يُنفس عنه سوى أيديهنَ المرتجفةِ أو دعواتِ الأمهاتِ من خلفِ الزوايا.تصفر أجهزة الإنعاشِ وكأنها تنعي من سيأتي، أما الصغارُ في الحضاناتِ فيزفرونَ أنفاسا لم تكتملْ، وكأنَ انقطاعَ الكهرباءِ لم يقتلِ المكيفاتِ وحدها، بل قتل الأملَ في أن يصلَ الصباح إلى هؤلاء قبلَ فواتِ الأوانِ…يتحولُ الدواء إلى سموم فاسدةٍ في البيوتِ، والطلاب يصارعونَ لهيبَ الشموعِ، تئن المصانعُ صامتة، وتغلقُ المخابز أبوابَها، فالحياة كلُها تترنح في انتظارِ نبض كهربائيٍّ لا يأتي.أما ألواح الطاقةِ الشمسيةِ، فهي سلعة للمحتكرينَ، تباع بأثمانٍ فلكيةٍ، فالفقراءُ يكتوونَ بالظلامِ، ومن لا يملكُ شيئا يشتري الموت بصمتٍ.والعجب العجيب أنَّ السودانَ يغرقُ في المياهِ، فالنيلُ يجري بشلالاتِه وسدودِه التي وعدتنا بالنورِ، مياهٌ تكفي لإحياءِ القارةِ، لكنها تجري شهودا على عتمتِنا. فما أعجبَكَ يا سودانُ!!!ترفع عينَكَ إلى سطحٍ تتداعى عليه حصون الجشعِ، فإذا الألواحُ الشمسية تتألقُ كدمى من نفاقٍ، تتعالى على أجسادِنا المتلظيةِ، تمتدُ منها خيوطُ نورٍ إلى مكاتبَ باردةٍ، مكيفاتها تهمسُ ببرودٍ ساخرٍ، بينما الشعب يحترق تحتَ وهجِ الشمسِ ذاتِها…أيها السادةُ في مكاتبِكم الوثيرةِ، لقد لجأتم إلى الشمسِ لأنَ محطاتِكم انهارت، وهذا اعترافٌ بأنَّ العطبَ ليس في المصدرِ، بل في الإدارةِ، ليس في الجهدِ، بل في الضميرِ. فكيف تنامونَ في برودٍ مصطنعٍ، والمواطنونَ يموتونَ تحتَ الشمسِ التي اشتريتموها لأنفسِكم؟أتعلمونَ أنَ الموتى في ثلاجاتِ المستشفياتِ يتحللونَ أسرع من أن تصلَ إليهم الكهرباءُ؟!نحنُ ندفع الفواتيرَ شهراً بعدَ شهرٍ، نقتطع من لقمةِ أطفالِنا ثمناً لنورٍ لا يصلُ،نعطي أموالَنا لكم، ونستردوظلاماً دامساً. فواتيرُنا تتضخمُ، وأنهارُنا تنضب من الكهرباءِ التي لا نراها،جيوبُنا تفرغ وخزائنُكم تمتلئُ فايُ عدالةٍ هذه التي تجعلُنا ندفعُ ثمنَ ما لا نملكُ، ثمَ نسلَبُ؟! ولماذا لا تُضيءُ بيوتنا؟!نريدُ كهرباءَ تعيدُ الحياةَ للمستشفياتِ، وتنعش البيوتَ، ثم تضيءُ دروبَ الأطفالِ. نريد عدالةً تشع ضياءً للطفلِ الباكي في الظلامِ، قبلَ الموظفِ النائمِ في النورِ. صراخنا سيعلو فوقَ دويِّ مكيفاتِكم، وبكاءُ أطفالِنا سيكون الرعدَ الذي يقتلعُ كراسيَكم الوثيرةَ. ..إنَ الناسَ متساوون في الماءِ والكلا والنارِ. فإذا كانتِ الشمس مشرقة على الغنيِ والفقيرِ، والنيل يجري للقادرِ والعاجزِ، ونحنُ ندفعُ الثمن ذاته، فلماذا نحن وحدَنا في الظلامِ؟!فنحن والموتى سواء، كلانا في انتظارِ من يصلِّي علينا، غيرَ أنَ الموتى لا يدفعونَ فواتيرَ، ونحن ندفع ثمَّ ننتظر. فإذا كانتِ الشمس للجميعِ، والنيلُ للجميعِ، والفواتيرُ للجميعِ، فلماذا الظلام ليس للجميعِ؟!ايها السادةُ في مكاتبِكم الوثيرةِ، أيها المحتكرونَ لألواحِ الشمسِ وأضواءِ النيلِ، أيها النائمونَ في برودِكم المصطنعِ، إنَ الشمسَ التي اشتريتموها لأنفسِكم ستشهد عليكم يومَ لا تنفعُكم مكيفاتُكم،وإنَ النيلَ الذي جعلتموه سدوداً تضيءُ مكاتبَكم سيصبح شاهداً على عطشِ الفقراءِ وظلامِ بيوتِهم….أما نحنُ فسنبقى تحتَ الشمسِ ننتظر عدلاًيأتي، أو غضباً يشتعل كالنارِ في حصادِ الظالمينَ…تحتَ الشمسِ ولِدْنا، وتحتَ الشمسِ سنموت، ولكنَ بينَ الولادةِ والموتِ سنعيد للشمسِ بهاءَها، وللنيلِ جريانَه، وللأطفالِ ضحكاتِهم المسروقةَ.سنضي دروبَنا بأيدينا، لا بمن تاجر بالظلامِ وابتاع النورَ لنفسِه. فالنورُ ليسَ سلعة والعدلُ ليس رفاهية اما الحياة فهي ليست لقمة سائغة في فمِ الأغنياءِ وحدَهم…يا سودان،يا وطني الحبيب، سنعود إليك فجرا لا تغيبُ شموسه، ونورا لن يخونه انقطاع الكهرباءيا سودان من رمادِ الشمسِ سيولد فجر جديد، لا يحتكر نورَه الأغنياء، ولا يشتري ظلَه المحتكرونيا سودان يا بلدي العزيز،،،سيأتي يوم تعودفيه الشمس شمسا للجميعِ، والنيل نيلا للجميعِ، والكهرباء ملكا للجميعِ. وسيكون ذلك اليوم هو يومَ انتصارِ الضمير على الجشع،يا سودان يا مجدي التليد ان الشمس التي كوت ظهورنا هي ذاتها التي ستنير دروبَ أحفادِنا ولو بعد حين …The post برد تحت الشمس appeared first on صحيفة مداميك.