د. عصام محجوب الماحي.. أسرار اجتماع الجنينة:سيد أحمد الحسين: لا تنطلي علينا “فزاعة” المصريين يجهِّزوا لانقلاباستكمالاً لما سبق من حلقات استحضرت فيها اجتماع (الجنينة) الذي عُقد ظُهر يوم الأحد 25 يونيو 1989 بين زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي السيد محمد عثمان الميرغني ووزير الدفاع وهيئة القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، وبعد أنْ استعرضت في السابقة الحديث المُخْتصر الذي أدلى به الوزير والقائد العام ورئيس هيئة الأركان ونائبه عمليات وأخيرا التقرير التنويري الضافي الذي قدّمه رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، انْتَقِل في هذه الحلقة لما سجَّلته بالتفصيل والدِقّة المطلوبتين، من حديث وزير الخارجية سيد احمد الحسين ومن بعده الحديث الذي أنهى به الميرغني الاجتماع والرسالة والشهادة التي قالها في حق القوات المسلحة. ولكن قبل ذلك دعونا نرى، وأعني ما أقول، ما فعله محمد الحسن عبد الله يسن، فقد يجعلك تسأل نفسك إنْ كُنت تقرأ أمْ تسمع؟ وهل أقرأ عن مشهد بالقلم والصورة الثابتة أمْ أتابِعه مُتحرِّكاً أمامي؟وحتّى لا يختلِط عليك الأمر، حتماً ستكتفي بأنّما يدْخُل الأذْن من صوتٍ، وما تراه الأعين من منظرٍ ثابِتٍ أو مُتحرِّكٍ أو من أحرُفٍ، كل ذلك مصيره العقل لِيَفِكّ شفرته ويمنحك الفهم الذي هو “قِسَمْ”، للبيبِ حظّ أوفر، تكفيه إشارة. ولغيره…. دعونا نتابِع، وفي هذه المرّة لنرى.. أي نعم، لنرى.****كان أوّل من تحدّث هو السيد محمد الحسن عبد الله يسن، ويمْكِن القول أنّه لمْ يتحدّث وإنّما اتّخذ قراراً، وقد فاجأ الاجتماع بأنْ نهض مُباشرة بعد انتهاء اللواء صلاح مصطفى من قراءة تقريره التنويري، وبدأ يضرب كَفّيه بعضهما البعض وكأنّه ينفُض غُباراً عنهما، وقال وهو لا زال نصف نهوض: إنتو إكتشفتو انقلاب؟ لا.. إنتو عملتو انقلاب.وعندما انتصب واقِفاً، أردف: قوم يا مولانا شوفْلَكْ طيارة أمْشي بيها مصر أو أيِّ مكان، أنا من دربي “دا” ماشي المطار أشوف أوّل رحلة للقاهرة. فكانت حركة كَفِّيه التي استمرّ فيها وهو يقول ما قال، في تقديري، أكثر تعبيراً لإثارة الدهشة والعجب معاً من كلماته القليلة التي خرجت، ولا أقول بعفوية، وإنّما عن قصد، ولا أشكّ أنّه فكّر فيها كثيراً قبل أنْ يرمي بها.تكهرب الجو، بَيْدَ أنّ الميرغني كان سريع التصرُّف وقد اضطره وقوف يسن أنْ يبدو وكأنّه يريد بدوره أنْ ينهُض، ولكنه قام بما لا أظُنّ أنّه فعل من قبل، وقد لا يفعل، فمدّ يده وأمسك بـ “الكُمِّ” الأيسر لجلباب يسن فوضع حدّاً لحركة كَفَّيه أوّلاً، وجَرَّهُ لأسفل ثانياً، قائلاً: يا محمد الحسن “كدا” أقْعُد، السفر ملحوق.كان ذلك، الفعل لا القول، مُدعاة لاستغرابي مِثل كل الحضور، فقد لاحظت أنّ الجنرال أمين عثمان أوَشَك على مُغادرة مقعده، غير أنّ دهشتي كانت “مُربّعة” بلْ “مُكعّبة”، وذات اتجاه أخر، فالميرغني قال “يا محمد الحسن…”، ولمْ يقُل “يا يسن…”، والمقربون للاثنين يعلمون أنّ الميرغني عندما يتحدّث مع أقوى السياسيين الاتحاديين في ذلك الوقت، كان يناديه بأحد الاسمين عندما يكون راضيا عنه، وعندما لا يكون، يستعمل الاسم الثاني، أو العكس، حتّى أشوِّش على الذين سيشحذون الذاكِرة لاستحضار المواقِف التي خاطبه فيها بـ “يا محمد الحسن” والحالات التي ناداه بـ “يا يسن”.وعليه، شَكَّلَت المُلاحظة مدخلاً لبعض الحضور، لتحليل قراءة الميرغني الخاطِفة للموقِف الذي اتخذه محمد الحسن، أو يسن، وعبد الله بينهما سَعِد بالاثنين، بالأب الذي صار جِدّاً وبالابن الذي أصبح حفيداً، رحم الله ثلاثتهم، فقد تركوا سيرة تمشي بين الناس بكل ما هو طيب.عاد يسن وجلس في مكانه، ولكنه واصل قائلا: إنتو جيتو هنا في الزمن الضائع، العملتو دا يا هو البِنَجِّح الانقلاب الجَارين وراهو تقبضوه، إنتو بلعتو الطَعَم، أمشو راجعو المسألة من أولها لأخرها وحا تلقو إنَّكُم ماسكين السِكّة الغلط.زاد ذلك القول من كهربة جوّ الاجتماع، ومع ذلك تناول السيد محمد عثمان الميرغني الحديث، ولعله أراد أنْ يوقِف يسن من الاسترسال، وقال: في الحقيقة أنا، بأخُذ كلامكُم بحُكْمِ المسؤولية التي تطّلعون بها، وهنالك بعض المسائل الفنية التي لا أشكّ أنكُم أفضل معرفة بها مِنّا نحن السياسيين، لكن أرجو أنْ تأخُذوا في اعتباركُم التحليل الشامِل السليم والعميق لخلفيات الوضع ولراهِن الأحداث وعدم الاكتِفاء بجانِبٍ واحد مُتعلِّق فقط بما يدور داخل الجيش، لأنّه في اعتقادي، إنّ ما يدور ليس بعيدا عن التطورات التي جرت خلال الفترة الأخيرة.ويبدو أنّ توزيع أدوار ما لتناول القضايا التي سيثيرها التنوير، كان قد جرى ترتيبه، أو هكذا اتضح لِيَّ لاحِقاً، وقد نظر الميرغني إلى يساره وكأنّه يقول لسيد احمد الحسين الكلمة لك، فيما يشبه التفاهُم بأنّه سيعبِّر عن موقِفه بالتفصيل، فقال الحسين خالِطاً بين لغة فُصْحى ودارِجة: خَلُونِي أجيكُم من الأخر.. في الحِتَّة بتاعة انقلاب المايويين، نحن لا تنطلي علينا فزّاعة المصريين بجهِّزوا لانقلاب، ونقول ليكم بتوديكم في طريق غلط، ذي ما قال أخونا محمد الحسن. وبوضوح وصراحة، المصريون ما عندهم قُدْرة ولا رغبة في عمل انقلاب أو مُساعدة انقلاب، على الأقل لخوفهم من فشله وتعقيد العلاقة أكثر مِمّا هِي مُعَقَّدَة. دي واحدة، والتانية أنْ يفكِّروا في إرجاع نميري “دي مش” حاجة مُستبعدة وبس، هم “زااااتم” ما دايرِنّها لأنّهم بعتبرو النميري محطّة تجاوزوها وانتهى غرضها ودايرين ينتقِلوا لمحطّة تانية، وقد أكد لِيَّ هذه المسألة أكثر من مرّة الرئيس مبارك نفسه ووزير الداخلية ووزير الخارجية و”بتاع” الاستخبارات. و”الشي” التالت، أنّ يؤيد المصريين أيّ انقلاب يحدُث، “دي حِتّة حقّو” تكون مفهومة ليكم وللناس كلهم، و”ليهم” أسبابهم حتّى لو نحن ما اعترفنا “بيها” أو نرى إنّها ما “قايمه” على أساس.في تلك اللحظة، تذكّرت زيارة الحسين سيد احمد للقاهرة عندما كان وزيرا للداخلية، وقد صحبته بطلب غريب منه في زيارة لمصر لحضور مؤتمر وزراء الداخلية العرب.كان سيد احمد آخر وزير داخلية وصل القاهرة، وأوّل من استقبله الرئيس مبارك، الأمر الذي أثار استغراب وحفيظة الوزراء العرب الآخرين. كيف حدث ذلك، ولماذا، وماذا قال الحسين سيد أحمد للرئيس المصري ومن كان مع الرئيس مبارك؟ ولماذا طلب منّي مرافقته، وهل كان ليَّ دور فيما دار من حديث؟ لله درّك يا أبو السيد، كل تلك المسائل يجِب أنْ تُكتب وتُقال، فقد سبق السيف العزل، ولنْ تغيّر شيئا، فمُبارك نفسه ذهب، ولكن، على الأقل لحفظ أقْدَار الرجال ولعدم تبخيس أدوارهم وما قاموا به لأجل الوطن، وأخيرا لواجِب ردّ الظلم عنهم، وليبقى ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فالزبد ذاهب لا محال وإنْ طال ركوده وفاحت رائحته الآسنة.إنّ وُصِفَ الحسين سيد أحمد، في يوم ذهبت فيه النخوة والطويّة والسويّة لنومه ظهيرة عميقة، بالعمالة لمصر.. فيا مرحباً بالعمالة والعملاء، وكونوا كُلّكُمْ عملاء، فقط كعمالة التربال أبو السيد، فكُلّنا الحسين. ولِيَجْلِس كل في “ماعونه” ليغطّيه إنْ كان باستطاعته، فلا يكون من “الضُعْفِ” بحيث يصبح منظره في الماعون الواسِع بشِعاً، ولا يكون “سمينا” على الماعون فيضيق عليه ويصبح وضعه بالتالي بائساً.. فيا لبشاعة الوضع، ويا لبؤس المنظر، بالتبادُل وبالتوالي. وكفى لحين أنْ تُسْرَد الرواية وقصّتها، ومع ذلك، ليبقى القول: إنّ كل من يغوص في الوحل بأكمله ويرمي من بعيد جلباب الترابلة الناصِعة البياض، علها تتّسِخ ببعض الطين، فهو بائس، يستحِقّ الشفقة.لمْ أسرح مع ذلك الأمر كثيراً، فقد استحضرَتَه ذاكرتي في عُجَالَةٍ وسرعة ضوئية، فَمَثَلَ المشهد أمامي لثوانٍ قليلة، لكنّني سجّلته بعبارة “سيد أحمد عميل مصر في القاهرة”، وضعتها داخل صندوق مستطيل، لمْ أدر كيف رسمته وكأنّني استعملت مسطرة، ولا أدري أيّهما جاء أولا: المستطيل، أمْ ما كتبته داخله؟عُدت بكل انتباهي لحديث الحسين سيد أحمد، الذي واصل وقال: نَحْنُ في الحزب الاتحادي الديمقراطي، نرى وفوق ذلك نرصُد، بـ “السليقة كدا”، أنّ أيّة جِهة تفكِّر في انقلاب، يجِب أنْ تنطلِق من الموقِفِ السياسي والوطني العام الذي في سبيله للتبلور، ومتوقّع أنْ يغيّر الخريطة السياسية في البلاد، وهو ما ستتمخّض عنه مُبادرة السلام التي وقعها السيد مع دكتور جون قرنق. فمَن هُم الذين يعارضون المُبادرة ووقف الحرب؟ ومَن هُم التصعيديّون؟ ومَن هُم الذين يخشون نجاح المُبادرة ووقف الحرب والانتقال إلى مرحلة جديدة بتحالفات جديدة ووِفْق نهج جديد؟ هذه المسائل يجِب أنْ تكون واضِحة عند مُتابعة خيوط الانقلاب أو الانقلابات التي تحدّثْتُم عنها بأنّها حركات تجري داخل الجيش وأنتُم تتابعونها وترصدونها، ولا تعرفون كنهها. نحن بالفعل في الحزب الاتحادي الديمقراطي وكما قال السيد محمد عثمان، نأخُذ ما تقولونه وما توصلتُم إليه مأخذاً جاداً بحُكْمِ المسؤوليات التي تتولونها، ولكنّنا كسياسيين، لدينا تقديرات قد تكون أبعد نظراً ولدينا قراءة رُبّما أشمل وأوسع.لبُرْهَةٍ صمت وزير الخارجية، ثم واصل: وحقيقة قد يكون من الواجِب الحديث في هذا الأمر بوضوح مع شريكنا الأكبر في الحُكم السيد الصادق المهدي ليتحمّل مسؤولية التطويل والتأخير في وضع حَدٍّ للكيد السياسي حتّى لا يتبقّى له إلّا لَوْمَ نفسه عندما تدخل البلاد في نفقٍ مُظْلِمٍ حقيقي.تمنيت حينها أنْ آخُذ زُمام الحديث، ولأنّ تلك وضعية لمْ تتوفّر لي حتّى في الأحلام، تمنيت أنْ أنهُض وآخُذ بدلاً من “زُمام الحديث”، سيد أحمد الحسين نفسه على جنب، وأبتعِد به لأقول له: أكشِف لهم يا أبو السيد عن غداء العمل الذي جرى بدار السيد محمد عثمان الميرغني مع السيد الصادق المهدي مُباشرة بعد عودتكُم من أديس أبابا وتوقيع مُبادرة السلام، فإنْ كانت “المُذكِّرة” يعتبرها الكثيرون دعماً مُقدّراً للمُبادرة، فعلى ممثلي أصحابها الجالسون معكُم أنْ يلِمّوا بكل تطوراتها ومتوالياتها وما جرى من حديث هاتفي بشأنها بين رئيس الوزراء والدكتور جون قرنق.ووددّت أنْ أذكِّره قائلاً: حدِّثهم يا سيد أحمد عن ماذا قال لك الوالد محجوب الماحي قبيل مغادرتكم لأديس أبابا عندما ألح عَليَّ أنْ أذهب به لمقابلة مولانا ولمْ يترُك الأمر عندما تعذّر اللقاء فأصرّ أنْ أحمِله لدارك ليحمِّلك رسالته للميرغني: يا سيد أحمد لو طلب قرنق حُكماً ذاتيّاً وافِق على آخر موسّع، ولو طمح في الموسّع أمنحه فدرالية، ولو دعا لفدرالية اطرح عليه كونفدرالية ولو بدأ بالأخيرة تحدّث معه عن انْفِصال “شيك هاند” أي مُصافحة لأجل لقاء قريب وليس وداع مُفارق لأَبدٍ أو أمدٍّ بعيدٍ، حتّى يَحِلّ كل طرفٍ مصاعبه لتتِمّ الوحدة من جديد.. ولو طمح في عضوية مجلس سيادة أو نائب رئيس للبلد، إنّني واثِقٌ بأنّ السيد احمد الميرغني أوّل مَن يترُك له المنصب، فأمنحه رئاسة البلد لتبقى البلد، وذلك ليس كثيراً على ترسيخ وحدة وطن واستمرار تعايش شعب.. أمّا إذا عُدت بخُفي حنين فاللوم عليك وعلى السيد محمد عثمان وليس على قرنق.وبضحكتك الفريدة قُلت له: والله يا محجوب من دربي “دا ماشي” أنقُل للسيد نصيحتك ورسالتك دي.ومع ذلك لمْ يطلِق والدي زند ساعِدَك وكانت تزداد ضغطة يده كُلّما طالت وقفتنا تحت عمود النور أمام دارك بنمرة 2 وكُنّا الاثنين مع آخرين على موعِدٍ مع السيد في داره القريبة من منزلك.حدِّثهم يا سيد احمد عن ردِّ مولانا عندما سأل عن التأخير، فزال عنه الكدر، عندما قُلت له: إنّه محجوب الماحي، فإمّا أنْ أتأخّر أو “أجيبو” ليكم يسْمِعَكُم كلاماً “جَدْ ما فيهو لولوة”.حدِّثهم بأنّك نقلت للميرغني الرسالة، وحدِّثهم لماذا قال الميرغني أنّه مع كل ما نصح به محجوب إلّا الانْفِصال.حدِّثهم يا أبو السيد عن ليلة حزم الحقائب للعودة بخُفي حنين من أديس أبابا وكيف تجاوزتُم عُقدة نَسف المفاوضات، ولماذا قال الميرغني: لا الحزب الاتحادي الديمقراطي ولا الحركة الشعبية يمثِّلان كل السودان حتّى نناقِش القضايا الكبيرة في حوار المُبادرة، ونريد فقط أنْ نوقِف الحرب ونجدِّد الثِقة ونتبادلها لنطرح كل ذلك وغيره من قضايا خِلافية في مؤتمرٍ دستوريٍ يمثِّل كل الشعب بأحزابه ونقاباته ومنظماته وأساتذة جامعاته لِيَبِتُّوا سَوِيَّا في أمر وطنهم.حدِّثهم عن قول قرنق للميرغني في أديس: يا مولانا انت في الحرب “بتاع حرب” وجيشنا انهزم في “معركة كُرْمُكْ” بالحاجات الجبتها ورجمونا بيها “ناس جيش شمالي” ونحن ما كُنّا شُفْناها ولا بنعرِفها، وزول بعْرِف يجيب حاجات حرب لازم يعْرِف يجيب سلام.حدِّثهم يا سيد أحمد الحسين عن أكثر من كل ذلك.. فالانقلاب القادم ضد الميرغني وليس المهدي.؛؛؛…؛؛؛فهل حدّثهم الحسين سيد أحمد عن شيء من ذلك؟ هذا ما سنتابِعه في الحلقة القادمة إضافة إلى حديث طويل للسيد محمد عثمان الميرغني ختم به الاجتماع. فالي الحلقة القادمة..The post (4 من 15): …. الخرطوم قبل وبعد 30 يونيو 1989 appeared first on صحيفة مداميك.