عبد المجيد قرشيمن الأخطاء الشائعة النظر إلى الحروب باعتبارها مواجهة عسكرية تُحسم في ميدان القتال وحده. فالتاريخ يعلمنا أن معظم الحروب الطويلة لم تنتهِ عندما نفدت الذخيرة، وإنما عندما أصبحت كلفة استمرارها الاقتصادية والسياسية أكبر من قدرة الأطراف على تحملها. ولهذا يمكن القول إن الاقتصاد هو العامل الأكثر تأثيرًا في استمرارية الحروب وإنهائها.قد تبدأ الحرب بدوافع سياسية أو أمنية أو أيديولوجية، لكنها لا تستمر إلا بوجود التمويل. فالجيوش النظامية والمليشيات المسلحة تحتاج إلى موارد مالية هائلة لتغطية الرواتب، وشراء الأسلحة والذخائر، وصيانة المعدات، وتأمين الوقود، وتوفير الغذاء والدواء والإمدادات اللوجستية. وكل يوم إضافي في الحرب يعني فاتورة اقتصادية أكبر واستنزافًا أعمق.وفي المقابل، فإن الحرب لا تستهلك الأموال فحسب، بل تدمر مصادر إنتاجها أيضًا. تتوقف المصانع، وتتراجع الزراعة، وينكمش الاستثمار، وتتعطل التجارة، وتُدمر البنية التحتية، وتتراجع الإيرادات العامة، بينما ترتفع معدلات التضخم والبطالة والفقر. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة؛ فكلما طال أمد الحرب، ضعف الاقتصاد، وكلما ضعف الاقتصاد، أصبح تمويل الحرب أكثر صعوبة.لقد أثبت التاريخ هذه الحقيقة في أكثر من تجربة. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية خرجت باقتصاد مدمر ومدن مدمرة، لكنها اختارت إعادة البناء والاستثمار في الصناعة والتنمية، فتحولت خلال سنوات إلى واحدة من أقوى الاقتصادات في العالم. ولم يكن هذا التحول نتيجة الانتصار العسكري، بل نتيجة بناء اقتصاد قادر على إنتاج السلام والاستقرار.وفي اليونان، وبعد سنوات من الأزمات الاقتصادية الخانقة، أدركت الدولة أن التعافي لا يأتي عبر الصراع السياسي المستمر، وإنما من خلال إصلاح الاقتصاد واستعادة الثقة بالمؤسسات. ورغم قسوة الإجراءات، فإن الاستقرار الاقتصادي أصبح أساسًا لاستعادة الاستقرار السياسي.أما رواندا، فقد خرجت من واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن العشرين. لكنها اختارت أن تجعل التنمية الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات، والمصالحة الوطنية، ركائز لمشروع الدولة الجديدة. ولم يكن تجاوز آثار الحرب والإبادة ممكنًا دون رؤية اقتصادية واضحة خلقت فرصًا للنمو والاستقرار.وفي فيتنام، وبعد عقود من الحرب، اتجهت الدولة نحو إصلاحات اقتصادية واسعة، وفتحت أبوابها للاستثمار والتجارة، لتتحول تدريجيًا من دولة أنهكتها الحرب إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في آسيا. لقد انتصر الاقتصاد في النهاية على آثار الحرب.هذه التجارب، على اختلاف ظروفها، تقدم درسًا واحدًا: الحروب قد تبدأ بالسلاح، لكنها تنتهي عندما يصبح الاقتصاد هو الأولوية.وفي الحالة السودانية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فقد أدت الحرب إلى خسائر اقتصادية واجتماعية وإنسانية كبيرة، وتعطلت مؤسسات الإنتاج، وتضررت الخدمات الأساسية، ونزح ملايين المواطنين، بينما أصبحت معيشة المواطن هي الضحية الأولى لاستمرار الصراع.ومع استمرار الحرب، تتزايد الحاجة إلى مصادر تمويل جديدة. وقد تلجأ الأطراف المتحاربة إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية أو فرض الجبايات أو الاعتماد على الدعم الخارجي. غير أن هذه الموارد ليست بلا حدود، كما أن استمرار الاعتماد عليها يضاعف كلفة الحرب ويطيل أمدها.ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المراقبين أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة أصبحت أحد العوامل التي تدفع مختلف الأطراف إلى إبداء قدر أكبر من الانفتاح على المبادرات السياسية. وفي هذا السياق، برزت الجهود التي يقودها مستشار الإدارة الأمريكية للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس لإحياء مسار التفاوض والتوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار. وقد شهدت هذه المبادرات نقاشات وردودًا من الأطراف المختلفة، في ظل استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية والإنسانية.لكن الخطر الأكبر يتمثل في أن استمرار الحرب دون أفق للحل قد يؤدي إلى استنزاف مؤسسات الدولة، ويفتح المجال أمام تنامي نفوذ أمراء الحرب والجماعات المسلحة المحلية، بحيث تصبح مصالح بعض الفاعلين مرتبطة باستمرار الصراع أكثر من إنهائه. وعند هذه المرحلة، لا تعود الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تتحول إلى اقتصاد حرب متكامل يصعب تفكيكه.لذلك، فإن أي مشروع وطني لإنهاء الحرب لا ينبغي أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يشمل برنامجًا متكاملًا لإعادة بناء الاقتصاد، وإحياء الإنتاج الزراعي والصناعي، وإعادة الإعمار، واستعادة ثقة المستثمرين، وتهيئة بيئة توفر فرص العمل للشباب، لأن السلام الحقيقي يحتاج إلى اقتصاد قوي بقدر حاجته إلى اتفاق سياسي.إن السلام ليس مجرد توقيع اتفاق بين المتحاربين، بل هو بناء دولة قادرة على توفير الأمن والعدالة والعيش الكريم لمواطنيها. وعندما يصبح الاستثمار في السلام أكثر ربحًا من الاستثمار في الحرب، وعندما تدرك الأطراف أن استمرار القتال يعني خسارة الجميع، فإن طريق التفاوض يصبح الخيار الأكثر عقلانية.لقد أثبت التاريخ أن الدول التي أعادت بناء اقتصادها استطاعت أن تبني سلامًا دائمًا، بينما ظلت الدول التي استمرت في اقتصاد الحرب أسيرةً للعنف والانقسام. ولهذا، فإن مستقبل السودان لن يُصنع في ساحات القتال، بل في المصانع والمزارع والجامعات ومؤسسات الدولة، حيث يُبنى الاقتصاد الذي يحمي السلام ويمنح الأجيال القادمة فرصة لحياة مستقرة وآمنة.The post الاقتصاد هو من ينهي الحرب appeared first on صحيفة مداميك.