أبعاد هجوم الطيران المصري على جبل العقيدات وتداعيات السقوط الوشيك لمدينة الأبيض

Wait 5 sec.

التجاني الحاج عبد الرحمنمقدمة:خلال الفترة الماضية قامت وحدات من طيران الجيش المصري بالهجوم على منطقة جبل العقيدات والتي تقع على بعد 20 كيلومتراً جنوب خط عرض 22 داخل الأراضي السودانية. تسبب هذا الهجوم حسب الإحصائيات في مقتل ما يزيد على 400 مواطن سوداني من الذين يشتغلون بالتعدين التقليدي (ألترا سودان، 17 يونيو 2026). استندت الرواية المصرية “غير الرسمية”، التي تم تداولها عبر وسائط التواصل، “بأن الهجوم تم في الأراضي المصرية داخل مثلث حلايب” (صحيح مصر، 21 يونيو 2026)، وهو مثلث في الأصل موضوع خلاف ونزاع بين السودان ومصر بعد إن قامت الأخيرة باحتلاله في 1995. هذا التقرير أولاً: يفند السردية المصرية حول الموضوع، ثانياً: يلقي الضوء على الأبعاد السياسية والاقتصادية الحقيقية وراء هذا الهجوم، على خلفية الحرب الدائرة في السودان منذ ٢٠٢٣.التحديد الجغرافي لموقع الهجوم:يتموضع كل من سوق الأنصاري وجبل العقيدات اللذين تعرضا لهجوم الطيران المصري على الإحداثيات 21°44’51.2″N 35°02’20.5″E، 21.82° N, 34.11° E على التوالي، وحسب جغرافيا المنطقة، فهاذين الموقعين يتواجدا داخل الحدود السودانية، جنوب خط عرض 22. والمعروف أن هذه المناطق ليست مدناً سكنية رئيسية، إنما هي نقاط تجمّع صحراوية وعرة ومناطق تعدين مفتوحة في عمق الصحراء الشمالية الشرقية للسودان. يقع سوق الأنصاري للتعدين والذي يُصنف في أدبيات الحدود على أنه “نقطة تبادل حدودية ومركز تجمع رئيسي، ويتبع إدارياً لمحلية أبو حمد في ولاية نهر النيل بالسودان، وأحياناً يتداخل مع محلية جبيت المعادن بولاية البحر الأحمر. لا يظهر السوق دائماً كاسم تجاري واضح، ولكن عند البحث عن “أبو حمد، السودان”، يقع السوق في الصحراء الممتدة شمال شرق المدينة بنحو 150 إلى 200 كيلومتر باتجاه وادي العلاقي والحدود المصرية. يقع جبل العقيدات أو منجم شمال الوادي في منطقة جبلية غنية بعروق الذهب تُعرف محلياً أيضاً بمنجم (العامود) أو “شمال الوادي”، وتضم آلاف المعدنين التقليديين. جغرافياً يقع إلى الغرب من “الجبل الأحمر” و”الجبل الأبيض”، وهذه المنطقة تقع بالضبط وحسب الإحداثيات جنوب خط عرض 22 شمالاً بنحو 20 كيلومتراً، أي داخل العمق السوداني إدارياً. وبالتالي فإن تصوير ما جرى باعتباره عملية أمنية داخل الحدود المصرية لا يصمد أمام الفحص الجغرافي والميداني (م. الهادي، جبل العقيدات، كيف تكذب الجغرافيا الرواية المصرية؟).الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية:تقع منطقة جبل العقيدات ضمن حزام غني بخام الذهب يمتد بطول الحدود السودانية المصرية من البحر الأحمر في منطقة حلايب وشلاتين وحتى منطقة المثلث في الحدود المشتركة ما بين مصر وليبيا والسودان، ويتدحرج هذا الخط حتى مدينة جنوب مدينة أبوحمد. بعد حرب ابريل 2023، أصبح هذا الحزام ذو أهمية استراتيجية من الناحية الأمنية والاقتصادية بالنسبة للسودان ومصر معاً. عليه، فإن الموضوع أكبر بكثير من مجرد هجوم عادي نتج عنه مقتل مواطنين سودانيين داخل أرضهم، وإنما يرتبط بإستراتيجية اقتصادية وأمنية مصرية في نهاية التحليل.بالنسبة لحكومة بورتسودان، من بعد من اندلاع حرب أبريل 2023م، وتوقف مداخيل الإنتاج الأخرى في السودان، أصبح الذهب هو المحرك الأساسي للاقتصاد الكلي واقتصاديات الحرب والتمويل العسكري على وجه الخصوص، وفي داخل دائرة الإنتاج هذه يمثل قطاع التعدين الأهلي (التقليدي) الركيزة الأساسية، حيث يستوعب هذا القطاع أكثر من مليوني معدّن تقليدي وينتج ما يزيد عن 80% من الذهب المستخرج في البلاد، وتُقدّر التقارير الدولية إنتاج السودان السنوي من الذهب بين 70 و90 طناً (عمر سيد أحمد، مجلة افق جديد، مايو 2026). ومع استمرار المعارك، سعت القوات المسلحة السودانية، التي تسيطر على مناطق الإنتاج والتعدين الرئيسية في الولاية الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، إلى توجيه تدفقات الذهب نحو مصر بدلاً من تصديرها مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها بورتسودان بدعم قوات الدعم السريع، وبناءاً على ذلك، تحوّلت مصر إلى وجهة استراتيجية بديلة ومفضلة لتصدير الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني. وقد انعكس ذلك بوضوح شديد على مؤشرات الاقتصاد المصري، حيث سجلت صادرات مصر من الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة قفزة استثنائية، لتصل إلى 7.6 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025م، مقارنة بنحو 3.2 مليار دولار في عام 2024م، محققة بذلك زيادة قياسية بلغت حوالي 137.5% ( CNN Arbia, Nov 27, 2025) وتعد هذه الطفرة امتداداً لمسار متصاعد بدأ في نهاية عام 2023م، حيث سجلت الصادرات حينها 1.8 مليار دولار، وتجلى هذا النمو المتسارع بوضوح في الربع الأول من عام 2025م، إذ تجاوزت قيمة الصادرات المصرية من الذهب في شهري يناير وفبراير وحدهما حاجز ملياري دولار، وهو ما يعادل تقريباً إجمالي صادرات تسعة أشهر من عام 2024م. عليه تشير البيانات إلى أن قطاع الذهب والمعادن الثمينة بمصر أصبح المساهم الأول في نمو الصادرات غير البترولية، حيث شكلت مبيعات الذهب غير المشغول وحده نحو 14.8% من إجمالي الصادرات المصرية السلعية البالغة 51.4 مليار دولار في عام 2025م. (مجاهد بشرى، منقول من صفحة السيادة الوطنية على الفيسبوك).عليه، عند إخضاع أرقام الصادرات المصرية من الذهب لعملية مطابقة كمية مع القدرات الإنتاجية الفعلية للمناجم المحلية في مصر، يظهر تباين كمي كبير؛ إذ يبلغ إنتاج مصر الرسمي من الذهب حوالي 15.8 طن سنوياً ويأتي الجزء الأكبر من هذا الإنتاج من منجم (السكري) الواقع بالصحراء الشرقية، والذي سجل إنتاجاً بلغ 481 ألف أونصة (نحو 15 طناً) عام 2024م (أشرف فكري، موقع الشرق، المصدر بلومبيرغ، 9 يناير 2025)، ليرتفع بنسبة 4% ليصل إلى 500 ألف أونصة (نحو 15.5 طن) في العام 2025 ( موقع حابي، 21 فبراير 2026) تحت إدارة شركة “أنجلو جولد أشانتي Anglo Gold Ashanti” بعد استحواذها على شركة “سنتامين Centamin” في صفقة بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار (صفحة صحيح مصر على الفيسبوك، 11 سبتمبر 2024).وبالنظر إلى مؤشر قيمة الصادرات المصرية من الذهب والبالغة 7.6 مليار دولار في عام 2025م، نجدها تعادل ما يقارب الـ 68 طناً من الذهب الصافي حسب الأسعار العالمية في ذلك التوقيت. وبالتالي، فإن هذا الحجم يفوق الإنتاج المحلي الإجمالي الفعلي لجميع المناجم المصرية بأكثر من 50 طناً. وتفسّر هذه الأرقام التحقيقات التي أجرتها منظمة Swiss Aid في تحديد مصدر الفارق ما بين الانتاج الفعلي للمناجم المصرية، وكمية الذهب المصدر في نهاية السلسلة، وتوصلت إلى أن هناك كميات مقدّرة من الذهب المصدّر من مصر تحت تصنيف “الذهب المعاد تدويره”، هو في الواقع ليس سوى سبائك مهرّبة من مناجم السودان جرى صهرها محلياً لإخفاء منشئها الحقيقي وتسهيل دمجها في سلاسل التوريد الدولية ((SwissAid, Nov 4,2025.من ناحية أخرى، ولشرعنة واردات الذهب المهرّب من السودان إلى مصر عبر الحدود والمطارات، قامت الحكومة المصرية، بإقرار تشريعات في مايو 2023م ــــ أي بعد شهر واحد فقط من اندلاع الحرب ــــ قضت بإعفاء واردات الذهب نصف المشغولة، والمعدة للتداول النقدي، والحلي والمجوهرات بصحبة القادمين من الخارج من الرسوم الجمركية والضرائب (باستثناء ضريبة القيمة المضافة) دون قيود على الكميات!! وقد تم تمديد هذا القرار لضمان استمرارية تدفق المعدن الثمين إلى السوق المحلي واستقرار الأسعار وسط أزمة شح النقد الأجنبي التي عانت منها مصر( موقع البوابة، 21 يونيو 2026).ولربط الخيوط مع بعضها البعض، نجد أنه من المفيد الإشارة إلى دور الجيش المصري في الموضوع، والذي تم عبر شركة شلاتين المصرية العاملة في مجال التنقيب عن الذهب، والتي تأسست عام 2012م. يمتلك الجيش المصري أسهماً في هذه الشركة عبر ذراعه (جهاز مشروعات الخدمة الوطنية) التابع لوزارة الدفاع المصرية، والتي تبلغ حصته فيها 34%، بينما تتوزع باقي الحصص بين الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية (35%)، وبنك الاستثمار القومي (24%)، والشركة المصرية للثروات (7%) (الشرق، بلومبيرغ، 9 يناير 2025). تمتلك شركة شلاتين تفويضاً قانونياً لتنظيم وتقنين عمليات استخراج الذهب والتعدين الأهلي في المنطقة الاستراتيجية الواقعة بين خطي عرض 22° و24° شمالاً، وهي منطقة جغرافية تتقاطع مباشرة مع مثلث حلايب وشلاتين السوداني المحتل مصرياً، والحدود المتاخمة للسودان. وبهذا يمكن الوصول إلى استنتاج أولي حاسم، هو: “أن الجهود والسياسات المصرية فيما يتعلق بتأمين وضبط تدفقات الذهب، تخطت عملياً حاجز الأطر القانونية والمالية لتتخذ طابعاً عسكرياً وميدانياً مباشراً في المناطق الحدودية”؛ وبالتالي، فالهجوم الأخير على منطقة جبل العيقاد وسوق الأنصاري الواقع داخل الأراضي السودانية في ولاية نهر النيل في 16 يونيو 2026م، لا يمكن تفسيره غير أنه يقع ضمن نطاق هذه التوجهات الاستراتيجية المصرية الجديدة، والتي انتقلت من مرحلة الاعتماد على استلام الذهب السودان المهرّب عبر حدودها ومطاراتها واعادة تدويره وادماجه قانونياً، إلى محاولة السيطرة والاستحواذ على مصادره الأصلية بالقوة مباشرة أينما كانت، ومهما كانت المبررات.وما كان لهذه النقلة في الاستراتيجية المصرية لتحدث لولا الشروط السياسية والأمنية الهشة التي يمر بها السودان. لذلك يُفهم هذا الانتقال بصورة أوضح ما تكون عند ربطه بمعطيات الحرب الدائرة في السودان وتداعياتها، حيث نجد أنها وفرّت المبررات الأمنية والاقتصادية من الناحية السياسية، والبيئة الملائمة من الناحية العملية، للمصريين للإقدام على هذه الخطوة. وقد حاولت السردية المصرية “غير الرسمية” التبرير لذلك ـــ كما ذكرنا من قبل ـــ باعتبار الهجوم على منطقتي سوق الأنصاري وجبل العيقاد “إجراء أمني روتيني للحد من التنقيب غير القانوني للذهب داخل الحدود المصرية”، لكن يبدو حتى أن هذا التفسير كشّف عن ضعفه من الناحية القانونية والأخلاقية، خاصة عندما يتواجه بحقائق الجغرافيا السياسية، والتي تهدم أهم أركانه، وهو حدوثه داخل الأراضي السودانية وليس المصرية. وبالتالي؛ فإن أي تخريجات ستأتي فيما بعد لتفسير ما حدث ـــ ومهما كانت أسبابها ــــ يصعب الدفاع عنها. لذلك، وفي تقديري فإن السلطات المصرية فضّلت أن يأتي التبرير عبر تسريبات الوسائط الاجتماعية والشخصيات وثيقة الصلة بدوائر صنع القرار، على أن تمضي لأحوال على الأرض بسياسة وضع اليد وفرض الأمر الواقع عملياً.ويبدو أن الهجمات العسكرية للحكومة المصرية لم تقف عند حدود منطقة جبل العيقاد، فقد شهدت مناطق أخرى في السابق تقع ضمن هذا الحزام (من حلايب وشلاتين في الشرق إلى منطقة المثلث في الحدود ما بين ليبيا والسودان ومصر) انماطاً شبيهة من الهجمات. وقد وثقت عدة تقارير هجمات لوحدات عسكرية مصرية على منقبين سودانيين في تلك المناطق بذريعة حماية أنشطة التنقيب التابعة لشركات تعدين مصرية عاملة هناك.عموماً، تبرهن الأدلة أن هنالك صلة وثيقة ما بين الزيادة الكبيرة في صادرات الذهب المصرية والحرب السودانية؛ حيث تمكنت مصر من الحصول على كميات كبيرة من الذهب السوداني وإعادة دمجه في قنوات تصديرها الرسمية. والحضور العسكري المكثف للجيش المصري لا يمكن تفسيره غير أنه تغطية أمنية لعبور الذهب المهرب في بداياته، تطور حالياً إلى عملية وضع يد بالكامل على مصادر إنتاج الذهب في السودان، تسند هذه العملية الهشاشة الأمنية في السودان، وتواطوء سلطة بورتسودان من أجل الحصول الدعم المصري، من إسناد لوجستي يتمثل في توفير السلاح والذخائر والإسناد الجوي، والدعم الاستخباراتي والدبلوماسي لمواصلة الحرب حتى تؤمن موقعها في السلطة سلماً كان ذلك أم حرباً.الجانب الأخر والبعيد المدى للتغلغل المصري داخل الأراضي السودانية متعلق بإستراتيجية حماية تدفقات مياه النيل والموارد الزراعية والحيوانية الأخرى. وقد عملت السلطات المصرية لتنفيذ هذه الإستراتيجية الوقائية منذ فترة مبكرة، ذلك عندما قامت باستغلال مطار مروي كقاعدة جوية عسكرية متقدمة. وتتلخص الأسباب الإستراتيجية المنطقية لهذه الخطوة المبكرة، في التالي:أولاً: حماية خزان مروي، والذي يمثل خط دفاع أخير للأمن المائي المصري داخل السودان، بعد أن أصبحت خزانات جبل أوليا، سنار والروصيرص، ضمن نطاق عمليات عسكرية ساخن. وتنبع أهمية خزان مروي بالنسبة لمصر في أنه، ومن الناحية البيئية والفنية الهيدرولوجية، يمكن عبره التحكم في تنظيم واستقرار تدفقات المياه منه إلى السد العالي في جنوب مصر، حتى وأن تعثر تنسيق هذه العملية مع بقية الخزانات الأخرى لأسباب أمنية وسياسية.ثانياً: حماية المناطق الزراعية في منحنيات النيل بامتداد ولايات الخرطوم، نهر النيل والشمالية، والتي تمثل إستراتيجياً مخزون استثماري مستقبلي للمنتجات الزراعية يساهم في تغطية الاحتياجات المصرية، وهنا نجد نقطة تتقاطع فيها المصالح ما بين مصر والمملكة العربية السعودية، والتي تمتلك فيها الأخيرة أراضي زراعية شاسعة في هذه المنطقة والمعروفة بمشاريع غرب أمدرمان.ثالثاً: تأمين مناطق تعدين الذهب الواقعة في الولايات الشمالية في السودان، وبطول الحدود بين البلدين، من البحر الأحمر شرقاً وحتى الحدود المصرية/السودانية/الليبية، فقد صارت هذه المنطقة ذات أهمية إستراتيجية للاقتصاد المصري، بعد أن تسببت الحرب الحالية في انحسار تدفق المنتجات الزراعية والحيوانية التي كانت مصر تحصل عليها من الولايات السودانية البعيدة مثل كردفان ودارفور ووسط السودان حتى تخوم النيل الأزرق، وتقوم بإعادة تصديرها للحصول على العملات الصعبة. بالتالي، أصبح ذهب المناطق الشمالية للسودان هو البديل المتاح لتغطية هذا الفارق.رابعاً: هذا الحزام يحتوي على أثار تاريخية قديمة، جزء منها طُمر تحت المياه في مدينة حلفا عشية بناء السد العالي في مصر. معظم الآثار الموجودة في هذه المنطقة تشير إلى أن الحضارة الفرعونية المصرية تجد أصلها في السودان بحسب اكتشافات عالم الاثار الفرنسي شارل بونيه (الأناضول، 18 مارس 2017)، وهو الأمر الذي يقدح في الرواية المصرية حول أصل الحضارة الفرعونية باعتبارها مصرية الأصل في شمال الوادي، وهي في الواقع نوبية الأصل من جنوب الوادي. فهذا الحزام الذي يقع بين أقصى الجنوب المصري وشمال السودان، من الناحية الحضارية والتاريخية ذو أهمية بالغة لمصر السلطة، فسيطرتها على هذا الحزام تعني وضع يدها على هذه الأثار، وهو ما يمكّنها من كتابة تاريخ مختلف للحضارة النوبية القديمة، وبما يتوافق مع روايتها لهذا التاريخ عبر العصور، وغني عن القول إن الحضارة الفرعونية القديمة ظلت واحدة من المداخيل الرئيسية للاقتصاد المصر عبر السياحة الأثرية لعقود طويلة.عليه، فمن الناحية الإستراتيجية، فإن تطور الحرب السودانية الذي أفضي إلى تدهور الأوضاع العسكرية للجيش في غرب السودان وسيطرة قوات الدعم السريع وحلفائهم على معظم أراضي دارفور وكردفان، وتهديدها المستمر لولايات النيل الأزرق و الولايات الشمالية، ومؤخراً التهديد بسقوط مدينة الأبيض الذي بات وشيكاً، مضافاً إليه ضعف حكومة بورتسودان وتفكك جبهتها الداخلية، أصبح سيناريو تقدم قوات الدعم السريع وحلفائها وسيطرتهم على هذه المناطق أمراً محتملاً، وهو واقع في حال حدوثه، سيجعل قوات الدعم السريع وحلفائها في تأسيس مسيطرين على جزء كبير من حوض النيل بطول النيلين الأبيض والأزرق، وهو أمر تحاول مصر تجنبه بأي ثمن. لذلك فالهجوم الأخير الذي قامت به مصر على مناطق تعدين الذهب، من السذاجة المعيبة، أن تتم قراءته على أنه تم بغرض السيطرة على مورد بالغ الأهمية كالذهب فحسب، وإنما له أبعاد جيوبوليتيكية، أمنية، اقتصادية وتاريخية. وبالتالي، من المنطقي جداً فهمه كخطوة تكتيكية أولية ضمن سلسلة خطوات استراتيجية وقائية بدأت منذ فترة مبكرة للسيطرة الفعلية على الأجزاء الشمالية من السودان لتأمين حدودها الجنوبية، تأمين حوض النيل وتدفقات المياه، وفي ذات الوقت استغلال الموارد المعدنية لدعم اقتصادياتها المتعثرة بعد انحسار الدعم الخليجي.هل يكون سقوط مدينة الأبيض مدخلاً للتدخل الإقليمي المباشر؟لا ترتبط أهمية الأبيض بموقعها الجغرافي فحسب، بل بأهميتها الاستراتيجية من الناحية العسكرية والاقتصادية. فالمدينة تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة”، إحدى أبرز التشكيلات العسكرية التابعة للجيش السوداني وأقدمها، كما تشكّل مركزاً رئيسياً لخطوط النقل والتجارة التي تربط جميع ولايات كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد. وتحتضن الأبيض كذلك أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، ما يمنحها وزناً اقتصادياً استثنائياً ويجعل من السيطرة عليها ذات أهمية كبيرة لأي طرف يسعى لتعزيز نفوذه في وسط وغرب السودان وعبره إلى وسط وغرب أفريقيا. هذه الاعتبارات مجتمعة تفسّر تصاعد الضغوط العسكرية حول المدينة خلال الأشهر الأخيرة. فمن الناحية العسكرية، من يسيطر على مدينة الأبيض فهو عملياً يسيطر على مركز استراتيجي بالغ الأهمية، فالمدينة تقع بالضبط في وسط السودان، وترتبط كل ولايات السودان بها بطرق برية بالإضافة إلى خط سك حديدية يمتد جنوباً إلى مدينة واو في جنوب السودان، بها أيضاً مطار دولي كبير بإمكانه استقبال طائرات كبيرة.عليه، فسقوط مدينة الأبيض تحت سيطرة قوات الدعم السريع يعتبر أمر بالغ الأهمية لأنه يمكّن الدعم السريع من السيطرة على كل هذه الطرق الحيوية، ويفتح الطريق أمامه للتقدم نحو مدينة كوستي وعبور النيل الأبيض لربط قواته القادمة من دارفور وكردفان بقواته المتمركزة في النيل الأزرق. وبالتالي، يكون سيناريو حدوث تطورات عسكرية موازية في النيل الأزرق ووسط السودان إحتمال متوقع في الفترة القادمة. الأهم من ذلك، فإن سقوط المدينة يعني سياسياً وقوع كامل غرب السودان بطول الشريط النيلي من الحدود المصرية شمالاً وحتى حدود جنوب السودان جنوباً تحت قبضة قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس، وهو أمر من المتوقع له أن يعقّد أي جهود مفاوضات ما بين الطرفين للتسوية مستقبلاً، بمعنى؛ إن التقدم العسكري الذي قد ينتج من سقوط الأبيض وتقدم قوات الدعم السريع نحو النيل الأبيض، سيكون انعكاسه السياسي هو أن ترفع قوات الدعم السريع وتحالف تأسيس من سقفها التفاوضي، وهو الأمر الذي قد يدفع الوساطة الدولية والإقليمية للقبول بوضعية نظامين سياسيين، على أقل تقدير كثمن لوقف الحرب والاقتتال، والحد من التدخل الإقليمي.أيضاً فإن سقوط مدينة الأبيض تحت سيطرة قوات الدعم السريع، لا تقف حدود أهميته الاستراتيجية عند الطرفين المتحاربين فقط، بل من المرجح أن تتداخل أطراف إقليمية أخري مثل مصر وأثيوبيا وتشاد وجنوب السودان بشكل مباشر في معمعة الصراع الحالي دفاعاً عن مصالحها الحيوية ذات الصلة، هذا إن لم يكن قد حدث بالفعل!!، وما تقوم به مصر حالياً يمثل الإثبات العملي لهذا الفرضية. وكما ذكرنا، فإن سقوط المدينة سيفتح الطريق أمام قوات الدعم السريع لتطوير هجومها نحو السيطرة على مدينة كوستي الواقعة على النيل الأبيض والتي تمثل جسراً حيوياً يربط كامل غرب السودان بشرقه. هذا الأمر سيجعل الطريق مفتوحاً أمامها إلى النيل الأزرق، الجزيرة، سنار، الخرطوم وربما إلى شرق السودان، وهو الأمر الذي يضع كل المخاوف المصرية في سلة واحدة ـــــ أن تسيطر قوات الدعم السريع وحلفائها على حوض النيلين الأبيض والأزرق في الولايات الجنوبية للسودان (النيل الأبيض، النيل الأزرق، سنار والجزيرة)، وتهدد أمنها المائي الذي استثمرت فيها لعقود طويلة من الزمن. لذلك نعتقد أن التدخلات المصرية في أقصى الشمال السوداني ماهي إلى اجراءات تحوطية أولية لمواجهة هذه التطورات في حال حدوثها.بالمقابل، فإن التدخل الأثيوبي المباشر يصبح أيضاً احتمالا قائماً في حال حدوث أي تقدم مصري داخل العمق السوداني خاصة في وسط وشرق السودان، وليس بعيداً عن الأذهان حادثة حصار القوة المصرية المتواجدة في الحدود السودانية الأثيوبية في النيل الأزرق، بالإضافة إلى القاعدة العسكرية المصرية المتمركزة بمنطقة (جوت) في أقصي الشمال الشرقي لدولة جنوب السودان في الحدود مع أثيوبيا وقريباً من سد النهضة الإثيوبي، والتي طالبت حكومة جنوب السودان الحكومة المصرية بإخلائها (RT, May 11, 2026 ( . بناء على هذه التطورات، يتضح لنا مدى تفاقم الهاجس المصري مما يدور في السودان، ومدى استعداده للتدخل المباشر. على كل حال، المعلومات الواردة من الأبيض تفيد بأن سقوط المدينة بات أمراً وشيكاً، وهو أمر يعيد إلى الأذهان ما حدث في مدينة الفاشر العام الماضي وما أرتبط بذلك من انتهاكات واسعة النطاق.خلاصات:الهجوم المصري على منطقة سوق الأنصاري وجبل العقيدات داخل الأراضي السودانية، وعلى ضوء الاستعراض السابق، لا يمكن أخذه كإجراء أمني روتيني عادي أو خلاف حول منطقة حدودية، بل هو في واقع الأمر جزء تكتيكي من سلسلة خطة إستراتيجية مصرية بعيدة المدى، مبنية على استثمار ورصيد تاريخي قديم، وتطبيق لنظرية سياسية مصرية قديمة تعتبر أن السودان ــ حسب المقولة المصرية الشائعة ـــ عمق أمني مصري، وقد وضح الآن أن المعني الحقيقي لمقولة “العمق الأمني” في أنها تتلخص في ثلاثة حدود مركزية على الأقل: (1) ضمان تدفق الموارد المائية بسلاسة إلى مصر (2) الحصول على الموارد الزراعية والحيوانية، والموارد المعدنية من السودان لدعم اقتصادها (3) وإعادة كتابة التاريخ الحضاري القديم للمنطقة، بما يعزز أصلها كحضارة مصرية لا نوبية في الأصل.حصار مدينة الأبيض بواسطة قوات الدعم السريع وسقوطها الوشيك أيضاً لا يمكن التعامل معه كمتغير يتحرك ضمن سياق حدود الأزمة السودانية الداخلية فحسب، بل صار من المؤكد أن له امتدادات قد تصل حد تسارع التدخل الإقليمي الواسع في الحرب الدائرة في السودان. وكما ذكرنا، فسقوط المدينة سياسياً يعزل كامل غرب السودان، وفي حال حدوث هذا الاحتمال سينشطر السودان عملياً وواقعياً إلى نصفين بطول امتداد النيل من الحدود مع جنوب السودان وحتى دخوله الحدود المصرية، هذا إذا لم يقع حوض النيل الأزرق من نقطة دخوله في أثيوبيا وحتى تخوم ولاية الجزيرة أيضاً ضمن هذا النطاق. وذلك، يعني عملياً سيطرة الدعم السريع وتحالف تأسيس على أكثر من 70٪ من مساحة السودان، وأهم ما في ذلك هو السيطرة على حوض النيل في الجنوب، وما يعنيه ذلك من تحكم في تدفقات المياه المتجهة نحو مصر. لذلك يظل حدوث هذا السيناريو من الأسباب المركزية التي تدعم فرضية التدخل المصري والتوغل جنوباً، وبالمقابل التدخل الإثيوبي من ناحية الشرق. كل ذلك ينقل الحرب الدائرة الآن من طبيعتها الحالية كصراع سوداني داخلي تظهر فيه التدخلات الإقليمية بصورة خافتة وخفية، إلى مواجهات مباشرة وعلنية بين قوى إقليمية داخل الأراضي السودانية تسعي لحماية مصالحها في السودان.من دون الدخول في جدل لا معنى له حول صحة الرواية المصرية بالهجوم على مناطق تعدين داخل الأراضي السودانية من عدمها، غير أن الحقيقة التي ستظل ساطعة، إن كل ما فعلته هذه الخطوة أنها عززت بقوة من مقولة التورّط المصري المباشر في حرب السودان، وعليه، فإن محصلة هذه التطورات تصيب في مقتل مصداقية الجهود الدبلوماسية المصرية الرسمية التي تدعي السعي لإيجاد حل للحرب الدائرة في السودان، خاصة في منابر الرباعية والخماسية، وتضعها ــ أي مصر ـــ في خانة الشريك الأصيل في الحرب أكثر من كونها وسيط محايد. عليه تجد مجموعة الوسطاء نفسها أمام حرج علاقات دولية ودبلوماسية بامتياز. فبينها عضو أو أعضاء يدعون دبلوماسياً أنهم على الحياد في الصراع السوداني، لكن واقع الأمر العملي يقر غير ذلك، وبالتالي تظل هذه المنابر مطالبة أكثر من أي وقت مضي بإعادة تعريف الدور المصري على وجه التحديد في هذه المنابر، لتجنب عرقلة الجهود الكلية الرامية لوقف الحرب في السودان، وأحداث تحول ديمقراطي.حتى لا يتكرر مشهد مدينة الفاشر السابق في الأبيض، فإن الطرفين مطالبين بالاحتكام لصوت العقل ووقف الحرب قبل أن يضطر المجتمع الدولي إلى التدخل بقوة لمنع حدوث انتهاكات جسيمة، فبالإضافة إلى التداعيات الإنسانية المتوقعة، فإنه ومن الناحية السياسية من المتوقع أن يؤدي هذا السقوط إلى تعقيد أي جولات مفاوضات في المستقبل، وربما يقود إلى سيناريو نظامين سياسيين في بلد واحد شبيه إلى درجة ما بالنموذج الليبي على أفضل تقدير، هذا إن لم يفتح الباب للتدخلات الإقليمية الواسعة، وانتقال حرب السودان من حرب وكالة بين الأطراف السودانية، إلى حرب الوكلاء أنفسهم على أرض السودان.The post أبعاد هجوم الطيران المصري على جبل العقيدات وتداعيات السقوط الوشيك لمدينة الأبيض appeared first on صحيفة مداميك.